أبو العاص بن الربيع العبشمي القرشي
نبذة
أبو العاص بن الربيع العبشمي القرشي صهر رسول الله على ابنته «زينب بنت رسول الله»، وهي أكبر بناته، وأم أبي العاص هي هالة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد، فتعتبر خديجة أم زينب وخالة أبي العاص، فأبو العاص تزوّج ابنة خالته، ولما وقعت معركة «بدر الكبرى» كان أبو العاص في صف «الكفار»، وحينما وقعت الهزيمة في صفوف الكفار كان أبو العاص أحد من انهزم ووقع أسيراً في يد عبد الله بن جبير الأنصاري، فلما سمعت زينب وكانت آنئذٍ بمكة أن زوجها وقع أسيراً في يد المسلمين ارسلت في فدائه أخاه «عمرو بن الربيع» وجعلت معه مالا لافتداء زوجها، وكان المال يضم فيما يضم على قلادة لزينب كانت خديجة قد زفّت أبنتها إلى زوجها أبي العاص وهي تتقلد القلادة من يد امها خديجة، فلما أن رأى رسول الله القلادة انهالت عليه صلوات الله عليه الذكريات، فخاطب المسلمين قائلاً: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها، فافعلوا.
فقال المسلمون: نعم، وردوا المال مع القلادة إلى زينب، وأطلقوا سراح زوجها أبي العاص، فعاد أبو العاص إلى أسرته مرتاحاً مسروراً، ولكن الرسول حينما أطلق اسار أبي العاص شرط عليه أن يرسل زينب إلى المدينة ففعل أبو العاص، فقال الرسول: «حدَّثَني فَصَدَقَنِي، ووَعَدَنِي فَوَفَى لِي» وكان أبوالعاص صاحب الرسول (ص) في الجاهلية ومصافياً أياه يجرى بينهما الصفاء والود والاحترام المتبادل، وحينما جاء الاسلام وقطعت الوشائج بين عهد الجاهلية وعهد الاسلام ناهض الجاهليون رسول الله، وطوقوا الدعوة الاسلامية بجبروتهم وطغيانهم، وكانت احدى ممارسات التطويق هي أن أمروا أصهار رسول الله أن يطلقوا بناته، ففعل من فعل وأبى من أبى، وكان ممن أبى أن يطلق زوجته هو أبو العاص بن الربيع، ولم يرضخ لهذا الأفتاة الشائن، فشكر له رسول الله هذه المعاملة الطيبة وهذا التعاطف، رغم قسوة الجاهلية، ورغم عتاة قريش الذين كانوا يهيبون بأبي الرسول (ص)، وكان شكر الرسول العاص أن يقطع صلاته عليه الصلاة والسلام شكراً عملياً، لقد رأينا كيف أن رسول الله أطلقه من الأسر، وكيف ردّ مال الفداء تماماً كما نرى قريباً كيف أن الرسول يتوسط لدى المسلمين وقد ألقوا القبض على القافلة المثقلة بأموال التجارة، والتي كان يقودها أبو العاص، وذلك إن أبا العاص خرج - قبيل فتح مكة - على رأس قافلة محملة بأموال تجارية، وبضائع من مكة متجها إلى الشام، وكانت هذه الأموال لقريش وأختارت قريش أبا العاص أن يكون على رأس القافلة فأحسنت الاختيار، حيث إنها كانت تعلم أن أبا العاص لا يزال يتمتع بثقة الرسول تماماً كما يتمتع بثقة قريش به، فرنت قريش إلى مستقبل القافلة. فقالت لو أنّ القافلة المثقلة بالأموال التجارية وقعت في أيدي المسلمين، فلربما يعطف الرسول على أبي العاص، ويردّ إليه الأموال، فيعود أبو العاص بالأموال سالماً، ومن منطق هذا الحساب الدقيق أرسلت قريش أبا العاص على رأس القافلة التجارية، وكان يصحب القافلة جماعة من قريش، فسارت في حذر تؤم الشام بلغ أبو العاص الشام مع القافلة، وبتعاون مع رفاق القافلة باعوا البضائع، واشتروا البضائع والمؤن التي يحتاجها أهل مكة، ثم وبعد أن حزموا الأمتعة والبضائع والمواد الغذائية، قفلت القافلة عائدة إلى مكة.
كان أبو العاص يتوجس خيفة من اغارة سرايا المسلمين الأمر الذي اعدّ العدة لئلا يقع أسيراً في أيد المسلمين، كانت القافلة تسير الهوينا، وكانت جماعة القافلة في غقوة النوم، ولكن زعيم القافلة كان يقظا، لقد بلغت أنباء قافلة قريش إلى مسامع المسلمين، فتكونت جماعة منهم لتصد القافلة عن المسير.
كان هناك على منعطف الطريق تكمن «سرية» للمسلمين يقودها زيد ابن حارثة، كان الكمين ينتظر القافلة وما أن مرت القافلة من أمام الكمين حتى قفز جماعة زيد بن حارثة على القافلة وصادروا أموال القافلة وألقوا القبض على نفر من أفراد القافلة، ولكن زعيم القافلة أستطاع أن يهرب قبل أن يقع أسيراً في أيدي المسلمين، وربما تسامح زيد بن حارثة وأفراد جماعته في القاء القبض على أبي العاص بن الربيع، حيث كانوا يعلمون مكانته عند رسول الله، وفي نفس الوقت كان أبو العاص قد تسامح مع المسلمين في إبان محنتهم في مكة الأمر الذي ترك تسامحه في نفوس المسلمين أطيب الأثر، فشكروا تسامحه في هذا المأزق حتى تركوه ينفلت من الإسار.
سار أبو العاص تحت ستار الليل، وقطع الطريق حتى بلغ المدينة، وبلغ دار زينب بنت رسول الله، فدخل الدار واستجار بزوجته زينب، فأجارته في لهفة وشغف بزوجها البار. إن أعواماً مضت وئيدة وهما ينتظران الفرصة المؤاتية لجمع الشمل، وها أنّ الفرصة قد حانت، فلربما يسلم أبو العاص وتعود الاسرة إلى الشمل المجتمع بعد أن فرق الاسلام بين الزوجة المسلمة والزوج المشرك، أن زينب أجارت أبا العاص، ولكن هل المسلمون يجيرونه أيضاً، أو إنّ أباها رسول الله هل يقبل هذا الجوار، إن زينب دبرت في نفسها أمراً ونفذته لترى نتائجه، فحينما أقبل الصبح وأذن بلال معلنا عن صلاة الصبح، اجتمع المسلمون في المسجد ليقوموا بفريضة صلاة الصبح مؤتمين برسول الله عليه الصلاة والسلام، وما كاد أن يفرغ رسول الله من الصلاة حتى سمع وسمع جمهور المصلين هذا الصوت من خلف الستار: «أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع»، إن الصوت كان صوت السيدة زينب رضوان الله عليها، فلما أن سلم رسول الله أقبل بوجهه على الناس وقال متسائلاً: هل سمعتم ما سمعتُ؟ قال المسلمون: نعم يا رسول الله. قال: أما والذي نفسي بيده ما علمت بذلك حتى سمعته كما سمعتم، ثم قال رسول الله معبراً عن قانون يجب على المسلمين السير على ضوءه في مثل هذه المواقف: «يجير على المسلمين، أدناهم، وهم يد على من سواهم».
نعم أدنى المسلمين بامكانه أن يجير، تماماً كما أنّ كبار المسلمين بامكانهم أن يجيروا أيضاً، فلو أن عبداً من المسلمين أجار رجلاً من المشركين، أو أجار مدينة محاربة فإنّ على المسلمين، أو على قادة المسلمين أن ينفذوا جواره وحمايته، هذا إن لم يكن هناك مؤامرة، أو أمور تضر بمصالح المسلمين أضراراً بالغة، إنّ زينب سمعت كلمة أبيها رسول الله: «يجير على المسلمين أدناهم»، فأطمأن بالها وهدأ خاطرها، وشعرت بانتصار خطتها حيث لولا حماية الاسلام لجانبها ولموقفها، لوقع زوجها أسيراً، ثم ان رسول الله ارتاد دار زينب والتقى، بابنته، فارتاحت البنت لمرأى الأب الحبيب الكريم، وانتظرت توصيات الرسول في مستجيرها، فانسابت الكلمات الطيبة من في الرسول الكريم قائلاً: «إكرمي مثواه ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له»، فقالت السيدة زينب تشفع لزوجها لدى أبيها: «إنّه قد جاء في طلب ماله»، فخرج رسولا لله وجمع أفراد تلك السرية، وكانت قد بلغت المدينة، وقال مخاطباً لهم ومستشفعاً بدوره: «إن هذا الرجل منا بحيث علمتم، وقد أصبتم له مالاً وهو مما أفاءه الله عليكم، وأنا أحب أن تحسنوا، وتردوا عليه الذي له، فإن أبيتم فأنتم أحق به».
نعم ان المال هو مما أفاءه الله على أفراد السرية، وهو حلال لهم، ولكن بامكانهم ان يردوا ذلك المال إلى رئيس القافلة أبي العاص، وذلك لمكانته من أسرة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإذا أبى افراد السرية من رد المال، فلا ضير ولا لوم عليهم، فهم مخيرون بين رد المال وبين امساك المال والحفاظ عليه والتصرف به كيفما يحلوا لهم، ولكن افراد السرية في سماحة فذة وإيثار قويم وتعاطف كبير مع رسولهم العظيم قالوا: «بل نرده عليه»، ثم راحوا وجمعوا شتات أموال القافلة، وردوها كلها إلى أبي العاص، وهكذا وبواسطة رسول الله وحكمة زينب جمع أبو العاص أموال القافلة التي هي أموال قريش، وعاد بالقافلة المثقلة إلى المكة، وهذا شكر عملي آخر لرسول الله بالنسبة لأبي العاص.
وحاول أبو العاص أن يحقق أمل رسول الله في اسلامه، وفي نفس الوقت أن يبادل رسول الله شكره يعمل أيجابي، ولكنه صبر حتى يحين موعد العمل الايجابي، وبلغت القافلة مكة، وفي مكة اجتمعت قريش ذووا الحصص والسهام في القافلة، وتسلموا من أبي العاص أموالهم وسهامهم في فرح غامر، وحينما أدى أبو العاص زعيم القافلة أموال قريش، هتف أمامهم: «أشهد أن لا إله الله، وأشهد أن محمداً رسول الله»، وفي غمرة دهشة قريش نادى أبوالعاص مبرراً تأخره عن الاسلام، حيث كان بامكانه أن يعتنق الاسلام وهو في المدينة، وأمام رسول الله، ولكنه أخر إسلامه لأجل وكما قال: «والله ما منعني من الإسلام الا خوفاً أن تظنوا بي أكل أموالكم»، حيث إنه لو أسلم وهو في المدينة لكان نبأ إسلامه يطير إلى أهل مكة، فيظنوا به الظنون بل ويعتلج في نفوسهم عداءه وبغضه.
ومن هذا المنطلق أخر إسلامه حتى يكون اعتناقه للاسلام بين يدي ومن قريش، وفي ساحة أعداء رسول الله، كأن أبا العاص كان يحاول أن يتحدى قريشاً، ويتحدى أوثانهم وأصنامهم، ثم قفل أبو العاص عائداً إلى أحضان الاسلام وإلى أحضان أسرته، بعد ستة أعوام من انفصام الوشائج بينه وبين زينب زوجته، فقد قدم المدينة على رسول الله مسلماً وحسن اسلامه، ورد عليه رسول الله ابنته زينب بنكاح جديد وقيل بالنكاح الأول[١].
وولد لأبي العاص من زينب: علي بن أبي العاص. و أمامة بنت أبي العاص[٢].
وحينما أرسل رسول الله الإمام إلى اليمن أميراً ومصلحاً وداعياً وقاضياً، أرسل معه جماعة تعينه في شؤونه العامة وكان أبو العاص بن الربيع في ضمن هذه الجماعة، وكان أبو العاص من صحابة الإمام ومن تلامذته ومن المقربين لديه، وكان يود الإمام ويحبه ويشايع مبادئه ومواقفه، لقد سار على هذا المنهج المتعاطف حتى توفى سنة ١٢ للهجرة النبوية، وتوفيت زوجته السيدة زينب قبله[٣].
وتزوج أمير المؤمنين صلوات الله عليه اُمامة بنت أبي العاص بعد استشهاد فاطمة الزهراء بنت رسول الله (ص)، وبوصية منها حيث أوصته أن يتزوج ابنة أختها، وهي ابنة خالة أولادها (ع)، وعاشت «أمامة» إلى أن بلغت السبعين.
وقد أوصت إلى الحسنين عليهما السلام في أموالها بالايماء، فنفذا الوصية بعد وفاتها.[٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ أسد الغابة ٥: ٢٣٦-٢٣٨.
- ↑ المصدر نفسه ٥: ٢٣٨.
- ↑ أسد الغابة ٥: ٢٣٨.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٥٩-٢٦٤.