الأزلية في نهج البلاغة

التعريف

الأزليّة: مؤنّث الأزلي، والمصدر الصناعي من الأزل، والأزلي: المنسوب إلى الأزل، أو القديم العريق، أو الدائم الوجود الذي لا أوّل لبدايته، أو ما له علاقة بالأزل.

من حديثه(ع) عن خلق الباري سبحانه للأشياء: «لَمْ يَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ، وَلَا مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ»[١].

أي أنّ الله تعالى لم يخلق الأشياء من شيء كان منذ الأزل، ويدوم إلى الأبد، بل أوجد الأشياء من لا شيء. وبين «أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ» و«أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ» سجع متوازٍ زيّنه الطباق بين «الأزلي» - وهو القديم الذي لا أوّل لبدايته - و«الأبدي» الذي ما لا آخر له.

ومن حديثه(ع) عن عدم محدودية الباري سبحانه: «لَا يُشْمَلُ بِحَدٍّ، وَلَا يُحْسَبُ بِعَدٍّ، وَإِنَّمَا تَحُدُّ الْأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا، وَتُشِيرُ الْآلاَتُ إِلَى نَظَائِرِهَا، مَنَعَتْهَا «مُنْذُ» الْقِدْمَةَ، وَحَمَتْهَا «قَدُ» الْأَزَلِيَّةَ»[٢].

أي أنّ كلّ حادث يقال في حقّه: وجِد منذ كذا، وقد كان بعد أن لم يكن، ولولا الحدوث ما ساغ وجود: «منذ» و«قد» كما أنّ وجودهما يمنع من القِدَم والأزلية.

ومن إثباته(ع) لخالقية الباري سبحانه وأزليته: «الْحَمْدُ للهِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ، وَبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ»[٣].

إثبات أزلية الله يعني أنّه لا أوّل له، ولا ابتداء؛ وذلك لأنّ ما كان له أوّل يدخل في ضمن الممكنات المحتاجة إلى مؤثّر وموجود، والله منزّه عن الحاجة وعن الحدوث، فيكون أزلياً بلا أوّل ولا ابتداء[٤].

ومثله قوله(ع): «لَيْسَ لِأَوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ، وَلَا لِأَزَلِيَّتِهِ انْقِضَاءٌ»[٥].

أي لا غاية ينتهي عندها ويزول، وإلّا فلو كان كذلك لم يكن واجب الوجود[٦]. رسم الإمام(ع) صورتين متقابلتين وباتجاهين متعاكسين؛ فكلّما تقدّم الفكر في طرف الابتداء، أدرك أنّه امتداد لا يتناهى من تقدير المسافة والزمان، ووجد أنّ الله سبحانه وتعالى سابق لجميع الموجودات، وفي الطرف الآخر لا يكون لبقائه دوام وانقضاء، فأثبت من خلال هذا التقابل أنّه تعالى قديم دائم؛ لا انقضاء لملكه، ولا أمد لسلطانه، فوجوده أصل الحقيقة، وذاته عين البقاء، فهو الأوّل والآخر؛ لأنّه كلّ شيء وغايته، لا أوّل لأوّليته، ولا غاية لبقائه.

ومن حمده للباري سبحانه وبيانه لأزليته: «الْحَمْدُ لِلّهِ... الَّذِي صَدَقَ في مِيعَادِهِ، وَارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ، وَقَامَ بِالْقِسْطِ في خَلْقِهِ، وَعَدَلَ عَلَيْهِمْ في حُكْمِهِ، مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ»[٧]. أي على قدمه. وبين «مِيعَادِهِ» و«عِبَادِهِ» سجع، وكذا بين «خَلْقِهِ» و«حُكْمِهِ».[٨]

المراجع والمصادر

  1.   السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱

الهوامش

  1. نهج البلاغة، الخطبة ١٦٣.
  2. نهج البلاغة، الخطبة ١٨٦.
  3. نهج البلاغة، الخطبة ١٥٢.
  4. شرح نهج البلاغة، الموسوي، ج٢، ص٤١٠.
  5. نهج البلاغة، الخطبة ١٦٣.
  6. شرح نهج البلاغة، الموسوي، ج٣، ص٦٤.
  7. نهج البلاغة، الخطبة ١٨٥.
  8. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ١٨٠-١٨٢.