الأناة
التعريف
الأناة: الحِلْمُ والوقار، يقال: إنه لذو أناة ورفق، والأناة: الانتظار والتودئة والتمهّل، يقال: فلان طويل الأناة: صبور، وأنّه لذو أناةٍ ورفق: أي ذو حلم ووقار، والأناة: ضبط النفس والصبر، ومنه طول الأناة. والأناة من النساء: البطيئةُ الحركات، والتي فيها فتور عن القيام وتَأَنٍّ، وقيل: امرأة أَناة: رزينة لا تغضب، ولا تفحش، كقوله: أناةٌ كأنَّ المسكَ تحتَ ثيابها وريحَ خزامى الطلِّ في دَمِثِ الرَّملِ والأناة: مصدر الفعل أَنى يأني أنِيّاً: تلَبَّثَ وتمكّث، وأنى: تأخّر وأبْطَأ، وفي الحديث: «آذَيْتَ وآنَيْتَ»، أي أَخَّرْتَ وأبْطَأْتَ[١]، وأنى أنْياً وإنىً وأناةً: حان وأدرك، أو قَرُب، أو حضر، أو دنا، وأنِيَ يأنى أنْياً أو إنىً أو أنِيّاً: تَمَهَّلَ وترفَّق، وتَأخَّرَ، وأنى: ترفّق.
وبهذا تعرف: أنّ لمادّة: (أن ي) بحسب أصل اللغة أربعة معانٍ:
الأوّل: البطء وما أشبهه من الحلم وغيره.
الثاني: ساعةٌ من الزمان.
الثالث: إدراك الشيء.
الرابع: ظرف من الظروف.
يقال أنى الأمرُ يأني أنْياً وأناةً: حان وقته، وآنَ لك يئينُ، قال الشاعر: ألمّا يئن في أن تُجَلّى عمايتي وقد شابَ أصداغي بل قد أنى ليا فجمع اللغتين[٢].
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾[٣]. أي ألم يحن للمؤمنين أن تلين قلوبهم.
ويقال: أنى الرجلُ: تمهّل وترفّق، وتأنّى في أمره: تمهّل وتثبّت، واستأنيته: انتظرت أوانه، ويجوز في معنى: استبطأته، ويقال: أنى الحميم: انتهى حرّه إلى غايته فهو آنٍ، وبلغ أناه - ويكسر - أي بلغ غايته، أو نضجه وإدراكه. ومنه قوله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾[٤]. أي نضجه وإدراكه وبلوغه.
ومنه يقال: أنى الطعام يأنى أنياً وإنىً - كقلى يقلي - إذا نضج وبلغ. وأمّا قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾[٥]. فآناء الليل: ساعاته، واحدها: أنىً، وإنىً، وإنْي بسكون النون.
قال(ع) في تأنّيه وتثّبته بعد إرساله لجرير إلى معاوية: «وَالرَّأيُ عِنْدِي مَعَ الْأَنَاةِ فَأَرْوِدُوا، وَلَا أَكْرَهُ لَكُمُ الْأَعْدَادَ»[٦].
وذلك لأنّ الأناة في الفكر مظنّه الاهتداء إلى وجوه المصالح[٧].
وإنّما نهى(ع) عن الاستعداد بصورة علنية؛ لأنّه كره منهم إظهار الاستعداد والجهر به، ولم يكره الإعداد في السرّ[٨].
ومن حكمه(ع) البليغة: «مِنَ الخَرْقِ الْمُعَاجَلَةُ قَبْلَ الْإِمْكَانِ، وَ الْأَنَاةُ بَعْدَ الْفُرْصَةِ»[٩]. أي من الحكمة أن لا تتعجّل حتّى تتمكّن، وإذا تمكّنت فلا تتمهّل.
ومن حثّه(ع) على الحلم والأناة: «الْحِلْمُ وَ الْأَنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ»[١٠].
الأناة هنا بمعنى الوقار والتروّي والتأني في القول والعمل. شبّه(ع) الحلم - وهو حبس النفس عند الغضب - والأناة بالتوأمين وهما المولودان من بطن واحدة، ووجه الشبه الاقتران والتولّد من أصل واحد، فحذف وجه الشبه والأداة على أنّه تشبيه بليغ.
ومن وصفه(ع) لعظمة الله سبحانه وجبروته: «فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ، وَأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ، وَأَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ، لَمْ يَعْتَرِضْ دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِىءِ، وَلَا أَنَاةُ الْمُتَلَكِّىءِ»[١١].
«الريث»: الإبطاء، و«الأناة»: الانتظار والتمهّل، و«المتلكّئ»: المتباطئ والمتأخّر.
وفيه حسن اختيار الألفاظ، والتآلف والانسجام بينها، وتوفير الإيحاء لها؛ من خلال مقابلة الجملتين المزدوجتين المنتهيتين بفاصلتين مسجوعتين وإيقاع رخيم: الإذعان للطاعة، والإجابة إلى الدعوة، وهي توحي باستسلام وخضوع تامّين وسريعين، مع الجملتين المزدوجتين اللّتين اعتمدتا على السجع المتوازي أيضاً: ريث المبطئ، وأناة المتلكئ، حيث توحيان بالتلبّث والتباطؤ، ومعلوم أنّ المعاني لا تتوضّح ولا تتميّز إلّاأمام أضدادها، وخاصّة في علوم التوحيد؛ إذ تبرز مزية كلّ من الضدّين، ويقوى تأثيرها في النفس.
وقال(ع) في التذكير بالموت والقيامة: «عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَارَاً... قَدْ أُمْهِلُوا في طَلَبِ الْمَخْرَجٍ... وَخُلُّوا لِمِضْمَارِ الْجِيَادِ (الخيار) وَرَوِيَّةِ الِارْتِيَادِ، وَ أَنَاةِ الْمُقْتَبَسِ الْمُرْتَادِ»[١٢].
أي تركهم الله في الدنيا كي يستعدّوا للآخرة، وأمهلهم من أجل طلب الحقّ والتبصّر بالعلم الصحيح الموصل إلى اليقين.[١٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ غريب الحديث، ابن الجوزي، ج١، ص٤٦؛ مسند أحمد، ج٤، ص١٨٨ و١٩٠؛ وهو من حديث جابر بن عبد الله: أنّ رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله(ص) يخطب، فجعل يتخطّى الناس، فقال رسول الله(ص): «اجلس؛ فقد آذيت وآنيت» أي آذيت الناس بتخطّيك، و«آنيت»: أي أخّرت المجيء وأبطأت.
- ↑ كتاب الإبانة في اللغة العربية، سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري، ج٢، ص١٠٧.
- ↑ سورة الحديد، الآية ١٦.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٥٣.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١١٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٤٣.
- ↑ مجمع البحرين، ج١، ص٩٣.
- ↑ شرح النهج، ابن أبي الحديد، ج١، ص٤٤٧.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٦٣.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٤٦٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ٣٥٣-٣٥٦.