الإذن في نهج البلاغة
التعريف
«الإذْن»: في اللغة على أربعة أقسام[١].
الأوّل: الإعلام بإجازة الشيء، كقوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾[٢].
أي هل أعلمكم بهذا التحليل والتحريم؟! وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾[٣].
أي كونوا على علم بأنّ كلّ من لم يترك الربا أنّه حَرْبٌ؛ أي عدوّ، والحرب داعية القتل[٤].
وقال الحطيئة: ألا يا هندُ إن جدّدتِ وَصْلاً وإلّا فأذِنيني بانْصِرام ويقال: أذِنَ به إذْناً وأَذَناً وأذاناً: عَلِمَ به، وأذنت لك في كذا: أعلمتك برفع الحرج في فعله، فيكون بمعنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾[٥]. أي أمر وسمح برفعها.
الثاني: الأمر، كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾[٦]. أي بأمره وإرادته.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾[٧]. أي بعد أن يأمر من يشاء.
وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[٨]. بإرادته وأمره، أو بتوفيقه وتسهيله.
الثالث: الإباحة والإطلاق، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾[٩].
الرابع: الاستماع، يقال: أذِنَ له أو إليه أذَناً: استمع وأنصت، أو استمع معجباً، كقوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾[١٠]. أي استمعت[١١].
وقال عدي بن زيد: أيّها القلبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنْ إنَّ هَمّي في سِماعٍ وأذَنْ.
وقال آخر: وإن ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدهُم أذِنوا.
قال(ع) في إدبار الدنيا وإقبال الآخرة: «أمّا بَعْدُ، فإنّ الدُّنْيَا قَدْ أدْبَرَتْ وآذَنَتْ بِوِدَاعٍ، وإنَّ الآخِرَةَ قَدْ أقْبَلَتْ وأَشْرَفَتْ بِاطّلَاعٍ»[١٢].
أي أعْلَمَت الناس بالفراق، وإيذانها بالوداع إنّما هو بما أُودع في طبيعتها من التقلّب والتحوّل، فبأوّل نظرة من العاقل إليها يحصل له اليقين بفنائها وانقضائها، وليس وراء الدنيا إلّاالآخرة، فإن كانت الاُولى مودّعة فالاُخرى مشرفة.
لقد شخّص(ع) إقبال الدنيا بصفة إنسانية، وذلك بتشبيه الدنيا بمحبوب مرتحل آذن بوداعه، ثمّ نبّه بتصوير آخر على وجوب الاستعداد للآخرة؛ لدنّوها من الإنسان، ثمّ نزّلها - لشرفها على الدنيا في حال إقبالها - منزلة عالٍ عند سافل، فأسند إليها لفظ «الإشراف»، بينما أسند إلى الدنيا لفظ «الإدبار» تشبيهاً لها بالحيوان المدبر، إضافة إلى ما ينمّ به معنى الاطّلاع من الإحاطة بجميع الأحوال، والعمق في الرؤية، والبعد في حدود الخيال، ف المقابلة طباق بين صورتين: بين المفارقة من الصورة الاُولى، واللقاء من الصورة الثانية.
ومن تحذيره(ع) من الاغترار بالدنيا: «وَحَقّاً أقُولُ: مَا الدُّنْيَا غَرَّتْكَ، وَلَكِنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ، وَلَقَدْ كاشَفَتْكَ العِظَاتِ، وآذَنَتْكَ عَلَى سَوَاءٍ»[١٣].
أي أعلمتك على عدلٍ[١٤] وصدق وصواب؛ من دون حيف وميل وزيغ عن الطريق المستقيم[١٥]، فإنّ الدنيا ما خبّأت عن بصرك شيئاًمن تقلّباتها المفزعة، ولكن غفلت عمّا ترى، ولقد كاشفتك، وأظهرت لك العظات؛ أي المواعظ.
ومن حديث له(ع) عندما سمع رجلاً يذمّ الدنيا: «فَمَنْ ذَا يَذُمُّها وَقَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا، وَنَادَتْ بِفِراقِهَا، وَنَعَتْ نَفْسَهَا وأهْلَهَا»[١٦].
أي أعلمت أهلها بلسان الحال، و«بِبَيْنِها»: ببعدها وزوالها عنهم. و«نَعَتْ نَفْسَها وَأَهْلَها»: أخبرت بفنائها وموت أهلها. ومن خلال الإيقاع السجعي أفصح عن لسان حالها بأنّها لا تدوم ولا تبقى، فكيف يذمها الذامّ؟! وهل الحقّ إلّاعليه فحسب دونها.
ومن حثّه للإمام الحسن(ع) على الدعاء: «وَاعْلَمْ: أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ في الدُّعَاءِ، وَتَكَفَّلَ لَكَ بِالْإِجَابَةِ»[١٧]. أي سمح لك في الدعاء.
ومثله قوله(ع): «ثُمَّ جَعَلَ في يَدَيْكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ؛ فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ»[١٨]. أي سمح لك أن تطلب منه حوائجك.
ومن وعيده(ع) لأهل البغي: «وَلَئِنْ أَذِنَ اللهُ في الْكَرَّةِ عَلَيْهِمْ لَأُدِيلَنَّ مِنْهُمْ»[١٩].
أي سمح لي ووفّقني في رجوعي إلى قتالهم، وإذن الله عبارة عن تهيئته سبحانه للأسباب، وإبقائه لعمره الشريف المبارك.
ومن حديثه(ع) في الاتعاظ والاعتبار بأهل القبور: «أَمَا لَوْ أُذِنَ لَهُمْ في الْكَلَامِ لَأَخْبَرُوكُمْ أَنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى»[٢٠]. أي سمح لهم في الكلام.[٢١]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ ينظر التهذيب، ولسان العرب، والمفردات، والمصباح المنير، مادّة: (أذن)؛ الكلّيات، ج١، ص٩٩؛ تعريفات الجرجاني، ص١٥.
- ↑ سورة يونس، الآية ٥٩.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٧٩.
- ↑ ينظر التهذيب للأزهري، مادّة: (أذن)؛ البحر المحيط، ج٢، ص٧١٤.
- ↑ سورة النور، الآية ٣٦.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥٥.
- ↑ سورة النجم، الآية ٢٦.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٩٧.
- ↑ سورة النساء، الآية ٢٥.
- ↑ سورة الإنشقاق، الآية ٢.
- ↑ الكشاف، ج٤، ص٧١٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٨.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٢٣.
- ↑ نهج البلاغة، شرح الإمام عبده.
- ↑ نهج البلاغة، ج١٤ ص٢٥٣.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ١٣١.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ١٣٠.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ١٥٦-١٥٨.