البث في نهج البلاغة
التعريف
«البثّ»: النشر، والتفريق، والإظهار، والبسط، والتهييج، وإذاعة الخبر، وإشاعته، وتعميمه، يقال: بث الخبر - كضرب ونصر - بثا، وأبثه، وبثثه: نشره وأذاعه، وبث السر: أفشاه وأظهره، وبث حاجته: ذكرها، واسم المفعول: مبثوث، ومؤنثه: مبثوثة، ويقال: بث السلطان الجند في البلاد، والبث: الإيجاد والخلق، يقال: بث الله الخلق في الأرض[١]، وأصل البث: التفريق وإثارة الشيء، كبث الريح التراب[٢]، وكل شيء بثثته فقد فرقته، وانبث الجراد في الأرض: تفرق، وبث المتاع في نواحي البيت: بسطه[٣]، وفي التنزيل العزيز:
﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾[٤]. أي فرقهم ونشرهم لمعاشهم، وكثرهم بالتوالد.
وقيل: البث أشد الحزن، أو الغم، كأنه لقوته لا يطيق صاحبه الصبر عليه، أو حمله، فيبثه الإنسان؛ أي يفرقه.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾[٥]. أي: همي الشديد، وحزني العظيم، فالبث نشر الغم الذي انطوت عليه النفس.
وفي التنزيل العزيز: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾[٦]. أي كثيرة مبسوطة؛ أي منتشرة ومفرقة.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾[٧]. أي المنتشر المتفرق.
وقال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾[٨]. أي منتشرة متطايرة في الهواء، كالذر.
قال(ع) محذرا من الدنيا والركون إلى مباهجها: «فَكَمْ أَكَلَتِ الْأَرْضُ مِنْ عَزِيزِ جَسَدٍ وَ أَنِيقِ لَوْنٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفٍ وَ رَبِيبَ شَرَفٍ يَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ فِي سَاعَةِ حُزْنِهِ وَ يَفْزَعُ إِلَى السَّلْوَةِ إِنْ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ ضَنّاً بِغَضَارَةِ عَيْشِهِ وَ شَحَاحَةً بِلَهْوِهِ وَ لَعِبِهِ فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إِلَى الدُّنْيَا وَ تَضْحَكُ إِلَيْهِ فِي ظِلِّ عَيْشٍ غَفُولٍ إِذْ وَطِئَ الدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ وَ نَقَضَتِ الْأَيَّامُ قُوَاهُ وَ نَظَرَتْ إِلَيْهِ الْحُتُوفُ مِنْ كَثَبٍ فَخَالَطَهُ بَثٌّ لَا يَعْرِفُهُ»[٩].
«فَخَالَطَهُ بَثٌّ»: أي مازج خواطره وأفكاره حزن، ولم يكن يعرفه سابقا حتى يعرف علته، وإنما ورد عليه ورودا لم يكن معهودا به.
ومن تحذيره(ع) لعثمان من نار جهنم: «وَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص) يَقُولُ يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْإِمَامِ الْجَائِرِ وَ لَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَ لَا عَاذِرٌ فَيُلْقَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا وَ إِنِّي أَنْشُدُكَ اللَّهَ [أَنْ] أَلَّا تَكُونَ إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَقْتُولَ فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ يُقْتَلُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ إِمَامٌ يَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ وَ الْقِتَالَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ يَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا وَ يَبُثُّ الْفِتَنَ فِيهَا»[١٠].
«يَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا»: أي يوقعهم في اللبس والإشكال، فلا يميزون الباطل من الحق، «يَبُثُّ الْفِتَنَ»: ينشرها، ويروج لها.
ومن تذكيره(ع) بمواعظه البالغة: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وَعَظَ [بِهَا الْأَنْبِيَاءُ] الْأَنْبِيَاءُ بِهَا أُمَمَهُمْ»[١١]. أي ذكرتها، ونشرتها بينكم.
ومن حثه(ع) على التوجه إلى الله تعالى ومناجاته: «وَ إِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ وَ أَبْثَثْتَهُ ذَاتَ نَفْسِكَ»[١٢].
«أَبْثَثْتَهُ»: أطلعته.
ومن حديثه(ع) عن وصف الطاووس: «فَهُوَ كَالْأَزَاهِيرِ الْمَبْثُوثَةِ لَمْ تُرَبِّهَا أَمْطَارُ رَبِيعٍ وَ لَا شُمُوسُ قَيْظٍ»[١٣].
«الْمَبْثُوثَةِ»: المبسوطة والمنتشرة في الصحراء.[١٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ ينظر: المعجم الكبير، ج٢، ص٦٢.
- ↑ مفردات الراغب، مادة: (بث)، ص١٠٨.
- ↑ المعجم الكبير، ج٢، ص٦٢.
- ↑ سورة البقرة: ١٦٤.
- ↑ سورة يوسف: ٨٦.
- ↑ سورة الغاشية: ١٦.
- ↑ سورة القارعة: ٤.
- ↑ سورة الواقعة: ٥-٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٢١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٢.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٥.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة، ج۲، ص ٢٩.