البصيرة في نهج البلاغة
تمهيد
«البصيرة»: قوة الإدراك والعقل والفطنة بمثابة البصر للنفس ترى بها حقائق الأشياء وبواطنها، أو العلم والخبرة والعِبرَة، يقال: فِرَاسة ذات بصيرة: صادقة، وفعل ذلك عن بصيرة: عن عقيدة ورأي، أو على عَمد، وعلى غير بصيرة؛ أي على غير يقين، ويقال: كان على بصيرة من الأمر، أي كان مدركاً له، وفي قصص الأنبياء لنا بصائر، أي عِبَر.
والبصيرة: الحجة والبرهان، والاستبصار في الشيء وفي الدين وتدبره، وتحقيق الأمر والشاهد، كما تقول لشخص: أنت حجة على نفسك؛ أي شاهد عليها بما عملت، وتقول: اجعلني بصيرة عليهم. والبصيرة: الرقيب، والبينة، والهادي الذي تمكن بواسطته رؤية الأشياء كما هي عليها، وجمع بصيرة: بصائر.
وقد جاء في القرآن بمعنى الشاهد والرقيب؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾[١].
أي حجة بينة على نفسه، أو شاهد بعملها، أو جوارحه على نفسه بصيرة؛ أي شاهدة ورقيبة. فعلى المعنى الأول: «بصيرة» مجاز عقلي، وعلى المعنى الثاني تكون: «بصيرة» بمعنى مبصر شديد المراقبة، وهاء «بصيرة» تكون للمبالغة؛ أي الإنسان عليم بصير قوي العلم بنفسه يومئذ، أو عليه عين تبصره وتشهد عليه يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾[٢]. أي هي آيات القرآن وحججه البينة التي يهتدون بها إلى الحق، فهي للقلب بمنزلة البصر للعين؛ فهي النور الذي يبصر به القلب، كما أن البصر هو النور الذي تبصر به العين.
وإطلاق البصائر هنا مجاز مرسل من إطلاق اسم المسبب على السبب.
وقال(ع) مشيرا إلى بحر علمه: «هَا إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْماً جَمّاً وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً بَلَى أَصَبْتُ لَقِناً غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ مُسْتَعْمِلاً آلَةَ الدِّينِ لِلدُّنْيَا وَ مُسْتَظْهِراً بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَ بِحُجَجِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ أَوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ الْحَقِّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ»[٣].
«لَا بَصِيرَةَ لَهُ»: لا عمق في تفكيره، «أَحْنَائِهِ»: جوانب العلم وأطرافه؛ أي لا بصيرة في دقائقه وخفاياه، ومثل هذا الشخص ليس مؤهلا لأن يتصدى لحل الإشكالات والشبهات التي ترد عليه.
وقال(ع) في وصف الرسول الأعظم(ص): «فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى وَ بَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى»[٤] أي هو الهادي لمن اهتدى به.
ومن وصفه(ع) لكونه على بينة من أمره قبال خصمه: «وَ إِنِّي مِنْ ضَلَالِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَ الْهُدَى الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ لَعَلَى بَصِيرَةٍ»[٥]. أي أعرف ضلالهم، وإني على الهدى لا أشك في ذلك.
ومن إقراره(ع) بالعبودية: «فَإِنَّمَا أَنَا وَ أَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لَا رَبَّ غَيْرُهُ يَمْلِكُ مِنَّا مَا لَا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا وَ أَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى وَ أَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى»[٦]. أي البصيرة في أمر الدين والدنيا بعد الجهالة والضلال، ويريد به مجموع الحاضرين الذين يخاطبهم، فيأتي بصيغة الجمع الداخلة فيها نفسه الشريفة توسعاً.
ومن وصفه(ع) للمعصومين(ع): «هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ وَ بَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ»[٧]. أي أن العلم الواصل إلى حقيقة البصيرة والمعرفة، هجم عليهم حتى صاروا علماء، و«هَجَمَ» كناية عن تدفق العلم نحوهم، كما يتدفق المهاجم، «بَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ»: أي أن اليقين الذي لا يزول ولا يحول، جاء إليهم حتى أنهم باشروه وزاملوه.
ومن رده(ع) على أصحاب الجمل بأنه على الحق: «إِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَسْتُ وَ لَا لُبِسَ عَلَيَّ»[٨].
أي إن بصيرتي التي كانت معي زمن الرسول(ص) لم تتغير، وإنني على رؤيتي الواضحة، وعقيدتي الراسخة، ولا أزال عليها، ولم أشتبه فيما أنا عليه، وقوله(ع): «مَا لَبَسْتُ وَ لَا لُبِسَ عَلَيَّ» تقسيم جيد؛ لأن كل ضال عن الهداية، فإما أن يضل بإضلال نفسه، أو بإضلال غيره له[٩]. وتصدير «إِنَّ» وإردافها باللام، يؤذنان بأن الجملة وردت لرد المنكر عن الحكم المخالف لهذا في حقه إلى الصواب، وقطع: «ما لبست» عما قبلها؛ ليكون تعليلا للجملة السابقة.
ومن حثه(ع) لـمحمد بن أبي بكر على جهاد معاوية: «فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّكَ وَ امْضِ عَلَى بَصِيرَتِكَ»[١٠].
«فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّكَ»: أي كن من أمره على أمر واضح منكشف، من أصحر الرجل: إذا خرج إلى الصحراء[١١]، و«امْضِ عَلَى بَصِيرَتِكَ»: أي داوم وواظب على ما تراه من حقائق الأمور؛ لإيماننا بصدق عقيدتك.
ومن بيانه(ع) لانكشاف السرائر واتضاح الأمر: «قَدِ انْجَابَتِ السَّرَائِرُ لِأَهْلِ الْبَصَائِرِ وَ وَضَحَتْ مَحَجَّةُ الْحَقِّ لِخَابِطِهَا وَ أَسْفَرَتِ السَّاعَةُ عَنْ وَجْهِهَا»[١٢].
«انْجَابَتِ»: ظهرت، و«السَّرَائِرُ»: جمع: سريرة والمراد بها الأمور الواقعية المستورة، و«الْبَصَائِرِ»: الذين لهم قلوب وقادة بصيرة[١٣].
ومن وصفه(ع) للضالين: «وَ لَكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ وَ الْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ»[١٤].
«الْبَصَائِرُ»: جمع بصيرة؛ أي الاستبصار في الدين وتحقيق الأمور ليست على صفائها حتى ترى الحق، بل دخلتها وساوس الشيطان، وهوى النفس الأمارة بالسوء، فالبصائر مخدوعة ومغشوشة.
وفي «عَلِيلَةٌ» و«مَدْخُولَةٌ» سجع متواز لبيان الفكر المريض الذي لا يمتلك من صحة القلب وسلامة البصيرة شيئا، وهما شرطان يتعذر بدونهما إدراك طريق الحق والوصول إلى الحقائق.
ومن وصفه(ع) لحال الأمم الماضية: «وَ الْبَصَائِرُ نَافِذَةً وَ الْعَزَائِمُ وَاحِدَةً»[١٥]
«نفاذ البصيرة»: الفطنة والذكاء والذهن الوقاد وإدراك ما في خفايا الأمور، تنفذ من ظواهر الأمور إلى بواطنها.
ومن تحذيره(ع) من الآمال الكاذبة: «وَ الْأَمَانِيُّ تُعْمِي أَعْيُنَ الْبَصَائِرِ»[١٦]. أي تعمي القلوب، فلا يميز الإنسان خيره من شره إذا تعلق بخيوط الآمال.
ومن كتابه(ع) إلى معاوية يذمه فيه على خداع أهل الشام وإضلالهم: «خَدَعْتَهُمْ بِغَيِّكَ وَ أَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْجِ بَحْرِكَ تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ وَ تَتَلَاطَمُ بِهِمُ الشُّبُهَاتُ فَجَازُوا عَنْ وِجْهَتِهِمْ وَ نَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ وَ تَوَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ وَ عَوَّلُوا عَلَى أَحْسَابِهِمْ إِلَّا مَنْ فَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ فَإِنَّهُمْ فَارَقُوكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ»[١٧]. أي إلا من رجع من أهل المعرفة إلى الحق فتركك.
وقال(ع) في حث أصحابه على الجهاد: «فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِكُمْ وَ لْتَصْدُقْ نِيَّاتُكُمْ فِي جِهَادِ عَدُوِّكُمْ»[١٨]. أي سيروا إلى العدو عن بصيرة؛ أي عن عقيدة وإدراك بإمامكم، بلا ريبة في قلوبكم من الأمر[١٩].
ومن وصفه(ع) لحال الأصحاب في زمان النبي(ص): «حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْيَافِهِمْ وَ دَانُوا لِرَبِّهِمْ بِأَمْرِ وَاعِظِهِمْ»[٢٠].
أي جعلوا إدراكهم لحقائق الأشياء وعقيدتهم الصحيحة على أسيافهم يدعون إليها؛ أي إنهم أظهروا بصائرهم وعقائد قلوبهم للناس، وكشفوها وجردوها من مكامنها، كما تجرد السيوف من أجفانها، فكأنها شيء محمول على السيوف يبصره من يبصر السيوف[٢١].
ومن مناجاته(ع) لله تعالى: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ آنَسُ الْآنِسِينَ لِأَوْلِيَائِكَ وَ أَحْضَرُهُمْ بِالْكِفَايَةِ لِلْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ تُشَاهِدُهُمْ فِي سَرَائِرِهِمْ وَ تَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ فِي ضَمَائِرِهِمْ وَ تَعْلَمُ مَبْلَغَ بَصَائِرِهِمْ»[٢٢].
أي مقدار إدراكهم وبلوغهم الحقائق، فتحاسبهم عليه، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾[٢٣].[٢٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة القيامة: ١٤.
- ↑ سورة الأنعام: ١٠٤.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ١٤٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩٤.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٦٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢١٦.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ١٤٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٣٧.
- ↑ إرشاد المؤمنين، ج١، ص٤٠٣.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣٤.
- ↑ النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، ج٣، ص١٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٨.
- ↑ توضيح نهج البلاغة، الشيرازي، ص٢٠١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٢٧٥.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٧.
- ↑ توضيح نهج البلاغة، الشيرازي، ص٤٢٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٥٠.
- ↑ شرح النهج، ابن أبي الحديد، ج٩، ص١٣٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٢٧؛ ينظر: مادة «أنس» من هذا الكتاب (شرح مفردات نهج البلاغة) ج١، ص٤٠٨.
- ↑ سورة البقرة: ٢٨٦.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ٢٢٥.