البصير في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

تمهيد

«البصير»: مفرد بُصراء، وهو مُبصِر، بمعنى فاعل من البصر، ويطلق على معانٍ عدة منها: ذي البصر، أو الخبير العالم بالأمور، ومنها: الأعمى تأدّباً وتفاؤلاً، أو لما له من قوة بصيرة القلب. والبصير: من أسماء الله الحسنى، والمقصود به هو الذي يحيط علماً بكل شيء، والذي يشاهد الأشياء كلها ظاهرها وخافيها من غير جارحة. والبصير في القرآن على أوجه عدة:

منها: العالم الخبير بالأُمور، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[١].

ومنها: البصير بالحجة[٢]، كقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً[٣].

ومنها: البصير بالعين[٤]، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً[٥].

ومنها: البصير بالقلب[٦]، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ[٧].

من وصفه(ع) للدنيا: «اَلْبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصٌ وَ الْأَعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصٌ وَ الْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدٌ وَ الْأَعْمَى لَهَا مُتَزَوِّدٌ»[٨].

«اَلْبَصِيرُ»: النافذ البصر، العالم بأمورها، الشاخص الأولى: من شخص للسفر شخوصا، والشاخص الثاني: المرتقب المتلهف إلى أمر أدهشه، من شخص بصره: إذا فتح عينه نحو الشيء مقابلا له، فمعنى: «اَلْبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصٌ» أي راحل عنها؛ لأنه جعلها بمنزلة طريق سالك به إلى موطنه ومكانه، ومعنى: «الْأَعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصٌ» أي مقبل عليها؛ لأنه تخيل أن هذه الدنيا هي دار القرار، فقصر نظره إليها.

وقد وقع التجنيس التام في لفظة «مُتَزَوِّدٌ» فالأولى تعني الراحل المسافر عن الدنيا، والثانية تعني الراحل إليها، والقاصد لها. لقد جسد الإمام(ع) بدقة هذه المعاني من خلال الجناس التام والموازنة والمطابقة بين الأعمى والبصير، ومثلهما في المطابقة قوله: «وَ الْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدٌ وَ الْأَعْمَى لَهَا مُتَزَوِّدٌ» أي أن البصير يتزود منها من الأعمال الصالحة والتقوى ما يوصله إلى مقره ومقامه، والأعمى يخسر كل شيء؛ لتوهمه أن هذه الدنيا هي الدار الأبدية، فيتزود لها، ويتخذ من زينتها وملذاتها ما يخلد فيها.

ومن تفريقه(ع) بين سماع الباري سبحانه وبصره وبين سماع وبصر مخلوقاته: «وَ كُلُّ سَمِيعٍ غَيْرَهُ يَصَمُّ عَنْ لَطِيفِ الْأَصْوَاتِ وَ يُصِمُّهُ كَبِيرُهَا وَ يَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا وَ كُلُّ بَصِيرٍ غَيْرَهُ يَعْمَى عَنْ خَفِيِّ الْأَلْوَانِ وَ لَطِيفِ الْأَجْسَامِ»[٩].

إن حاسة البصر محدودة في تشخيص الأشياء؛ لمحدودية ما ينعكس على الأشياء من نور، لذا تنعدم الرؤية بذهاب النور عنها، وهو ما عبر عنه الإمام(ع) ب: «خَفِيِّ الْأَلْوَانِ وَ لَطِيفِ الْأَجْسَامِ» كالألوان في الظلام، واللطيف قد يكون الإحساس بوجوده وعدم إمكان رؤيته بمقدار ما تحسه العين من الألوان المنعكسة، وعندما يطرأ خلل على الرؤية لا يعني عدم إبصارها ذهاب ذلك الضوء، بل لخلل في العين الباصرة، لذلك أطلق الإمام(ع) لفظ «يعمى» مجازا باعتبار عدم الرؤية؛ لأن العمى أحد أسبابها؛ إطلاقا لاسم السبب على المسبب.[١٠]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج۲

الهوامش

  1. سورة سبأ: ١١.
  2. نزهة الأعين النواظر الوجوه والنظائر، ابن الجوزي، ص٢٠٠.
  3. سورة طه: ١٢٥.
  4. الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص١٥٥.
  5. سورة ق: ٢٢.
  6. الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص١٥٥.
  7. سورة الأنعام: ٥٠.
  8. نهج البلاغة، الخطبة ١٣٣.
  9. نهج البلاغة، الخطبة ٦٥.
  10. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ٢٣٢.