التبشير في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

تمهيد

«التبشير»: الإخبار بما يسر، أو بما ظهر أثره على البشرة؛ وهو ظاهر جلد الإنسان، خيراً كان، أو شراً، لكنه لا يستعمل في الشر إلا مقيداً، كقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً[١].

وعند إطلاقه، لا يكون إلا في الخير، فيقال: بَشَّرَ فلاناً تبشيراً: أخبره بخبرٍ مفرحٍ، فهو مُبشِّر، وبَشّرهُ به: فرحه، أو خبَّرَهُ به فَفَرِح، قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ[٢].

من وصفه(ع) لجهد النبي(ص) في الصلاة: «وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص) نَصِباً بِالصَّلَاةِ بَعْدَ التَّبْشِيرِ لَهُ بِالْجَنَّةِ»[٣].

أي كان(ص) يجهد نفسه في عبادة الله دون كلل أو ملل؛ حتى كانت تتورم قدماه، فينزل الله تعالى قرآناً بحقه يقول فيه: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى[٤] أي لتتعب، فكان(ص) يقول: «أَ فَلَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً».

ومن كلامه(ع) في استواء المحذر والمبشر: «مَنْ حَذَّرَكَ كَمَنْ بَشَّرَكَ»[٥]. أي كمن بشرك بأمر يسرك، ويكون نافعاً لك، فاللازم أن تفرح بالمحذر، كما تفرح بالمبشر[٦]. أو النجاة من الشر مثل البشرى بالخير[٧].

ومن وصفه(ع) للمؤمنين الحقيقيين: «أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَبِلُوهُ وَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ؟ وَ هِيجُوا إِلَى الْجِهَادِ فَوَلِهُوا وَلَهَ اللِّقَاحِ إِلَى أَوْلَادِهَا وَ سَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا وَ أَخَذُوا بِأَطْرَافِ الْأَرْضِ زَحْفاً زَحْفاً وَ صَفّاً صَفّاً؟ بَعْضٌ هَلَكَ وَ بَعْضٌ نَجَا. لَا يُبَشَّرُونَ بِالْأَحْيَاءِ وَ لَا يُعَزَّوْنَ عَنِ‏ الْمَوْتَى»[٨]. أي لا يفرحون إذا لم يستشهد واحد منهم، ولا يحزنون إذا استشهد؛ لأن الشهادة عندهم هي الفوز الأعظم.

ومن حديثه(ع) عن تبشير النبي(ص) وتحذيره: «بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً وَ نَصَحَ لِأُمَّتِهِ مُنْذِراً وَ دَعَا إِلَى الْجَنَّةِ مُبَشِّراً وَ خَوَّفَ مِنَ النَّارِ مُحَذِّراً»[٩].

أي بشر بالجنة من أطاع الله والتزم أمره، وخوف من النار من خالف وعصى. بين «مُعْذِراً» و«مُنْذِراً»، و«مُبَشِّراً» و«مُحَذِّراً» طباق وسجع متواز؛ لبيان غاية البعثة في أدق معانيها وتبليغ تلك الأمانة عن ربه بحيث كان لله حجة على الناس يوم القيامة.

ومن وصفه(ع) للمعصومين(ع): «مَنْ أَخَذَ الْقَصْدَ حَمِدُوا إِلَيْهِ طَرِيقَهُ وَ بَشَّرُوهُ بِالنَّجَاةِ»[١٠].

شبه(ع) المعصومين(ع) بالأدلة في الصحراء التي يستطيع السائر أن يهتدي بها إلى مراده، ويصل إلى غايته، ويأمن مضلة الطريق، فهم بعملهم وسلوكهم سبل النجاة من الضلال، وأدلة إلى الله تعالى.[١١]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج۲

الهوامش

  1. سورة النساء: ١٣٨.
  2. سورة مريم: ٩٧.
  3. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٩.
  4. سورة طه: ١-٢.
  5. نهج البلاغة، قصار الحكم ٥٩.
  6. توضيح نهج البلاغة، ج٤، ص٢٨٦.
  7. معارج نهج البلاغة، ص٤٠٧؛ الاشتقاق، ابن دريد، ص٧٧.
  8. نهج البلاغة، الخطبة ١٢١.
  9. نهج البلاغة، الخطبة ١٠٩.
  10. نهج البلاغة، الخطبة ٢٢٢.
  11. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ١٩٦.