ختم النبوة
تمهيد
من الأصول القطعية التي يقبل بها جميع المسلمين هو أصل الخاتمية، أي: أنّ محمد(ص) هو آخر نبي إلهي ولن يُبعث بعده نبي آخر إلى قيام الساعة.
إنّ بعثة نبي جديد تُتصور في حالتين:
لقد تم إثبات خلود الإسلام في ما سبق مما يُبطل الاحتمال الأوّل، يبقى الاحتمال الثاني ولإبطاله نحتاج إلى إثبات خاتمية سلسلة الأنبياء بنبي الإسلام(ص). تدلّ بعض الآيات والروايات على أصل الخاتمية منها:
خاتمية محمد(ص) في القرآن
من الآيات الصريحة الدالة على الخاتمية هي الآية ٤٠ من سورة الأحزاب: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، إنّ لفظة (خاتم) من الختم يعني الانتهاء، كما قُرأت في الآية على نحوين:
- بكسر التاء، أي: تصبح اسم فاعل، ويصبح الآية أنّ النبي محمد(ص) وهو مُنهي سلسلة الأنبياء.
- بفتح التاء وفي هذه الحالة توجد ثلاثة احتمالات:
- «خاتَم» اسم بمعنى ما يُختم به، فيصبح معنى الآية أنّ محمد(ص) هو النبي الذي بواسطته تُختم سلسلة الأنبياء.
- خاتَم اسم بمعنى آخِر، أي: أن محمد(ص) آخر الأنبياء.
- خاتَم مثل ضارَب، مفاد الآية أن محمد(ص) ختم سلسلة الأنبياء.
يتضح مما ذكر أنّ الآية في كل الاحتمالات تدلّ على أنّ نبي الإسلام(ص) هو آخر أنبياء الله ولن يأتي نبياً بعده.
الجواب عن بعض الإشكالات
طرحت إشكالات على دلالة الآية المذكورة، ننقلها هنا ونجيب عنها:
- قيل أنّ كلمة (خاتم) في الآية بفتح التاء تعني حلقة الخاتم التي تلبس في اليد للزينة، فالآية في صدد مدح النبي(ص) والثناء عليه، تعبّر عنه بأنه زينة الأنبياء كما أنّ الخاتم زينة الأصابع. في الجواب عن الإشكال يُمكن القول: أولاً إنّ استعمال كلمة الخاتم بمعنی الزينة غريب وغير متعارف في اللغة العربية بالتالي لا ينسجم مع بلاغة القرآن، ثانياً إذا كان المقصود من الآية هو تشبيه الرسول بالخاتم من حيث زينته فكان من الأنسب أن يشبَّه بالتاج وأمثال ذلك، لأنّ هذه الألفاظ أوضح في إيصال معنی الزينة، ثالثاً معنی استعمال كلمة الخاتم في الحلقة التي تلبس في اليد للزينة ليس معنیً منفصلاً عن المعاني التي ذكرناها سابقاً، لأنّ حلقة الخاتم في لغة العرب سُمي بذلك لأنهم في ما مضى كانوا يختمون آخر رسالتهم به، فمعنى الخاتم غير خارج عن الاحتمالات المذكورة، فاتضح أنّ الآية تدلّ على خاتمیّة نبي الإسلام(ص) بكل احتمالاتها.
- الشبهة الأخرى التي ذكرت على دلالة الآية، أنّ الآية المباركة تدلّ على نبوّة نبي الإسلام لكنها لا تدلّ على ختم الرسالة، فيُمكن أن يرسل الله رسلاً بعد نبي الإسلام(ص).
يتضح الجواب عن الشبهة عند الرجوع إلى ما ذكرناه في الفصل الأول من النسبة بين النبي والرسول: ذكرنا هناك أنّ النبي - بلحاظ المصداق - أعم من الرسول، بمعنى أنّ كل رسول هو نبي وليس العكس، من جهة أخرى فإن كل حكم يصدق على العام فإنه يصدق على الخاص أيضاً بالتالي فإنّ ختم النبوة يستلزم ختم الرسالة.[١]
خاتمية نبي الإسلام في الروايات
بالإضافة إلى القرآن الكريم، تشهد روايات كثيرة على خاتمية النبي الأكرم(ص) نُشير هنا إلى بعضها:
- في حديث مشهور ومعروف بحديث المنزلة وهو قول النبي(ص) بعد أن امتنع عن اصطحاب علي(ع) معه إلى معركة تبوك وشاهد تألم الإمام(ع) فقال: «أَ مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»[٢]، إن عبارة النبي في نهاية الرواية «إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» تدلّ بوضوح على أنه لن يُبعث نبياً بعده أبداً[٣].
- نقلت تعابیر كثيرة عن علي(ع) في وصف النبي(ص) تُشير إلى خاتميته منها: «أَمِينُ وَحْيِهِ وَ خَاتَمُ رُسُلِهِ»[٤] «إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً(ص) رَسُولَ اللَّهِ(ص) لِإِنْجَازِ عِدَتِهِ وَ إِتْمَامِ نُبُوَّتِهِ»[٥].[٦]
شواهد تاريخية
بالإضافة إلى الأدلة القرآنية والروائية، هناك شواهد تاريخية تؤيّد عالمية الإسلام مثل إرسال النبي(ص) رسائل إلى رؤساء دول إيران والروم والحبشة واليمن، دعاهم فيها إلى الإسلام وأخبرهم أنهم إن أسلموا فإنّ أرواحهم وأموالهم في أمان، وإلا فستقع الحرب بينهم، ومن الواضح أنه لو كان الإسلام ديناً قومياً لما دعى رسول الله(ص) رؤساء الأمم الأخرى للإسلام.[٧]
المراجع
الهوامش
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٤٦٤-٤٦٩.
- ↑ نُقل هذا الحديث عند الفريقين في عدة منابع.
- ↑ سنستدلّ بهذا الحديث في بحث إثبات إمامة الإمام علي(ع) لأنه دليل واضح على إمامته.
- ↑ نهج البلاغة، خ ۱۷۳.
- ↑ نهج البلاغة، خ ۱.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٤٦٩.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٤٦٩-٤٧٠.