الدعوة النبوية العامة

تمهيد

بعد تلك السنوات الثلاث، عمد الرسول (ص) إلى إعلان الدعوة جهراً، حين وقف ذات يوم على صخرة عند جبل الصفا منادياً بصوت عالٍ: «أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ اَلْعَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ مَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَإِنِّي ﴿نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ[١]»[٢]

فرد عليه أحدهم: تبّاً لك ألهذا دعوتنا؟ فتفرّق الناس على أثر ذلك. إلاّ أنّه بعد فترة من الدعوة العامة، تشكلت جماعة قوية متعاطفة متحابّة، من السابقين واللاحقين، أو القدامى والجدد، كانت بمثابة إنذار لاَوساط الكفر والشرك والوثنية، وهم المخالفون، وقد تألّفت تلك الجماعة من قبائل مختلفة منعوا الكفار من التعرض لهم، إذ لم يكن اتّخاذ أي قرار حاسم بحقّهم، أمراً سهلاً ومريحاً. ولذا قرر سادة قريش مواجهة قائد تلك الجماعة ومحركهم، بوسائل الترغيب والترهيب، بالاِغراء والتطميع، والاِيذاء والتهديد، واستمرت برامج قريش وموقفها من الدعوة بهذه الاساليب طيلة عشر سنوات هي عمر الدعوة العامة في مكة، حتى اتّخذوا قرارهم النهائي بالتخلّص منه بقتله،في الوقت الذي تمكن (ص) من إبطال موَامرتهم وإفشالها بالهجرة إلى المدينة.

وقد بدأوا التحرك في مطالبة كفيله (ص) أبي طالب بأن يبعد النبي (ص) عنهم قائلين له: يا أبا طالب إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفَّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإمّا أن تكفّه عنّا، وإمّا أن تُخلّي بينا وبينه. إلاّ أنّأبا طالب رَدّهم بقولٍجميلٍ حكيمٍ.[٣]

ولكن الدين الجديد انتشر بقوّة بين العرب، والقادمين إلى مكّة خلال الاشهر الحرم، فأدرك طغاة قريش أنّ محمّداًبدأ يفتح له مكاناً في قلوب جميع القبائل، فكثّر أنصاره منها، الامر الذي دفعهم إلى مقابلة أبي طالب مرةً أُخرى، ليذكّروه إشارة وتصريحاً، بالاَخطار التي أحدقت بهم وبعقائدهم نتيجة نفوذ الإسلام وقوّته: إنّا والله لا نصبرُ على هذا من شتم آبائنا وعَيب آلهتنا حتى تكفّه عنّا أو ننازله وإيّاك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين. فسكّن غضبهم وأطفأ ثائرَتهم وهدّأ خواطرهم، ليتم معالجة هذه المشكلة بطريقةٍ أفضل.

فأتى النبي (ص) وأخبره بأمرهم، فردّ عليه بالجواب التاريخي الخالد، والذي يعتبر من أسطع وألمع السطور في حياة قائد الإسلام الاكبر محمّد (ص): «يَا عَمُّ، وَاللَّهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسُ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرُ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الامر حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ، أَوْ أَهْلَكَ فِيهِ، مَا تَرَكْتُهُ». ممّا أثر في عمّه بتلك الكلمات العظيمة، فأظهر استعداده الكامل للوقوف إلى جانبه قائلاً: إذهب يا ابن أخي فقل ما أحببتَ،فو الله لا أُسْلِمَكَ لشيءٍ أَبداً».

وحاولت قريشٌ مساومة أبي طالب مرةً أُخرى، للتخلّص من النبي (ص) ودعوته، إلاّ أنّه رفض أي نوع من المساومة في هذه القضية، محافظاً على محمّدودينه.

فسلكوا طريقاً آخر، ووسيلة أجدى لاِثناء النبي (ص) عن المضي في دعوته، وهي تطميعه بالمناصب والهدايا والاَموال والفَتَيات الجميلات: فإن كنتَ إنّما جئتَ بهذا الحديث تطلبُ به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثر مالاً، وإن كنتَ إنّما تطلب الشرف فينا فنحن نسوِّدُكَ ونشرِّفك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك تابعاً من الجن قد غلب عليك،بذلنا أموالنا في طِبّك.

إلاّ أنّ الرسول (ص) قال لعمّه: «يَا عَمِّ أريدهم عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يقولُونها، تَدِينُ لَهُمْ الْعَرَبِ، وتوَدّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمِ الْجِزْيَةُ».

قالوا: ما هي؟ قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ[٤]. فقاموا فزعين قائلين: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ[٥].[٦]

المراجع

  1.   جعفر السبحاني، السيرة المحمدية

الهوامش

  1. سورة سبأ، الآية ٤٦.
  2. السيرة الدحلانية بهامش السيرة الحلبية: ١/ ١٩٤.
  3. السيرة النبوية: ١/ ٢٦٤.
  4. سورة الصافات، الآية ٣٥.
  5. سورة ص، الآية ٥.
  6. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٦٩-٧١.