الشبهة
التعريف
لغةً: الشبهة: من أشبه الشيءُ الشيءَ، أي ماثله في صفاته، والشَّبَه والشَّبيه: المثل، والتشبيه: التمثيل، والشبهة: الالتباس، والمشتبهات من الاُمور: المشكلات، والمتشابهات: المتماثلات، والاُمور المشتبهة، أي المشكلة؛ لشبه بعضها ببعض، وشبّه عليه، أي خلط عليه الأمر حتى اشبته بغيره[١].
اصطلاحاً: تعرّف الشبهة عند فقهاء الإمامية بأنّها: الأمر الملتبس الذي لا يعرف وجه الحلّية والحرمة فيه، أو هي الفعل المحرّم الذي يُظنّ حلّيته[٢]، وسمّيت شبهة لأنّها موضع الاشتباه[٣].
وعند الاُصوليين: هي الأمارة التي تفيد ظنّاً يترتّب عليه الإقدام عليما يخالف في نفس الأمر[٤].[٥]
أقسام الشبهة
قسّم الفقهاء الشبهة إلى الأقسام التالية:
الشبهة الحكمية والموضوعية
ذهب فقهاء الإمامية إلى أنّ الشبهة تارة تتعلّق بأصل الحكم أو حدوده من حيث الحكم والموضوع والمتعلّق، وقد تتعلّق بتحقّق الموضوع أو متعلّقه خارجاً، فالاُولى تسمّى بالشبهة الحكمية، والثانية تسمّى بالشبهة الموضوعية.
ويمثّل للاُولى (الشبهة الحكمية) غالباً ب - (شرب التتن أنّه جائز وحلال أو حرام)، ويمثّل للشبهة الموضوعية غالباً: ب - (أنّ هذا المائع الخارجي المراد شربه خمر أم لا)، وكلّ من هاتين الشبهتين تنقسم إلى:
- الشبهة الوجوبية: وهي الدائرة بين الوجوب وغير الحرمة.
- الشبهة التحريمية: وهي الدائرة بين الحرمة وغير الوجوب.
- الدوران بين المحذورين: وهي الدائرة بين الوجوب والحرمة[٦].
وقد بحث الفقهاء عن أحكام هذه الشبهات في الاُصول العملية من علم الاُصول عند البحث عن أصل البراءة في الشبهة الوجوبية والتحريمية، بمعنى أنّه عند مواجهة المكلّف لهذه الشبهات فهو شرعاً وعقلاً حرّ تجاه العمل بها، سواءً كان بارتكاب مورد الشبهة أم بتركه، فلا يتوجّه إليه عقاب من قبل المولى، فهو معذور إذا واجه مخالفة الواقع بالبراءة مطلقاً.
هذا هو مختار الاُصوليين من الفقهاء[٧]، وخالفهم الأخباريون فذهبوا إلى وجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية، فيجب ترك ما هو مشتبه بين الحرمة وغير الواجب[٨].
نعم، وافق بعضهم في الشبهة الوجوبية في القول بالبراءة فيها، ومنهم من خالفهم فيها أيضاً[٩].
وأمّا الدوران بين المحذورين - كما إذا دار الأمر بين الوجوب والحرمة بأن يكون شئ واحد أمره دائر بين أن يكون واجباً أو حراماً - فالمكلّف عملياً لا يخلو من أحد الأمرين قهراً؛ لأنّه إمّا فاعل أو تارك ولا حالة ثالثة، وأمّا من حيث الالتزام بأنّه واجب أو حرام، أو لا هذا ولا ذاك، ففيه خمسة أقوال:
- تقديم جانب الحرمة؛ لأنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة[١٠].
- الحكم بالتخيير بين الوجوب والحرمة تخييراً شرعياً[١١].
- الحكم بالإباحة شرعاً والتخيير عقلاً[١٢].
- التخيير تكويناً من دون التزام بحكم ظاهري[١٣].
- الحكم بالبراءة عقلاً وشرعاً[١٤].
هذا فيما إذا كان الأمر توصّلياً، وأمّا إذا كان تعبّدياً فالحكم هنا التخيير عقلاً، بأن يؤتى بالواجب بداعي احتمال طلبه وتركه كذلك[١٥].
الشبهة المفهومية
وهي الشكّ في دخول شيءٍ تحت مفهوم ما يُظن انطباقه عليه. ومنشؤها الشكّ في حدود المفهوم وقيوده على نحو يستوجب الشكّ في صدقه على الموارد، كما إذا شكّ في أنَّ هذا المقدار من السكوت مفوّت للموالاة عرفاً أو غير مفوّت؛ لأجل عدم اتّضاح المفهوم وتردّده بين الأقل والأكثر، أو كالشكّ في أنّ الصعيد يراد به مطلق وجه الأرض أو خصوص التراب[١٦].
الشبهة المصداقية
وهي الشكّ في دخول فرد من أفراد العام في الخاص مع وضوح مفهوم الخاص، بأن كان مبيّناً لا إجمال فيه، كما إذا شكّ في ماءٍ معيّنٍ هل تغيّر بالنجاسة فدخل في حكم الخاص، أم لم يتغيّر فهو لا يزال باقياً على طهارته[١٧].
والشبهة المصداقية هي من أفراد الشبهة الموضوعية التي يرجع في رفع الشكّ عنها إلى العرف[١٨].
الشبهة الدارئة للحدّ
الشبهة الدارئة للحدّ: هي توهّم جواز الفعل المحرّم الذي ارتكبه المكلّف، أو طروء عارض على الفعل يثير شبهة الحلّية، أو الجواز، أو ارتفاع الحدّ، كما لو عقد على المحرّمة عليه مؤبّداً ظانّاً الحلية، أو ادّعى الزاني الزوجية، أو ادّعت الزانية الإكراه، أو كما لو فسق الشهود على الزنى قبل الحكم، أو تعارضت البيّنتان فيما لو شهد أربعة على امرأة بالزنى، وشهد أربع نسوة على أنها عذراء، فلا حدّ[١٩].
واستدل فقهاء الإمامية على درء الحدّ هنا بقول النبي (ص): «اِدْرَءُوا اَلْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ»[٢٠].[٢١]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ العين ٤٠٤: ٣. الصحاح ٢٢٣٦: ٦. لسان العرب ٢٣: ٧-٢٤. المصباح المنير: ٣٠٣-٣٠٤. المعجم الوسيط ٤٧١: ١ «شبه».
- ↑ انظر: معجم ألفاظ الفقه الجعفري: ٢٣٩.
- ↑ الخراجيات (الكركي): ٨٩.
- ↑ القواعد والفوائد ٣٧٧: ١.
- ↑ السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج١١، ص ١٨٩.
- ↑ فرائد الاُصول (تراث الشيخ الأعظم) ١٨: ٢. وانظر: كفاية الاُصول: ٣٣٨.
- ↑ مصباح الاُصول ٢٥٤: ٢. وانظر: فرائد الاُصول (تراث الشيخ الأعظم) ١٩: ٢. فوائد الاُصول ٢٧٧: ٤.
- ↑ وسيلة الوصول إلى حقائق الاُصول: ٥٩١. فوائد الاُصول ٣٦٥: ٣. المحكم في اُصول الفقه ٢١: ٤.
- ↑ الحدائق الناضرة ٤٣: ١. وانظر: فرائد الاُصول (تراث الشيخ الأعظم) ١٤٢: ٢.
- ↑ مصباح الاُصول ٣٢٨: ٢.
- ↑ مصباح الاُصول ٣٢٨: ٢.
- ↑ كفاية الاُصول: ٣٥٥.
- ↑ مصباح الاُصول ٣٢٨: ٢.
- ↑ مصباح الاُصول ٣٢٨: ٢.
- ↑ كفاية الاُصول: ٣٥٦. حاشية على كفاية الاُصول (تقرير بحث البروجردي) ٢٦١: ٢. منتهى الدراية ٦٠٩: ٥. وانظر: فوائد الاُصول ٤٥٢: ٣.
- ↑ انظر: الصلاة (النائيني، تقريرات الكاظمي) ١٧٩: ٢. مستمسك العروة ١١٦: ١. حاشية على كفاية الاُصول (تقرير بحث البروجردي) ٤٩٢: ١.
- ↑ اُصول الفقه ٢٠٠: ١، ٢٠٢. لمحات الأصول (تقريرات البروجردي للسيّد الخميني): ٣٢٣.
- ↑ هدى الطالب ٥٣٦: ١.
- ↑ مسالك الأفهام ٣٠٤: ١، و ٢٩٤: ١٤-٢٩٥، ٣٩١، ٤٠٣. كفاية الأحكام ٧٨٢: ٢. رياض المسائل ٤٨٧: ١٣. مجمع الفائدة ٩: ١٣-١٠، ٢٥٣. حاشية ردّ المحتار ١٨٧: ٤. فتح الوهّاب ٢٧١: ٢. مغني المحتاج ١١: ٤. المغني ١٥٦: ١٠-١٥٧، و ٢٦٥: ١٢.
- ↑ وسائل الشيعة ٤٧: ٢٨، ب ٢٤ من مقدّمات الحدود، ح ٤. عمدة القاري ٩٥٢: ٠٢.
- ↑ السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج١١، ص ١٨٩-١٩٣.