القناعة في الفضائل
التمهيد
المراد به ضدّ ما مرّ ذكره في السبق إلى الفضائل، وهي رذيلة تمنع صاحبها عن التّرقّى والتّعالى، فهذه الملكة تمنع صاحبها عن الوصول إلى الدّرجات العليا والدخول في الصلحاء والفضلاء .
توضيح ذلك: انّ الإنسان كما أنه ليس له حدّ يقف عليه فيما يرجع إلى المادّيات، بحيث لا يقنع بماله ولو كان ضخماً جداً كما أشار إليه سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾[١]>
وقد مرّ الكلام فيه في البحث عن القناعة والحرص والاستغناء والطّمع، فكذلك ليس له حدٌّ يقف عنده فيما برجع إلى عالمه الروحاني، علوّاً وخسّةً فله أن يترقّى إلى ما لا نهاية له، حيث إنّ مقام اللقاء ليس إلّا من مقدّمات السلوك، وبترقيه إلى منازل السير من الحقّ في الحق ومن الحقّ إلى الحق، يظهر له أنْ لا ختام لسيره، لأنّ الحق لا نهاية له عدّةً ومدّةً وشدّةً .
وكذلك في الوصول إلى الفضائل، العلميّة والعمليّة، فكلّما عثر على نكتةٍ علميّة يعلم أنّه لا معرفة له بغيرها وشتّان بين ما يعلم وما لا يعلم، فيلتذّبها آناً فآناً . واظهار الحقّ في الوقائع ونشر العدل يعدّان من الفضائل، فمن سجايا الإنسان النفسيّة أن يجتهد في بسط العدل على بسيط الأرض، ونشر الرفق عليه، وقد وعد الله سبحانه أن يحقّق له أمله ولا يخيّب سعيه، حيث قال: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾[٢].
فهذا وعدالله الّذي لايخلفه قطعاً، ويظهر من هذا الوعد انّ إرادة الإنسان سجيّة، فلو تخلّف عن هذه السّجيّة فقد تخلّف عن إرادة الله تعالى التشريعيّة وهو محرّم قطعاً .
فالإنسان الكامل قانع في تنحية الشّهوات، وحريص في تنحية الرّوح واستجلاب المنافع .
فالقناعة في تنحية المشتهيات تعدّ من الفضائل وهي ضدّ الحرص الممنوع .
والقناعة في استجلاب الفضائل تُعدّ من الرّذائل وهي ضدّ الغبطة والتنافس .
كما انّ الحرص في تنحية الشّهوات تعدّ من الرّذائل، والحرص في استجلاب الفضائل تعدّ من الفضائل وهو الغبطة والتّنافس والترقّب الآتي مرالله تعالى به في كثيرٍ من آي الكتاب العزيز .
ثمّ انّ القناعة في الفضائل وعدم الاهتمام باستجلابها يلازم رذائل أخرى كالكسل والفشل وحبّ الدّنيا بمعناه العامّ، فلا مآل لهذا الفشل إلّا تسلّط غيره عليه، فرادىً وجمعا فيصير ذلك الإنسان أو تلك الملّة غثاء كغثاء السّيل .
قال رسول الله (ص): «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ.»[٣]
وأشرنا إلى التلازم الواقع بين الرذائل، فكلّما ازداد الفشل فيه، ازداد الحرص على الدنيا والخوف من الموت فيه، ولا نتيجة لجمع الرذائل واجتماعها إلّا الهبوط عن مدارج الكمال الإنسانيّة فيتسلّط حجب المادّة على القلب، فيكون ذلك الفرد أو تلك الملّة حينئذٍ غثاء كغثاء السّيل لا نشاط له ولها فيما يرجع إليهما .
وهذا هو سرّ مايتراءى اليوم من الملل والدّول الإسلاميّة من الذلّة والتّوان، حيث همّت بعاجلها من غير اهتمامٍ لها باستجلاب الفضائل الدنيويّة والأخرويّة فويلٌ لها ثمّ ويل لها من هذا الفشل والكسل المؤدّى إلى سلطة الأجانب عليها .
فبما قدّمنا يظهر لك ان رذيلة القناعة في الفضائل، هي أمّ جميع الرذائل من غير مدافعٍ!.[٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة ص، الآية ٢٣-٢٤.
- ↑ سورة النور، الآية ٥٥.
- ↑ سنن أبي داوود، ح ٣٧٤٥ .
- ↑ حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج۲، ص ٤١٣.