تمهيد

يتجلّى النظام الدقيق والمتقن في الكون من خلال العديد من النماذج والأمثلة، والتي تدعم فكرة وجود نظام محكم يحكم الكون[١]. وفيما يلي بعض هذه النماذج:

خواص الماء

يتميّز الماء بأربع خواص رئيسية تلعب دوراً هامّاً في الحفاظ على الحياة في المحيطات والبحيرات والأنهار، خاصّة في المناطق ذات الشتاء القارس:

  1. امتصاص كمّيات كبيرة من الأوكسجين عند انخفاض درجة حرارته، ممّا يساعد الأسماك على التنفّس.
  2. وصول كثافة الماء لذروتها عند ٤ درجات مئوية، وثبات كثافته بعد ذلك مهما انخفضت درجة الحرارة، ممّا يمنع تجمّد الأنهار والبحيرات بالكامل.
  3. انخفاض كثافة الجليد مقارنة بالماء، ممّا يجعله يطفو على سطح الماء ويسمح باستمرار الحياة تحته في المناطق الباردة.
  4. انطلاق كمّيات كبيرة من الحرارة من الماء عند تجمّده، ممّا يساعد على صيانة حياة الكائنات البحرية[٢].

ورغم أنّه قد يغفل الكثيرون عن هذا النظام الدقيق للماء، إلّا أنّه يشير إلى الحقيقة التي ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ[٣].

النسغ الصاعد والنازل في النباتات

تحتوي سيقان النباتات على شبكة من الأنابيب المجوفة، بعضها مسؤول عن نقل الماء والأملاح من التربة إلى الأوراق (النسغ الصاعد)، والبعض الآخر ينقل الغذاء المصنع في الأوراق إلى باقي أجزاء النبات (النسغ النازل). وتعمل هذه الأنابيب بدقّة وانتظام تامّ دون أيّ خطأ في مهامّها، وهو ما يعدّ مظهراً من مظاهر النظام في عالم النبات.

وقد أثبتت تجارب العالم فان هلمونت في القرن السابع عشر الدور الحيوي للماء في نمو النباتات، حيث بيّنت أنّ النباتات تستمدّ غذائها بشكل أساسي من الماء وليس التربة كما كان يعتقد سابقاً. وتؤكّد هذه النتيجة أيضاً الزراعة المائية الحديثة.

ويوضّح العالم إسحاق أزيموف التفسير العلمي لتجارب فان هلمونت، مبيّناً أنّ وظيفة التربة ميكانيكية في الغالب، فهي تشكّل أساساً صلباً وآمناً لنمو الجذور وتخزين الماء الذي يذيب كمّيات صغيرة من المواد اللازمة لحياة وتغذية النبات. وهو ما يتوافق مع قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءاً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَبَاتِ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى[٤].

لسان المزمار وحماية مجرى التنفّس

يشكّل لسان المزمار عنصراً أساسيّاً في ضبط العملية التنفّسية والهضمية، إذ يقع خلف القصبة الهوائية المسؤولة عن نقل الهواء للرئتين، في حين يقع البلعوم خلفه للسماح بمرور الطعام إلى المريء والمعدة. ونظراً للخطورة الكبيرة لدخول أيّة ذرّة من الطعام للقصبة الهوائية، يعمل لسان المزمار عمل «شرطي المرور» الذي ينظّم العملية بدقّة وكفاءة عاليتين، مغلقاً المجرى الهوائي فور مرور الطعام إلى البلعوم والمريء.

وفي حال تمكنّت ذرّة طعام من اختراق هذا الحاجز ودخول القصبة الهوائية، تتدخّل العضلات المحيطة بها للضغط عليها وإخراجها عبر السعال. وهو ما يبيّن الدقّة والإتقان الإلهي في تصميم جسم الإنسان وأجهزته الحيوية. قال تعالى: ﴿سَنُريهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفي‏ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ[٥].

الغذاء وتطوّره

يحتاج الجنين في رحم الأم إلى غذاء يدعم استمراره في الحياة. ونظراً لعدم وجود طريق مباشر للجنين إلى العالم الخارجي، فإنّ غذاءه يأتي عبر الدم الذي يتجمّع في المشيمة وينتقل عبر الحبل السرّي إلى سرّة الجنين، ومنها إلى الجهاز الدوري. هذا الدم يأتي من خلاصة كبد الأم، ويغذّي الجنين، فينمو تدريجيّاً ويتطوّر.

عندما يتهيّأ الطفل للولادة والخروج إلى العالم الخارجي، ينتقل مركز التغذية تلقائياً إلى الثديين، حيث تبدأ الغدد بإفراز مادّة صمغية تسمّى «اللبأ»، ثمّ تفرز الحليب الذي يحتوي على المواد الغذائية اللازمة للرضيع. وهناك فرق كبير بين الدم السائل الغليظ القاتم وبين الحليب السائل الأبيض الشهي.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في قوله تعالى: ﴿نُسْقيكُمْ مِمَّا في‏ بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبينَ[٦].

خلقة الجمل

يتميّز الجمل بخصائص فريدة تتلاءم مع البيئة الصحراوية التي يعيش فيها:

  1. معدته مزوّدة بجيوب عضلاتية لحفظ الماء وخزنه، تمكنه من الاستغناء عن الماء لعدّة أيّام.
  2. يوجد على ظهره سنام وهو مخزن للشحم، يذوب عند الحاجة ليغذّي الجمل.
  3. قوائمه طويلة تبعد جسمه عن الرمال الساخنة.
  4. رقبته طويلة تمكنه من تناول الطعام من الأرض دون الحاجة للانحناء.
  5. قدمه واسعة تمنعه من الغوص في الرمال الرخوة.
  6. له شقّ في فكّه الأعلى يسهّل تناول الأشواك، ولثّته تقاومها.
  7. لديه جفنان في كلّ عين يحميانها من الرمال أثناء العواصف.

وقد أشار القرآن الكريم إلى خلقة الإبل في قوله تعالى: {{نص قرآني|أَ فَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}[٧].

العلاقة بين فراشة اليوكا وزهرة اليوكا

توجد علاقة تكافلية بين فراشة اليوكا وزهرة اليوكا. فزهرة اليوكا لها تركيب خاص يجعل من الصعب أن تسقط حبوب اللقاح على ميسمها الكأسي الشكل دون مساعدة فراشة اليوكا. تقوم الفراشة بجمع حبوب اللقاح من عدّة أزهار وتخزنها في فمّها المجهّز لذلك، ثمّ تطير لزهرة أخرى وتثقب مبيضها بجهاز في مؤخّرتها لتضع بيوضها فيه. وبعد ذلك تزحف لأسفل لتضع كرّة من حبوب اللقاح على ميسم الزهرة فتلقحها. ينتج النبات بذوراً بعضها يكون طعاماً ليرقات الفراشة وبعضها ينضج لمواصلة دورة الحياة[٨].

هذه العلاقة الوثيقة بين الفراشة والزهرة والانسجام الكامل في العمل يشير إلى جانب متواضع من جوانب النظام في العالم.

العلاقة بين التين والزنابير الصغيرة

هناك علاقة مميّزة بين شجرة التين وبعض أنواع الزنابير الصغيرة. تنتج شجرة التين نوعين من مجموعات الأزهار:

  1. مجموعة فيها أزهار ذكرية وأنثوية معاً.
  2. مجموعة كلّ أزهارها أنثوية فقط.

وتقوم إناث الزنابير بتلقيح الأزهار الأنثوية في كلا النوعين.

تكون فتحة التين ضيّقة جدّاً بسبب وجود أوراق صغيرة حولها، ممّا يجعل دخول الزنابير صعباً ويؤدّي إلى تمزّق أجنحتها.

عندما تدخل أنثى الزنبور إلى مجموعة الأزهار التي تحتوي على الذكرية والأنثوية، تضع بيضها ثمّ تموت. يفقس البيض وتتزاوج الزنابير الصغيرة، ولا تستطيع سوى الإناث الخروج، أمّا الذكور فتموت داخل التين.

قبل خروج الإناث، تلتصق حبوب اللقاح بأجسامها. ثمّ تنتقل إلى مجموعات أزهار جديدة:

  • إذا كانت المجموعة الجديدة تحتوي أزهاراً ذكرية وأنثوية، تتكرّر العملية السابقة.
  • أمّا إذا كانت كلّها أزهاراً أنثوية، فإنّ الزنبور يموت دون وضع بيض؛ لأنّ الأزهار تكون عميقة بحيث لا يصل الزنبور إلى قاعدتها. وأثناء محاولته، يلقح الأزهار بحبوب اللقاح التي يحملها.

بعد التلقيح، تنضج الأزهار الأنثوية لتكوّن ثمار التين[٩]. وهذا يُظهر عظمة الخالق الذي أعطى كلّ مخلوق ما يناسبه ثمّ هداه إلى وظيفته. قال تعالی: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، ثُمَّ هَدَى[١٠].

الزهرة التي تسجن الحشرات

هنالك العديد من الأزهار التي تمتلك آلية فريدة لاصطياد الحشرات وسجنها داخلها بغرض التلقيح؛ ومن الأمثلة على ذلك: الزهرة المعروفة باسم «جاك في المقصورة». تمتلك هذه الزهرة مجموعات زهرية ذكرية وأنثوية داخل مقصورات تضيق في المنتصف. تدخل ذبابة دقيقة إلى المقصورة، لتجد نفسها عالقة بسبب الضيق والجدران الداخلية المغطاة بمادّة شمعية منزلقة تمنع الحشرة من التمسّك. تدور الحشرة بشكل سريع داخل المقصورة فتعلّق حبوب اللقاح بجسمها.

بعد فترة، تتصلّب جدران المقصورة قليلاً ممّا يسمح للحشرة بالخروج وهي محمّلة بحبوب اللقاح. فإذا زارت مقصورة ذكرية أخرى، تكرّرت العملية. أمّا إذا دخلت إلى مقصورة أنثوية، فإنّها تُسجن بداخلها بشكل دائم حتّى تموت، وأثناء محاولتها اليائسة للخروج تقوم بتلقيح الأزهار الأنثوية.

هذا التكامل والزوجية السائدة في الكون يمثّل مظهراً من مظاهر الإبداع والنظام الإلهي.

البرق كمصدر للتسميد الطبيعي

يُنظر للبرق عادة على أنّه وسيلة تدميرية، لكنّه في الحقيقة يلعب دوراً مهمّاً في تخصيب التربة. حيث يؤدّي التفريغ الكهربائي الناتج عن البرق إلى تكوين أكاسيد النيتروجين التي تهبط مع الأمطار أو الثلوج إلى التربة ليستفيد منها النبات.

تقدّر كمّية النيتروجين التي تضاف للتربة بهذه الآلية بحوالي ٥ أرطال للفدان الواحد سنويّاً؛ أي ما يعادل ٣٠ رطلاً من نيترات الصوديوم. وتختلف الكمّية حسب الموقع الجغرافي، فهي أعلى في المناطق الاستوائية عن المناطق المعتدلة، والتي بدورها تزيد عن المناطق الصحراوية الجافّة. وكأنّ النيتروجين يوزّع حسب حاجة كلّ منطقة له.

يقدّر مكتب التنبّؤات الجوّية الأمريكي أنّ البرق يضيف حوالي ١٢ رطلاً من النيتروجين للفدان سنويّاً؛ أي ما يعادل ٧٧٠ مليون رطل على مستوى الكرة الأرضية.

آلية هذا الأمر تتلخّص في أنّ الطاقة الكهربائية الناتجة عن البرق تؤدّي لاتّحاد النيتروجين والأكسجين في الهواء مكوّنة أكسيد النيتريك، والذي يتّحد بدوره مع الأكسجين مكوّناً ثاني أكسيد النيتروجين. يذوب هذا المركّب الأخير في ماء المطر، ويسقط على الأرض على هيئة حامض النيتريك، ليتفاعل مع مواد التربة مكوّناً نترات الكالسيوم وهو سماد ممتاز للنباتات.

تمّ التطرّق لهذه الآلية في القرآن الكريم في الآية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[١١].

الذرّة

الذرّة هي أصغر جزء من المادة غير قابل للانقسام. وبالرغم من صغر حجمها، إلّا أنّها تتكوّن من أجزاء عديدة، أهمّها:

  1. البروتون: يحمل شحنة كهربائية موجبة.
  2. النيوترون: متعادل كهربائيّاً.
  3. الإلكترون: يحمل شحنة كهربائية سالبة.

تشكّل هذه الجسيمات دون الذرية تركيب الذرّة، حيث يتمركز البروتون والنيوترون في النواة، بينما تدور الإلكترونات حولها بسرعة هائلة في مدارات محدّدة. ويوجد توازن في الحالة الطبيعية بين عدد البروتونات والإلكترونات، وكذلك بين الوزن الذرّي وعدد النيوترونات والبروتونات.

يبلغ قطر الذرّة في المتوسّط حوالي ١ / ١٠ ملايين جزء من المليمتر. لكن الذرّة ليست كتلة صلبة، بل تحوي فراغ شاسع بداخلها. حيث أنّ حجم النواة لا يتعدّى ١ / ١٠٠٠٠ من حجم الذرّة؛ أي أنّ معظم حجم الذرّة هو فراغ تدور فيه الإلكترونات.

وللمقارنة، فإنّ نسبة حجم النواة إلى حجم الذرّة تشبه نسبة حجم كرة قدم إلى حجم الأرض تقريباً. فلو تخيّلنا أنّ نواة ذرّة الهيدروجين بحجم كرة القدم، فإنّ الإلكترون سيدور حولها في فضاء بحجم الكرة الأرضية.

رغم هذا التباين الشاسع في القياسات، إلّا أنّ الله سبحانه وتعالى أودع في هذا العالم المتناهي في الصغر تصميماً مذهلاً ونظاماً دقيقاً يحفظ كيان الذرّة ويضمن استقرارها.

سرعة حركة الإلكترونات في الذرّة

تعتبر ذرة الهيدروجين من أبسط الذرات نظراً لاحتوائها على إلكترون واحد فقط. ومع ذلك، فإن سرعة الإلكترونات فيها تبلغ حوالي ٣٠٠٠ كيلومتر في الثانية، وهي سرعة مدهشة رغم عدم إمكانية ملاحظتها بشكل مباشر.[مصدر يحتاج للتوثيق]

القوّة المركزية والقوّة الطاردة من المركز

نظراً لاختلاف الشحنات بين الإلكترونات (سالبة) والبروتونات (موجبة)، يتوقّع حدوث تصادم عنيف بينها. ولكنّ هناك قوّتان متعاكستان تحقّقان التوازن:

  1. القوّة المركزية: تعمل على جذب الإلكترونات نحو النواة.
  2. القوّة الطاردة: تعمل على طرد الإلكترونات من المركز إلى المدارات الخارجية.

وبفعل توازن هاتين القوّتين، يتحقّق الانسجام والتوافق بين مكوّنات الذرّة.

القانون الدوري

في نهاية القرن التاسع عشر، قام العالم الروسي «مندليف» بترتيب العناصر الكيميائية تصاعدياً حسب أوزانها الذرّية في جدول دوري. ولوحظ أنّ العناصر التي تقع في العمود نفسه تشكّل عائلة واحدة ذات خصائص متشابهة. وقد مكّن هذا الترتيب العلماء من التنبّؤ بوجود عناصر لم تكن معروفة آنذاك، وحتّى توقّع خصائصها بدقّة. وبالفعل، تمّ اكتشاف تلك العناصر لاحقاً وتطابقت خصائصها مع التوقّعات. يمكن القول بأنّ الاختلاف بين ذرّات العناصر يعود بالأساس إلى اختلاف عدد البروتونات والنيوترونات في نواها، وكذلك عدد الإلكترونات وطريقة ترتيبها في المدارات الخارجية.

عجائب عالم النمل

رغم صغر حجمها، تقوم النملة بأعمال مذهلة ومنظّمة. وتتضمّن بعض عجائبها:

  • قطع حبوب القمح قبل تخزينها منعاً لإنباتها، في حين تقطع حبوب الكزبرة إلى أربعة أجزاء لنفس السبب.
  • الاكتفاء بتقشير حبوب الشعير والبازلاء والعدس قبل تخزينها.
  • إخراج الحبوب المخزنة لتجفيفها أيّام الصحو بعد تعرّضها للرطوبة[١٢].

وما قصّة النمل مع «سليمان (ع)» ببعيدة عنّا، حيث يحكي القرآن الكريم بقوله: ﴿حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى‏ وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُون[١٣]، وهذا يحكي عن وعي وإدراك، وقيادة وتنظيم في حياة النمل، وهي محتقرة في أعين الناس.

إبداع في عالم النحل

تتّسم حياة النحل أيضاً بتنظيم دقيق وذكاء لافت، ومن مظاهر ذلك:

  • بناء الخلايا السداسية المنتظمة لتربية صغارها بأسلوب ثابت لا يتغيّر، ممّا يوحي بأنّها مسيّرة على ذلك.
  • تمييز النحل بين الأزهار الغنية بالرحيق والفقيرة منه، لتجمّع الرحيق وتحوّله إلى عسل وتخزنه في خلاياها كغذاء للصغار بعد فقسها. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجبَالِ بُيُوتاً ومِنَ الشَّجَرِ ومِمَّا يَعْرِشُونَ * ثمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفُ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[١٤].
  • التنظيم الاجتماعي المحكم للنحل وخضوعه لملكة الخلية، مع تقسيم دقيق للأعمال بين الذكور والإناث.

الصقور والفئران: دروس في التكيّف والبقاء

تُقدّم لنا الطبيعة دروساً قيّمة في التكيّف والبقاء من خلال العلاقة بين الصقور والفئران. فالصقور مفترسات قويّة مسلّحة بمنقار حادّ ومخالب قويّة تمكنها من اصطياد فرائسها بسهولة. أمّا الفئران فهي حيوانات ضعيفة لا حول لها ولا قوّة أمام الصقور. ومع ذلك، فقد زوّدها الله بوسائل دفاعية تمكنها من النجاة والهروب من مفترساتها.

ومن تلك الوسائل:

  • حاسّة السمع الحادّة: تستطيع الفئران سماع أدنى الأصوات والاختباء عند اقتراب الخطر.
  • السرعة والرشاقة: تتمتّع الفئران بقدرة فائقة على الجري والقفز والاختباء في الجحور الضيّقة.
  • التكاثر السريع: تلد الفئران صغاراً كثيرة في فترة قصيرة، ممّا يعوّض خسائرها جراء افتراس الصقور والحيوانات الأخرى لها.

وبالمقابل، فإنّ الصقور تمتلك حدّة بصر مكّنها من رؤية فرائسها من مسافات بعيدة، إلى جانب سرعتها الفائقة وقوّة انقضاضها على الفريسة.

رغم ضعف الفئران، فإنّها استطاعت البقاء والتكاثر بفضل ما زوّدها الله من وسائل دفاعية. وهذا درس لنا في أهمّية التكيّف والاستفادة من المواهب والقدرات التي منحنا الله إيّاها مهما بدت بسيطة. كما أنّ افتراس الصقور للفئران يحافظ على التوازن البيئي ويمنع تكاثرها بشكل مفرط قد يضرّ بالمحاصيل الزراعية.

تتكامل هذه العلاقة بين الصقور والفئران ضمن منظومة بيئية متوازنة ودقيقة تعكس حكمة الخالق وقدرته. ويمكن استلهام دروس في المثابرة والتحدّي من خلال دراسة سلوك هذه الكائنات وتفاعلها.

بصمات الأصابع: شواهد فريدة وأسرار دفينة

تعدّ بصمات الأصابع من أكثر الخصائص التشريحية تميّزاً وتفرّداً لدى الإنسان. فلكلّ شخص بصمة أصابع خاصّة به لا تتطابق مع أيّ شخص آخر، حتّى التوائم المتطابقة. وقد استُخدمت هذه الميزة منذ القدم في التعرّف على الأشخاص وتحديد هويّاتهم، واكتسبت أهمّية كبيرة في مجالات الطب الشرعي والأمن الجنائي.

نشأة بصمات الأصابع وتطوّرها

تتشكّل بصمات الأصابع أثناء المراحل الجنينية المبكرة، وتظهر ملامحها الرئيسية في الأسبوع السادس عشر من الحمل تقريباً. ويعتقد أنّ عوامل وراثية وبيئية تتضافر في تحديد أنماط البصمات ورسوماتها الدقيقة، ممّا يفسّر تفرّدها وتنوّعها الكبير. ويمكن تصنيف بصمات الأصابع إلى أنماط رئيسية مثل الأقواس والحلقات والدوامات، مع اختلافات دقيقة داخل كلّ نمط. وتظلّ هذه الأنماط ثابتة نسبيّاً طوال حياة الفرد، رغم تعرّضها للتآكل والتغيّر السطحي بسبب الكبر والاستعمال.

بصمات الأصابع في الطب الشرعي

كان أوّل استخدام موثّق لبصمات الأصابع في التحقيقات الجنائية على يد العالم الأرجنتيني خوان فوكالدي عام ١٨٩٢، حيث استطاع إدانة مجرمة من خلال بصمة دمويّة تركتها في مسرح الجريمة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت البصمات أحد أهمّ الأدلة المادية في الإثبات الجنائي. وتعتمد فحوص البصمات على مقارنة النتوءات والتفاصيل الدقيقة في بصمة مجهولة المصدر مع بصمات مسجّلة في قواعد بيانات خاصّة. وتُجرى هذه المضاهاة إمّا بشكل يدوي من قِبل خبراء متمرّسين، أو باستخدام برمجيات وخوارزميات حاسوبية دقيقة.

تطبيقات أمنية وتكنولوجية

انتشر استخدام بصمات الأصابع في الأنظمة الأمنية والتطبيقات التكنولوجية خلال العقود الأخيرة. فأصبحت تستخدم للتحقّق من الهوية في المطارات والمؤسّسات الحسّاسة، وللتحكّم في الدخول إلى الأماكن والأجهزة المحظورة. كما دخلت مستشعرات بصمات الأصابع كوسيلة لحماية الهواتف الذكية والحواسيب المحمولة، إذ تتيح فتح الجهاز أو المصادقة على العمليات الحسّاسة فقط لمالكه المخوّل. ويجري تطوير تقنيات أكثر تطوّراً لجعل أنظمة التعرّف على البصمات أسرع وأكثر دقّة وأماناً.

جوانب أخرى وتساؤلات

رغم فوائد استخدام بصمات الأصابع الأمنية والقانونية، إلّا أنّها تثير بعض الإشكالات الأخلاقية والقانونية. فهناك مخاوف من احتمالات اختراق قواعد البيانات البيومترية أو إساءة استخدامها بما يهدّد خصوصية الأفراد.

كما أنّ هناك حالات نادرة تتشابه فيها بصمات بعض الأشخاص إلى حدّ كبير، أو يعاني أصحابها من تشوّهات فسيولوجية أو جينية، ممّا يصعب التعامل معها في الأنظمة القياسية.

وتبقى هناك فرص عديدة لمزيد من البحث والدراسة حول بصمات الأصابع. فمازالت هناك فجوات في فهمنا لآليات تشكّلها الجنيني، وعوامل تنوّعها وتوزّعها السكّاني، وإمكانات استخدامها في تشخيص بعض الأمراض والحالات الصحّية.

خاتمة

تمثّل بصمات الأصابع إحدى العجائب الفسيولوجية التي تنفرد بها البشرية. وهي تجمع بين التفرد والثبات النسبي، ممّا يجعلها أداة مثالية للتعرّف على الهوية في مجالات الطب الشرعي والأمن. وتنتظرها تطبيقات تكنولوجية متسارعة قد تغيّر وجه حياتنا في المستقبل. فهي شواهد فريدة وأسرار دفينة، تروي قصصاً وتحمل دلالات، لمن يجيد فكّ شفراتها وتتبّع خيوطها.

ومن معاجز القرآن الكريم إخباره عن هذه الحقيقة بقوله عزّ من قائل: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ[١٥].

فالله تعالى يردّ في هاتين الآيتين استغراب الإنسان من جمع عظامه يوم القيامة بعدما تناثرت ويثبت قدرته ليس على جمع العظام وردّها إلى هيكلها العظمي المتماسك فحسب، بل على تسوية البنان (رؤوس الاصابع) وردّ خطوطها أيضاً.

هذه نماذج بسيطة تشهد على أنّ هذا العالم بما فيه من مجرّدات وسدم، وكواكب وسيّارات، وشموس وأقمار وجبال وبحار ومحيطات، وحيوانات ونباتات وجمادات، يسوده النظام المتقن.

وقد سبق أن أثبتنا أنّ كلّ ما يسوده النظام المتقن فهو من صنع منظّم قدير. وما ذلك المنظّم القدير إلّا الله جلّت أسماؤه[١٦]

المراجع والمصادر

  1.   السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية

الهوامش

  1. لقد صُنّفت كتب كثيرة في هذا المجال نشير إلى بعض منها:
    1. الله يتجلى في عصر العلم: تعريب الدمرداش عبد المجيد سرحان.
    2. أثر العلوم التجريبية في الإيمان بالله: تأليف كاميل فلامريون، تعريب الشيخ محمد مهدي الآصفي.
    3. مع الله في السماء: للدكتور أحمد زكي.
    4. الله والعلم الحديث: تأليف عبد الرزاق نوفل.
    5. افریدكار جهان تأليف الشيخ ناصر مكارم.
    6. الجواهر في تفسير القرآن: تأليف الشيخ طنطاوي جوهري.
    7. التفسير العلمي للآيات الكونية: تأليف الدكتور حنفي أحمد.
  2. هذه الخصائص أوضحها فرانك أللن أستاذ الطبيعة الحيوية بجامعة مانيتوبا بكندا، انظر: الله يتجلّى في عصر العلم: ۹.
  3. سورة الأنبياء، الآية ٣٠.
  4. سورة طه، الآية ۵٣ و ۵۴.
  5. سورة فصّلت، الآية ۵٣.
  6. سورة النحل، الآية ۶۶.
  7. سورة الغاشية، الآية ١٧.
  8. مقال لعالم الوراثة جون وليام كلوتس. انظر: الله يتجلّى في عصر العلم: ۴٨.
  9. مقال لعالم الوراثة جون وليام كلوتس. انظر: الله يتجلّى في عصر العلم: ۵٠.
  10. سورة طه، الآية ۵٠.
  11. سورة الروم، الآية ٢٤.
  12. مقال للأستاذ جون كليفلاند كورثران، انظر: الله يتجلّى في عصر العلم: ١٣٠.
  13. سورة النمل، الآية ۱۸.
  14. سورة النحل، الآية ۶٨ و ۶٩.
  15. سورة القيامة، الآية ٣ و ٤.
  16. انظر: السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية: ٥٤ - ٧١.