مسجد قباء

من إمامةبيديا
(بالتحويل من بناء مسجد قباء)

بناء المسجد

كان أوّل عمل رأى النبي (ص) أن يقوم به قبل أي عمل آخر، هو أن يبني محلاً للمسلمين ليتسنّى لهم أن يعبدوا الله فيه ويذكروه في أوقات الصلوات، مضافاً إلى أنّه كان هناك حاجة أكيدة لمركز يجتمع فيه أعضاء حزب الإسلام ـ حزب الله ـ كلّ أُسبوع في يوم معيّن، ويتشاوروا في مصالحهم وشؤونهم، بجانب أدائهم صلاة العيد فيه مرّتين كلّ عام. ولم يكن المسجد في عهد الرسول (ص) للعبادة فحسب، بل لتُلقى فيه العلوم والمعارف الإسلامية والتربوية، إضافة إلى الأمور القضائية والفصل بين الخصومات وإصدار الحكم على المجرمين، فكان بمنزلة المحكمة في هذا اليوم. كما استخدمه الشعراء في إلقاء قصائدهم أمام الرسول (ص) الذي اتّخذه قاعة لاِلقاء خطبه الحماسية والجهادية في تعبئة المسلمين ضدّ الكفار والمشركين. ممّا يبين أنّ النبي (ص) أراد بذلك أن يعلن للجميع أنّ دينه ليس مجرّد أمر معنوي لا يتصل بالأُمور الدنيوية، بل هو دين شامل كامل يهتم بالتقوى وشوَون المعيشة والاَوضاع الاجتماعية.

وقد استمرت أغلبية المساجد على هذا المنوال حتى مطلع القرن ٤ هـ حيث كانت تتحول في غير أوقات الصلاة إلى مراكز لتدريس العلوم المتنوعة، بل إنّها حتى بعدما فصلت المراكز العلمية عن المساجد فيما بعد، بقيت المدارس تبنى بجانب المساجد، الأمر الذي جسّد الصلة الوثيقة والارتباط الأقوى بين العلم والدين.

وفي بناء المسجد اشترك النبي (ص) بنفسه في عملية البناء، ينقل الحجارة واللبن، ويردّد وهو يعمل: «لاَ عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ اَلْآخِرَةِ، اَللَّهُمَّ اِرْحَمْ لِلْأَنْصَارِ وَ اَلْمُهَاجِرِينَ». وكان عمار بن ياسر ممّن عمل بشدّة وقوّة مع الرسول (ص) في البناء، إذ كان يحمل اللبن والأحجار بدل النبي (ص) وبدل الآخرين، حتى شكا إليه (ص) فعلهم وقال: يا رسول الله قتلوني يحملون عليّ ما لا يحملون. فقال له النبي (ص): «وَيْحَ ابْنِ سَمَّيْتَ لَيْسُوا بِالَّذِينَ يقتلونك، إِنَّما تقتلك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ».[١]

وبنى كذلك بجانب المسجد صُفَّة يسكن فيها الفقراء والمهاجرون المحرومون، وكلف عبادة بن الصامت بأن يعلّمهم الكتابة وقراءة القرآن.

ثمّ بعد ذلك بنيت منازله ومنازل أصحابه حول المسجد.

وفي هذه البيئة الجديدة، واجه النبي (ص) ثلاث مشكلات أو قضايا أساسية:

  1. قريش والوثنيين في شبه الجزيرة العربية.
  2. اليهود في المدينة أو خارجها، مع توافر الاموال لديهم.
  3. الاختلاف بين المهاجرين والاَنصار، وبين الانصار أنفسهم ـ الأوس والخزرج ـ، أي الجبهة الداخلية.

وقد تمكّن الرسول (ص) من التغلب على تلك المشكلات والقضايا بأساليب حكيمة وسياسية محنّكة. فبالنسبة إلى التناقضات بين فئات المجتمع، فقد عالجها بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، حينما جمعهم الرسول (ص) وقال لهم: «تآخوا فِي اللَّهِ أَخَوَيْنِ أَخَوَيْنِ». فأصبح هذا التآخي والوحدة بين الأطراف المتنازعة، طريقاً لحلّ المشكلات الأخرى. كما اختار عليّاً (ع) أخاً لنفسه وقال: «يَا عَلِيُّ أَنْتَ أَخِي فِي اَلدُّنْيَا وَاَلْآخِرَةِ».

أمّا مشكلة يهود يثرب، فإنّ النبي (ص) أدرك أنّه ما لم تصلح الأوضاع الداخلية في المدينة، ومالم يضم اليهود إلى جانبه، أي أن يقيم وحدة سياسية متوسعة، فإنّ شجرة الإسلام لن تتمكن من النمو، بالإضافة إلى أنّه لن يتمكن من معالجة القضية الأخرى وهي خطر قريش. ومن هنا رأى النبي (ص) أن يتقدّم بالتفاهم معهم بعقد معاهدة تعايش سلمي ودفاع مشترك بين الأنصار والمهاجرين، يوقّع عليها اليهود أيضاً.

وتعتبر هذه المعاهدة من أهمّ الأعمال، ومسنداً تاريخياً قوي الدلالة، تكشف عن مدى التزام الرسول (ص) بمبادئ الحرية والعدالة، كما تكشف عن حنكته السياسية حيث استفاد من هذه الوسيلة من أجل إيجاد جبهة متحدة قوية في وجه الحملات الخارجية، فهي في الواقع واحدة من أكبر الانتصارات السياسية التي أحرزتها الحكومة الإسلامية الناشئة في ذلك الوقت، بل هي أعظم معاهدة تاريخية على الإطلاق. وهي نموذج كامل لرعاية الإسلام وحرصه على مبدأ حرية الفكر والاعتقاد، وضرورة التعاون، وتوضيح حدود صلاحيات واختيارات القائد ومسؤولية الموقعين عليها. وقد احترم فيها النبي (ص) دين اليهود وثرواتهم في إطار شرائط معينة.

وبالإضافة إلى التعاهد مع يهود يثرب، فإنّ النبي (ص) عقد مع طوائف اليهود الأخرى: بني قريظة، بني النضير، وبني قينقاع، معاهدات مماثلة فيما بعد، كان من أهمّ بنودها: عدم الاعتداء على الرسول (ص) وأصحابه، فإن فعلوا فإنّ الرسول (ص) في حلّ من سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونسائهم والاستيلاء على أموالهم.

إلاّ أنّ اليهود تميّزوا بمجادلة النبي (ص) وطرح الأسئلة العويصة عليه بغية إحراجه وزعزعة إيمان المسلمين به (ص)، ولكن جميع تلك المخططات باءت بالفشل، وقلّ تأثيرها في صفوف المسلمين، بل إنّها ساعدت في الواقع على إقبال بعضهم على الإسلام، كما حدث لـ عبد الله بن سلام الذي كان من علماء اليهود وأحبارهم، أعلن إسلامه بعد سلسلة مناظرات ومجادلات مطوّلة، كما التحق بعده عالم آخر منهم هو «المخيريق».

ولم يكتف اليهود بذلك أنّهم استخدموا أُسلوب المؤامرات والدسائس مثل: «فَرِّق تسد» لإضعاف المسلمين، وذلك باستغلال رواسب الماضي بين الأوس والخزرج، وإثارة العداء بينهم، وإقامة العلاقات السرية مع مشركي الأوس والخزرج والمنافقين، واشتراكهم صراحة في اعتداءات قريش على المسلمين في الحروب التي دارت بين الطرفين، فقدموا كلّدعم ومساندة للوثنيين والعمل لصالحهم، كما اشتهروا بنقض العهود والمواثيق، الأمر الذي أدّى إلى وقوع مصادمات وحروب مستمرة بينهم وبين المسلمين، نتج عنه إنهاء الوجود اليهودي في المدينة.

وقد أقام النبي (ص) في المدينة، منذ ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة إلى شهر صفر من السنة الثانية. وأسلم في هذه الفترة من تبقّى من الأوس والخزرج، ولم يبق دار من دور الأنصار إلاّ أسلم أهلُها، ماعدا بعض الفروع والعوائل ممّن بقوا على شركهم، إلاّ أنّهم أسلموا بعد معركة بدر[٢].[٣]

المراجع والمصادر

  1. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية

الهوامش

  1. السيرة الحلبية: ٢/ ٧١؛ تاريخ الخميس: ١/ ٣٤٥.
  2. السيرة النبوية: ١/ ٥٠.
  3. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١١١-١١٥.