بهلول النباش في القرآن
القرآن العظيم و بهلول النباش
نزلت فيه الآية ١٣٥ من سورة آل عمران: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾[١]. وسببها هو في أحد الأيام دخل معاذ بن جبل على النبي (ص) وقال: يا رسول الله! إنّ بالباب شابّا طري الجسد نقيّ اللون حسن الصورة يبكي بكاء الثكلى يريد الدخول عليك، فقال النبي (ص): أدخله، فأدخله معاذ، فسلّم الشاب على النبي (ص)، فردّ (ع) وقال (ص): ما يبكيك؟ فقال بهلول: وكيف لا أبكي وقد ارتكبت ذنوبا إن أخذني الله عزوجل ببعضها أدخلني نار جهنم، ولا أراني إلّا سيأخذني بها، ولا يغفر لي أبدا، فقال النبي (ص): هل أشركت بالله شيئا؟ قال بهلول: أعوذ بالله أن أشرك بربّي شيئا، قال النبي (ص): أقتلت النفس التي حرّم الله؟ قال: لا، فقال النبي (ص): يغفر الله ذنوبك وإن كانت مثل الجبال الرواسي، قال بهلول: فإنّها أعظم من الجبال الرواسي، فقال النبي (ص): يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل الأرضين السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها من الخلق. قال بهلول: فإنّها أعظم من الأرضين وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها من الخلق. فقال النبي (ص): يغفر الله ذنوبك وإن كانت مثل السماوات ونجومها، ومثل العرش والكرسي. قال بهلول: فإنها أعظم من ذلك.
فنظر النبي (ص) إليه كهيئة الغضبان ثم قال: ويحك يا شاب! ذنوبك أعظم من ربك؟ فخرّ بهلول على وجهه وهو يقول: سبحان ربّي ما من شيء أعظم من ربّي، فقال النبي (ص): فهل يغفر الذنب العظيم إلّا الرب العظيم؟! ويحك! ألا تخبرني بذنب واحد من ذنوبك؟
قال بهلول: بلى! أخبرك، إنّي كنت أنبش القبور سبع سنين، أخرج الأموات وأنزع أكفانهم، فماتت جارية من بعض بنات الأنصار، فلما حملوها إلى قبرها ودفنوها وانصرف عنها أهلها وجنّ الليل أتيت قبرها فنبشته واستخرجتها، ونزعت ما كان عليها من أكفان وتركتها مجرّدة على شفير قبرها وانصرفت.
فأتاني الشيطان وقال لي: أما ترى بطنها وبياضها؟ أما ترى وركيها؟ فلم يزل يذكر مفاتنها حتى أغراني، فرجعت إليها ولم أملك نفسي حتى جامعتها، ثم تركتها في مكانها، فإذا أنا بصوت من خلفي يقول: يا شاب! الويل لك، كنت مستورة ففضحتني، وكنت طاهرة فنجّستني، فضحك الله في الملإ الأعلى كما فضحتني في الملإ الأسفل، وخصمك الديان يوم القيامة.
ثم استطرد بهلول قائلاً: يا نبي الله فما أظن أنّي أشم رائحة الجنة أبدا، فما ترى يا رسول الله؟
فقال النبي (ص): تنح عني يا فاسق، إنّي أخاف أن أحترق بنارك، فما أقربك من النار.
وبعد تلك المحاورة انصرف عن النبي (ص) يائسا، وقصد بعض جبال المدينة واستقرّ فيها بعد أن غلّ يديه إلى عنقه، وكان يقضي أوقاته بالبكاء والعويل وينادي: يا رب! هذا عبدك بهلول بين يديك، يعلن ندمه وتوبته واستغفاره.
ولم يزل يبكي ويتضرّع إلى الله سبحانه أربعين ليلة، فنزلت الآية المذكورة على النبي (ص) في حقّه، فتبسّم النبي (ص) وقال لأصحابه: من يدلّني على ذلك الشاب؟ فقال معاذ: بلغنا يا رسول الله أنّه في المكان الفلاني، فمضى النبي (ص) وبعض أصحابه حتى انتهوا إلى الجبل الذي يقيم فيه، وإذا به قائم بين صخرتين مغلولة يداه إلى عنقه، وقد اسود وجهه، وتساقطت أشفار عينيه من شدّة البكاء، وهو يردد عبارات التوبة والاستغفار، ويطلب المغفرة والعفو من ربّ العزة.
فدنا منه النبي (ص)، وأطلق يديه من عنقه، ونفض التراب عن رأسه، ثم قال (ص): يا بهلول! أبشر فإنّك عتيق الله من النار، وبشّره بالجنّة.
ومن الجدير بالذكر أن القصة المذكورة رويت على صور مختلفة مع اتفاقها في المضمون.[٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة آل عمران، الآية 135.
- ↑ عبد الحسين الشبستري، أعلام القرآن، ص ١٩٨.