سرية أبي عتيك
تمهيد
قال الطبرسي في «إعلام الورى»: وبعث رسول الله عبد الله بن عتيك إلى خيبر ليغتال أبا رافع سلام بن أبي الحقيق[١].
وقال ابن إسحاق: لمّا انقضى شأن الخندق وأمر بني قريظة، كان سلام بن أبي الحقيق ممّن حزّب الأحزاب على رسول الله.
فروى عن ابن شهاب الزهري، عن عبد الله بن كعب، عن أبيه كعب بن مالك الأنصاري قال: كان ممّا صنع الله لرسوله أن هذين الحيين من الأنصار الأوس والخزرج كانا يتسابقان في نصرة رسول الله، لا تصنع الأوس شيئاً لا تنتهي الخزرج حتى تفعل مثله، وتفعل الخزرج شيئاً فتفعل الأوس مثله.
وكانت الأوس - بعد بدر وقبل اُحد - قتلت كعب بن الأشرف لتحريضه على رسول الله... فاستأذنته الخزرج بعد الخندق في قتل ابن أبي الحقيق، وكان في العداوة لرسول الله كابن الأشرف، فأذن لهم في ذلك.
فانتدب لذلك منهم أربعة هم: الحارث بن ربعي، و عبد الله بن أنيس، و عبد الله بن عتيك، و مسعود بن سنان، وخامسهم الخزاعي بن الأسود الأسلمي حليفهم. وأمّر عليهم رسول الله منهم عبد الله بن عتيك. ونهاهم عن أن يقتلوا امرأة أو وليدا[٢].
وروى الواقدي بسنده عن عطية بن عبد الله بن أنيس، عن أبيه، قال: وقد كانت أم عبد الله بن عتيك بالرضاعة يهوديّة في خيبر[٣]. فكان عبد الله يرطن باليهوديّة، فقدّمناه لذلك[٤] وخرجنا من المدينة (في السحر ليلة الإثنين لأربع خلون من ذي الحجة) حتّى انتهينا إلى خيبر، فبعث عبد الله إلى امّه اليهودية بخيبر فأعلمها بمكانه خارج خيبر. فخرجت إلينا بجراب مملوء خبزا وتمرا كبيسا، فأكلنا منه. ثمّ قال لها عبد الله: يا امّاه، إنّا قد أمسينا[٥] فأدخلينا خيبر وبيّتينا عندك! فقالت له: ومن تريد فيها؟ قال: أبا رافع. قالت: فادخلوا في غمار الناس فادخلوا عليّ ليلا، فإذا هدأت الرجل فاكمنوا له. ففعلوا ودخلوا عليها ليلا، فلمّا هدأت الرجل قالت لهم: انطلقوا[٦].
وروى ابن إسحاق عن الزهري، عن عبد الله بن كعب، عن كعب بن مالك الأنصاري قال: فخرجوا حتّى أتوا دار ابن أبي الحقيق ليلا، فلم يدعوا بيتا في الدار إلّا أغلقوه على أهله، وكان هو في قصر عال يصعد إليه بعجلة[٧].
وفي رواية الواقدي قال عبد الله بن أنيس: فقدّمنا عبد الله بن عتيك وصعدنا واستفتحنا عليه، فجاءت امرأته فقالت: ما شأنك؟ فرطن ابن عتيك باليهوديّة وقال: جئت أبا رافع بهديّة، ففتحت له، فازدحمنا على الباب أيّنا يبادر إليه، فلمّا رأت السلاح أرادت أن تصيح فأشرت إليها بالسيف، فسكتت، فقلت لها: أين أبو رافع؟ وإلّا ضربتك بالسيف! فقالت: هو ذاك في البيت.
فدخلنا عليه، فما عرفناه إلّا ببياضه كأنّه قُبِطيّة[٨] مُلقاة، فعلوناه بأسيافنا، فصاحت امرأته، فهمّ بعضنا أن يخرج إليها ثمّ ذكرنا أنّ رسول الله نهانا عن قتل النساء. وكان سقف البيت منخفضا فكانت سيوفنا ترتدّ إلينا، فاتّكأت بسيفي على بطنه حتّى سمعت صوت نفوذه في الفراش، فعرفت أنّه قتل، وأصابه من معي أيضاً، ولمّا تصايحت امرأته تصايح أهل الدار ولكنّهم لم يفتحوا أبوابهم طويلا حتّى نزلنا واختبأنا في منهر خيبر[٩] ثمّ خرجت اليهود ومعهم كبيرهم الحارث أبو زينب في أيديهم النيران في شعل السعف يطلبوننا، ونحن في بطن المنهر وهم على ظهره فلا يروننا. ولمّا أوعبوا في الطلب فلم يروا شيئا رجعوا إلى امرأته.
وقال قومنا فيما بينهم: لو أنّ بعضنا أتاهم فنظر هل مات الرجل أم لا؟ وكان أبو قتادة الأسود بن خزاعي[١٠] قد نسي قوسه وذكرها بعد ما نزلنا... فخرج الأسود وتشبّه بهم فجعل في يده شعلة كشعلهم حتّى دخل مع القوم... وكرّ القوم ثانية إلى القصر فكرّ معهم فوجد الدار قد امتلأت، وأقبلوا ينظرون إلى أبي رافع، وأقبلت امرأته ومعها شعلة من نار وأحنت عليه تنظر أحيّ هو أم ميّت؟ فقالت: لقد فاضت نفسه وإله موسى! وإذا الرجل لا يتحرّك منه عرق. وأخذوا في جهازه يدفنونه.
قال الأسود: فخرجت معهم فانحدرت على أصحابي في المنهر فأخبرتهم.
ومكثنا في مكاننا يومين حتّى سكن عنّا الطلب، ثمّ خرجنا مقبلين إلى المدينة.
فقدمنا على النبي(ص) وهو على المنبر، فلمّا رآنا قال: أفلحت الوجوه! فقلنا: أفلح وجهك يا رسول الله! قال: أقتلتموه؟ قلنا: نعم، وكلّنا يدّعي قتله! فقال: عليّ بأسيافكم، فأتيناه بأسيافنا، فقال - مشيرا إلى سيف بن أنيس -: هذا قتله، هذا أثر الطعام في السيف[١١].[١٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ إعلام الورى ١: ١٩٦.
- ↑ سيرة ابن هشام ٣: ٢٨٦، ٢٨٧.
- ↑ مغازي الواقدي ١: ٣٩١.
- ↑ مغازي الواقدي ١: ٣٩٢.
- ↑ من هنا يعلم أنّ المسير من المدينة إلى خيبر استغرق بياض النهار.
- ↑ مغازي الواقدي ١: ٣٩١ و٣٩٢.
- ↑ سيرة ابن هشام ٣: ٢٨٧. والعجلة: جذع النخلة يصعد عليها إلى الغرف العالية في الدار - لسان العرب ١٣: ٤٥٦ ـ.
- ↑ القبطية - بالكسر والضمّ -: ثياب بيضاء مصريّة منسوبة إلى أقباطها.
- ↑ المنهر النافذ من خارج الحصن إلى داخله يجري منه الماء في وقته - لسان العرب ٧: ٩٥ ـ.
- ↑ كذا في الواقدي، وقد مرّ عن ابن إسحاق: خزاعي بن الأسود الأسلمي.
- ↑ مغازي الواقدي ١: ٣٩١-٣٩٤. وفيه بسنده عن ابن عباس انه لما قتل أبو رافع أمرت اليهود اسير بن رزام وكان رجلا شجاعا فأرسل إليه رسول الله سرية اخرى فقتلوه في شوّال سنة ست، كما سيأتي فأمّروا بعده كنانة بن ابي الحقيق أخا سلام المقتول هذا، فكانت معه غزوة خيبر. (٢: ٥٦٦)
- ↑ محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٥٤٠.