سليمان في نهج البلاغة

تمهيد

سليمان (ع)

قال أمير المؤمنين (ع)[١]:

«فلو أن أحدًا يجدُ إلى البقاء سلَّمًا أو لدفعِ الموتِ سبيلًا، لكان ذلك سليمان بن داوود (ع) الذي سخِّر له مُلْكُ الجنِّ والإنس، مع النبوة وعظيمِ الزلفة، فلما استوفى طعمته واستكملَ مدته، رمته قسيُّ الفناء بنبالِ الموت، وأصبحت الديار منه خالية، والمساكن معطلة، وورثها قوم آخرون، وإن لك في القرونِ السالفةِ لعبرة».

ذكر القرآن الكريم ما يتعلق بشأن ملك سليمان (ع)، كما يمكن الرجوع في ذلك إلى ج ١٤ من البحار، وما يعنينا هنا عدة أمور:

  1. إن سليمان (ع) وهو نبي الله، مظهر أعظم لسلطانِ الله الأعظم وغناه وقدرته، واجتماع هذه الأمور فيه لا يعني جانب تفضيله على بقية الأنبياء كنبينا محمد ((ص))، بل يعني خصوصية لنبي الله سليمان (ع) وفرق بن الأفضلية والخصوصية، وفي جانب آخر يجب أن لا يتسرب لأذهاننا أن ما نراه من غنى الكافرين هو بسبب كرامتهم على الله تعالى، بل إن الرزق يشمل الجميع وللسعي مجال في ذلك، وقد يحرم المسلم ويعطى الكافر للابتلاء أو لحكمة يريدها الله تعالى.
  2. إن هذا السلطان وهذه الدنيا التي أعطيت لسليمان (ع) لم تنقص من قدره شيئًا، فهو النبي الزاهد المقرَّب من الله تعالى.
  3. إن هذه القدرة وهذا السلطان لسليمان (ع) لا يحيط به عقل بشر ولا يمكن أن يتصور لبشر لولا أن الله تعالى خالق البشر هو الذي مكَّنه، فهو يسخِّرالجن والشياطين والإنس والرياح ويخاطب الحيوانات وما بقي أحد إلا وهو تحت قبضته، ولكن كل ذلك كان تمكينًا من الخالق سبحانه وتعالى، ولذلك عندما تتدخل القدرة الإلهية لتعطيل قدرة سليمان (ع) أو هدمها ينقطع كل شيء لأنها قوة ومدد من الله تعالى وليست ذاتية، «فلما استوفى طعمته، واستكمل مدته، رمته قسيُّ الفناء بنبال الموت».
نعم، هذا السلطان الذي يعجز عن تصوره فقط كل متصور مهما بلغ من قوة الخيال، يسميه أمیر المؤمنین (ع) «طعمة» أي أنه قوت قليل حقیر، وكما جاء في «البحار» أنه لم يهنأ بيوم راحة ونعيم أبدًا، وفي يومٍ ما أراد أن يخلو كما يريد، فأمر غلمانه وحشمه بتغليق أبواب قصره وأن لا يدخل عليه أحد، وإذا بداخل يدخل عليه! فقال له سليمان: من الذي أدخلك؟ قال: أدخلني رب القصر! قال: ومن رب القصر؟ قال: الذي وكَّلني بقبض روحك! وانتهى كل شيء.. وإذا بهذا الذي تخافه الجن والشياطين والطیر والإنس ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ[٢] أي تأكل عصاه حتى نخرتها ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ[٣] بموتِه ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ[٤]، أي ما بقوا مملوكین يخافونه حتى بعد موته وهم لا يعلمون أنه ترك هذه الدنيا.[٥]

﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ[٦]

قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ[٧]، فهذا الذي عنده علم «من» الكتاب وهو آصف بن برخيا وزير سليمان (ع) استطاع أن يأتي بعرش بلقيس لسليمان (ع) قبل أن يرتد إليه طرفه، وهذه معجزة خارقة أتى بها آصف بن برخيا وعنده علم «من» الكتاب فقط أي عنده شيء من علم الكتاب، وتذكر الروايات أنه عنده حرف واحد من الاسم الأعظم، وأما أمیر المؤمنین (ع) فعنده اثنان وسبعون جزءً من الاسم الأعظم وهو الذي عنده «عِلْمُ الكِتَابِ»[٨] فكيف لا تصح منه وتثبت له كل معجزة خارقة؟

وكيف لا يكون أمیر المؤمنین وأئمة الهدى (ع) هم أصحاب الولاية والإمامة العامة التامَّة المطلقة؟ وكيف لا يكونون أعلى مراتب وأسمى وأكثر عطاءً وإعجازًا من جميع الأنبياء باستثناء النبي الأعظم محمد (ص)؟[٩]

أمير المؤمنين (ع) سيد الزاهدين

تقول الروايات إن سليمان (ع) كان يطعم أضيافه الطعام الجيد من خبز البر واللحم وغیره، أما هو مع عظيم ملكه فقد كان يأكل خبز الشعير غیر منخول، وهذا ما كان عليه سيد الزاهدين علي بن أبي طالب (ع) بل أكثر من ذلك، فقد كان يكسر خبزه اليابس بركبته ويشرب ماء ويمسح بطنه ويحمد الله تعالى، وهذا نهاية ما يتصور من الإعراض عن الدنيا.[١٠]

طريفة وموعظة

يروى أن سليمان (ع) سمع عصفورًا يخاطب عصفورته قائلاً لها: لماذا تمتنعين مني ولو شئتُ لأخذت قبة سليمان ورميتها في البحر؟! فتبسم سليمان من قوله والتفت إليه قائلاً: أوَ تطيق أن تفعل ذلك؟ قال: لا يا رسول الله، ولكن المرء قد يزين نفسه ويعظمها عند زوجته، فالتفت سليمان (ع) للعصفورة وقال لها: لماذا تمنعین نفسك منه وهو يحبك؟ فقالت العصفورة: إنه لا يحبني، وإنه لمدعي في حبي، ولو كان يحبني لما أحب أحدًا معي، تقول الرواية فأثَّر ذلك في قلب سليمان أثرًا بليغًا وبكى بكاءً شديدًا واعتكف عن الناس أربعین يومًا داعيًا سائلًا الله تعالى أن يفرغ قلبه لحبه[١١].[١٢]

المراجع والمصادر

  1.   محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة

الهوامش

  1. نهج البلاغة، الخطبة ١٨٢.
  2. سورة سبأ، الآية ١٤.
  3. سورة سبأ، الآية ١٤.
  4. سورة سبأ، الآية ١٤.
  5. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٨٩-١٩١.
  6. سورة الرعد، الآية ٤٣.
  7. سورة النمل، الآية ٤٠.
  8. الكافي ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠.
  9. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٩١.
  10. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٩٢.
  11. الكُنَى والألقاب ١/ ٣٥٧.
  12. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٩٢.