سورة القارعة
التمهيد[١]
سورة القارعة سورة مكية، آياتها إحدى عشرة آية، نزلت بعد سورة قريش.
القارعة اسم من أسماء القيامة، كالحاقّة والصّاخّة والطّامّة والغاشية، وسمّيت قارعة لأنها تقرع القلوب بأهوالها. والسورة كلها عن هذه القارعة، حقيقتها، وما يقع فيها، وما تنتهي إليه، فهي تعرض مشهدا من مشاهد القيامة. والمشهد المفروض هنا مشهد هول، تتناول آثاره الناس والجبال، فيبدو الناس في ظله صغارا ضئالا على كثرتهم، فهم كالفراش المبثوث، مستطارون مستخفّون في حيرة الفراش، الذي يتهافت على الهلاك، وهو لا يملك لنفسه وجهة، ولا يعرف له هدفا. وتبدو الجبال التي كانت ثابتة راسخة، كالصوف المنفوش، تتقاذفه الرياح، وتعبث به حتى الأنسام.
عندئذ يرجح وزن المؤمن وتثقل درجته، فيعيش عيشة راضية، ويخفّ ميزان الكافر، وتهوي منزلته، فيصطلي بنار حامية.
معاني المفردات
- ﴿الْقَارِعَةُ﴾[٢]: يوم القيامة.
- ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾[٣]: استفهام عن حقيقتها قصد به تهويل أمرها.
- ﴿كَالْفَرَاشِ﴾[٤]: الحشرات الصغيرة التي تندفع على غير هدى نحو الضوء.
- ﴿الْمَبْثُوثِ﴾[٥]: المنتشر المتفرق، وهو مثل في الحيرة والجهل بالعاقبة.
- ﴿كَالْعِهْنِ﴾[٦]: الصوف.
- ﴿الْمَنْفُوشِ﴾[٧]: الذي نفشته بيدك أو بالة اخرى، ففرقت شعراته بعضها عن بعض.
- ﴿ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾[٨]: بكثرة الحسنات.
- ﴿خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾[٩]: بقلة الحسنات وكثرة السيئات.
- ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾[١٠]: أي مرجعه الذي يأوي إليه هاوية، أي مهواة سحيقة يهوي فيها.
مع آيات السورة
[الآيات ١- ٣]: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾[١١]
﴿الْقَارِعَةُ﴾[١٢]: أي القيامة بدأ بها قرعا للأذهان بهولها.
﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾[١٣]، استفهام عن حقيقتها، قصد به تهويل أمرها، كأنها، لشدة ما يكون فيها، ممّا تفزع له النفوس وتدهش له العقول، يصعب تصوّرها.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾[١٤]: أي شيء يعرفك بها؟ زيادة في تعظيم تلك الحادثة العظيمة، كأن لا شيء يحيط بها، ويفيدك برسمها، ثم أخذ يعرفها بزمانها وما يكون للناس فيه.
[الآية ٤]: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾[١٥] أي يكون الناس من حيرتهم وذهولهم كالفراش الهائم على وجهه، المنتشر في الفضاء لا يدري ماذا يصنع، قال تعالى في آية أخرى: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾[١٦].
[الآية ٥]: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾[١٧] أي تصبح في صور الصوف المنفوش، فلا تلبث أن تذهب وتتطاير، وفي سورة النبأ قال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾[١٨].
[الآيتان ٦- ٧]: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾[١٩]، أي من ثقلت موازينه برجحان كفّة حسناته على سيئاته، فهو في الجنة. ويقال ثقل ميزان فلان إذا كان له قدر ومنزلة رفيعة، كأنه إذا وضع في ميزان كان له رجحان. وإنما يكون المقدار والقيامة لأهل الأعمال الصالحة، والفضائل الراجحة، فهؤلاء يجزون النعيم الدائم والعيشة الراضية.
[الآيتان ٨- ٩]: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾[٢٠] يقال خفّ ميزان فلان، أي سقطت قيمته، فكأنّه ليس بشيء، حتى لو وضع في كفّة ميزان لم يرجح بها على أختها ومن كان في الدنيا كثير الشر قليل فعل الخير، يجترئ على المعاصي، ويفسد في الأرض، فإنه لا يكون شيئا في الآخرة، ولا ترجح له كفّة ميزان لو وضع فيها.
ويرى بعض المفسرين أن الذي يوزن هو الصحف، التي تكتب فيها الحسنات والسيئات. وأن الحسنات تمثّل وتقابل بالنور والخير، وأنّ السيّئات تمثّل وتقابل بالظلام والشر.
وأن من كثر خيره كان ناجيا، ومن كثر شرّه كان هالكا.
وهذا الميزان نؤمن به ونفوض حقيقة المراد منه إلى الله تعالى، فلا نسأل كيف يزن؟ ولا كيف يقدّر؟ فهو أعلم بغيبه ونحن لا نعلم.
قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾[٢١].
﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾[٢٢]: مرجعه الذي يأوي اليه كما يأوي الولد إلى أمه، أي فمسكنه ومأواه النار.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾[٢٣] أي ما الذي يخبرك بما هي تلك الهاوية، وأي شيء تكون؟
﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾[٢٤] هي نار ملتهبة بلغت النهاية في الحرارة، يهوي فيها ليلقى جزاء ما قدم من عمل.
مقاصد السورة
- وصف أهوال يوم القيامة ومشاهده.
- وزن الأعمال، ورجحان كفة المؤمن، وخفة كفة الفاجر.
- السعداء يدخلون الجنّة، والأشقياء يذهبون إلى النار.
ترابط الآيات في السورة[٢٥]
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة القارعة بعد سورة قريش، ونزلت سورة قريش بعد سورة التين، ونزلت سورة التين فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة القارعة في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ﴾[٢٦] وتبلغ آياتها إحدى عشرة آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة إثبات وزن الأعمال يوم القيامة، فهي في سياق الترغيب والترهيب كسورة العاديات، ولهذا ذكرت بعدها.
وزن الأعمال يوم القيامة الآيات [١- ١١]
قال الله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ﴾[٢٧]، الآيات...، فذكر أن القارعة هي القارعة: لأنها تفوق كل القوارع في الهول والشدة، وأنها تكون يوم ينتشر الناس بعد البعث من القبور، فيجمعون لوزن أعمالهم، ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾[٢٨].[٢٩]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انتقي هذا الفصل من كتاب «أهداف كلّ سورة ومقاصدها»، لعبد الله محمود شحاته، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٧٩- ١٩٨٤.
- ↑ سورة القارعة، الآية ١.
- ↑ سورة القارعة، الآية ٣.
- ↑ سورة القارعة، الآية ٤.
- ↑ سورة القارعة، الآية ٤.
- ↑ سورة القارعة، الآية ٥.
- ↑ سورة القارعة، الآية ٥.
- ↑ سورة القارعة، الآية ٦.
- ↑ سورة القارعة، الآية ٨.
- ↑ سورة القارعة، الآية ٩.
- ↑ سورة القارعة، الآية ١-٣.
- ↑ سورة القارعة، الآية ١.
- ↑ سورة القارعة، الآية ٢.
- ↑ سورة القارعة، الآية ٣.
- ↑ سورة القارعة، الآية ٤.
- ↑ سورة القمر، الآية ٧.
- ↑ سورة القارعة، الآية ٥.
- ↑ سورة النبأ، الآية ٢٠.
- ↑ سورة القارعة، الآية ٦-٧.
- ↑ سورة القارعة، الآية ٨-٩.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٤٧.
- ↑ سورة القارعة، الآية ٩.
- ↑ سورة القارعة، الآية ١٠.
- ↑ سورة القارعة، الآية ١١.
- ↑ انتقي هذا المبحث من كتاب «النظم الفنّي في القرآن»، للشيخ عبد المتعال الصعيدي، مكتبة الآداب بالجمايز- المطبعة النموذجية بالحكمية الجديدة، القاهرة، غير مؤرّخ.
- ↑ سورة القارعة، الآية ١-٢.
- ↑ سورة القارعة، الآية ١-٢.
- ↑ سورة القارعة، الآية ٦-١١.
- ↑ السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، ١٢: ١٢٣ - ١٢٩.