عمر بن عبد العزيز
نبذة
«عمر بن عبد العزيز»[١] ابن «مروان بن الحكم القرشي»، الأموي، «أبو حفص المدني» ثم الدمشقي.
وُلد سنة إحدى وقيل: ثلاث وستين.
حدّث عن: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، و سهل بن سعد، و ابن المسيب، وطائفة.
حدّث عنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن وهو من شيوخه، و أبو بكر بن حزم، و الزهري، و رجاء بن حيوة، وآخرون.
وكان له فقه وعلم وروى حديثاً كثيراً، وله رسالة إلى بعض الذين نُسب إليهم إنكار علم الله الأزلي في أفعال العباد ومصائرهم، وجاء في هذه الرسالة:
إلى النفر الذين كتبوا إليّ بما لم يكن لهم بحق في رَدّ كتاب الله، وتكذيبهم بأقداره النافذة في علمه السابق... وانّكم ذكرتم أنّه بلغكم أنّي أقول: إنّ الله قد علم ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون، فأنكرتم ذلك علي، وقلتم إنّه ليس يكون ذلك من الله في علم حتى يكون ذلك من الخلق عملاً، فكيف ذلك كما قلتم؟ والله تعالى يقول: ﴿إِنّٰا كٰاشِفُوا اَلْعَذٰابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عٰائِدُونَ﴾[٢] يعني: عائدين في الكفر، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾[٣]. فزعمتم بجهلكم في قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾[٤] إنّ المشيئة في أي ذلك أحببتم فعلتم من ضلالة أو هدى والله تعالى يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[٥] فبمشيئة الله لهم شاءوا ولو لم يشأ لم ينالوا بمشيئتهم من طاعته شيئاً قولاً ولا عملاً. لأنّ الله تعالى لم يملك العباد ما بيده، ولم يفوض إليهم ما يمنعه من رسله، فقد حرصت الرسل على هدى الناس جميعاً، فما اهتدى منهم إلاّ من هدى الله، ولقد حرص إبليس على ضلالتهم جميعاً فما ضل منهم إلاّ من كان في علم الله ضالاً... [٦]
وكان عمر بن عبد العزيز قد ولي الخلافة بعهد من سليمان بن عبد الملك فبويع في مسجد دمشق، وسكن الناس في أيامه، فمنع سبَّ الإمام علي(ع) وكان مَن تقدّمه من الأمويين يسبّونه على المنابر.
قال عمر بن عبد العزيز: كنت أحضر تحت منبر المدينة، وأبي يخطب يوم الجمعة، وهو حينئذ أمير المدينة، فكنت أسمع أبي يمر في خطبه تهدر شقاشقه، حتى يأتي إلى لعن علي(ع) فيجمجم، ويعرض له من الفهاهة والحَصَـر ما الله عالم به، فكنت أعجب من ذلك، فقلت له يوماً: يا أبت أنت أفصح الناس وأخطبهم، فما بالي أراك أفصحَ خطيب يوم حَفلك، حتى إذا مررت بلعن هذا الرجل، صرت ألكن عييا! فقال: يا بني انّ من ترى تحت منبرنا من أهل الشام وغيرهم، لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك لم يتبعنا منهم أحد، فوقرت كلمته في صدري مع ما كان قاله لي معلمي أيام صِغَري[٧] فأعطيت الله عهداً لئن كان لي في هذا الأمر نصيب لا َُغيّرنّه[٨]
عن عبد الله بن شوذب، قال: حجّ سليمان ومعه عمر بن عبد العزيز فخرج سليمان إلى الطائف، فأصابه رعد وبرق ففزع سليمان فقال لعمر: ألا ترى ما هذا يا أبا حفص؟ قال: هذا عند نزول رحمته، فكيف لو كان عند نزول نقمته.
وعن جعونة، قال: استعمل عمر عاملاً، فبلغه أنّه عمل للحجّاج فعزله، فأتاه يعتذر إليه، فقال: لم أعمل له إلاّ قليلاً. فقال: حسبك من صحبة شر يوم أو بعض يوم.
قال أيوب: كتب عمر بن عبد العزيز: لا يؤخذ من الأرباح صدقة إذا كان أصل المال قد زُكّي حتى يحول عليه الحول[٩]
توفي عمر بدير سمعان من أرض المعرة في سنة إحدى ومائة، وقيل: سقاه بنو أُميّة السم لما شدّد عليهم وانتزع كثيراً مما في أيديهم.
وقد نقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» ستاً وثلاثين فتوى.[١٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ الطبقات الكبرى لابن سعد ٥: ٣٣٠، المحبر ص٢٧، التاريخ الكبير ٦: ١٧٤، المعرفة والتاريخ ١: ٥٦٨، الجرح والتعديل ٦: ١٢٢، مشاهير علماء الأمصار ص ٢٨٣ برقم ١٤١١، الثقات لابن حبّان ٦: ٨٥، الأغاني ٩: ٢٥٤، حلية الأولياء ٥: ٢٥٣، جمهرة أنساب العرب ص١٠٥،أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين ٢٢٦ برقم ٣٧٣، الخلاف للطوسي ١: ٢٦٤ (طبع جماعة المدرسين)، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٦٤، المنتظم ٧: ٦٩، صفة الصفوة ٢: ١١٣، تهذيب الأسماء واللغات ٢: ١٧، الكامل في التاريخ ٥: ٥٨، تهذيب الكمال ٢١: ٤٣٢، تذكرة الحفاظ ١: ١١٨، العبر ١: ٩١، سير أعلام النبلاء ٥: ١١٤، تاريخ الإسلام للذهبي (سنة ١٠١) ص ١٨٧، الوافي بالوفيات ٢٢: ٥٠٦، فوات الوفيات٣: ١٣٣، مرآة الجنان ١: ٢٠٨، البداية والنهاية ٩: ٢٠٠، طبقات المعتزلة ص ١٢٠، النجوم الزاهرة ١: ٢٤٥، تهذيب التهذيب ٧: ٤٧٥، تقريب التهذيب ٢: ٥٩، شذرات الذهب ١: ١١٩، تنقيح المقال ٢: ٣٤٥، معجم رجال الحديث ١٣: ٤٢.
- ↑ سورة الدخان، الآية ١٥.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٢٨.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٢٩.
- ↑ سورة التكوير، الآية ٢٩.
- ↑ قال العلاّمة السبحاني بعد إيراد نص الرسالة في كتابه بحوث في الملل والنحل: ١: ٢٧: ونحن نتبرأ ممّن ينكر علمه الوسيع المحيط بكل شيء ونؤمن بما قاله سبحانه: (ولا رطب ولا يابس إلاّ في كتاب مبين) (الأنعام: ٥٩) وقوله سبحانه: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلاّ في كتاب من قبل أن نبرأها انّ ذلك على الله يسير) (الحديد: ٢٢). ولكن نتبرأ [أيضاً] ممن جعل علمه السابق ذريعة إلى نسبة الجبر إلى الله سبحانه، ونؤمن بأنّ علمه السابق المحيط لا يكون مصدراً لكون العباد مجبورين في مصائرهم وانّهم يعملون ويفعلون ويختارون بمشيئتهم التي منحها الله لهم في حياتهم، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة، فمنكر علمه السابق المحيط بكل شيء ضال مضل، ومَن استنتج منه الجبر مثله في الضلالة والغواية.
- ↑ تجد الحكاية في ترجمة عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.
- ↑ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٤: ٥٨.
- ↑ المصنّف، لعبد الرزاق الصنعاني: ٤: ٨٠ برقم ٧٠٤٣.
- ↑ جعفر السبحاني، موسوعة طبقات الفقهاء، ج ١، ص ٤٧٢.