غزوة ذات السلاسل في التاريخ الإسلامي

من إمامةبيديا

تمهيد

روى الشيخ المفيد عن أصحاب السير: أنّه كان النبي(ص) جالساً ذات يوم إذ جاءه أعرابي فجثا بين يديه ثمّ قال: إنّي جئتك لأنصحك! قال: وما نصيحتك؟ قال: قوم من العرب قد عملوا على أن يبيّتوك بالمدينة [١] فقد اجتمع بنو سليم بوادي الرمل عند الحرة على أن يبيّتوك[٢].

فأمر أمير المؤمنين(ع) أن ينادي بالصلاة جامعة، فاجتمع المسلمون، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس، إنّ هذا عدوّ الله وعدوّكم قد اقبل إليكم يزعم انّه يبيّتكم في المدينة، فمن للوادي؟ [وادي الرمل].

فقام رجل من المهاجرين (؟) فقال: أنا له يا رسول الله. فناوله اللواء، وضمّ إليه سبعمائة رجل وقال له: امض على اسم الله. فمضى. فوافى القوم ضحوة فقالوا له: من الرجل؟ قال: أنا رسول لرسول الله، فإمّا أن تقولوا: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، أو لأضربنّكم بالسيف! فقالوا له: ارجع إلى صاحبك فإنّا في جمع لا تقوم له. فرجع الرجل وأخبر رسول الله بذلك!

فقام النبي وقال: من للوادي؟ فقام رجل آخر من المهاجرين (؟) فقال: أنا له يا رسول الله؟ فدفع إليه الراية ومضى. ثمّ عاد بمثل ما عاد به صاحبه الأول.

فقال رسول الله: أين عليّ بن أبي طالب؟ فقام أمير المؤمنين(ع) فقال: أنا ذا يا رسول الله. قال: امض إلى الوادي. قال: نعم.

ثمّ مضى إلى منزله، وكانت له عصابة لا يتعصّب بها إلّا إذا بعثه النبي في وجه شديد، فأخذ يلتمسها، فقالت له فاطمة: أين بعثك أبي؟ قال: إلى وادي الرمل، فبكت إشفاقا عليه، وفي تلك الحال دخل النبي(ص) فقال لها: ما لك تبكين؟ أتخافين أن يقتل بعلك؟ كلّا إن شاء الله. فقال له عليّ(ع): لا تنفس [٣] عليّ بالجنّة يا رسول الله.

ثمّ خرج، ومعه لواء النبي(ص)، فمضى حتّى وافى القوم بسحر، فأقام حتّى أصبح، فصلّى بأصحابه الغداة، ثمّ صفّهم، ثمّ أقبل على العدو واتّكأ على سيفه وقال لهم: يا هؤلاء، أنا رسول رسول الله إليكم: أن تقولوا لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا عبده ورسوله، وإلّا ضربتكم بالسيف! فقالوا له: ارجع كما رجع صاحباك! قال: أنا أرجع؟! لا والله حتّى تسلموا، أو أضربكم بسيفي هذا، وأنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب. فلمّا عرفه القوم اضطربوا، وثمّ اجترؤوا على مواقعته، فقتل منهم ستة أو سبعة ثمّ انهزموا، فحاز المسلمون غنائمهم وانصرفوا إلى النبي(ص).

فروى عن أمّ سلمة قالت: كان نبيّ الله(ع) قائلاً في بيتي إذ انتبه فزعاً من منامه، فقلت له: الله جارك. قال: صدقت، الله جاري. لكن هذا جبرئيل(ع) يخبرني أنّ عليّاً قادم. ثمّ خرج إلى الناس فأمرهم أن يستقبلوا عليّاً(ع)، فقام المسلمون له صفّين مع رسول الله(ص).

فلمّا بصر بالنبيّ(ص) ترجّل عن فرسه وأهوى إلى قدميه يقبّلهما، فقال له(ع): اركب فإنّ الله ورسوله عنك راضيان. فبكى أمير المؤمنين(ع) فرحا. وانصرف إلى منزله. فقال النبي(ص) لبعض من كان معه في الجيش: كيف رأيتم أميركم؟ قالوا: لم ننكر منه شيئا إلّا أنّه لم يؤم بنا في صلاة إلّا قرأ بنا فيها ب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ[٤]. فقال النبي: سأسأله عن ذلك.

فلمّا جاءه قال له: لم لم تقرأ بهم في فرائضك إلّا بسورة الإخلاص؟ فقال: يا رسول الله، أحببتها. فقال له النبي(ع): فإنّ الله قد أحبّك كما أحببتها. ثمّ قال له: يا عليّ لو لا أنّني اشفق أن تقول فيك طوائف ما قالت النصارى في عيسى بن مريم، لقلت فيك اليوم مقالا لا تمرّ بملإ منهم إلّا أخذوا التراب من تحت قدميك![٥].[٦]

المراجع والمصادر

  1. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي ج٢

الهوامش

  1. الإرشاد ١: ١١٤.
  2. المناقب ١: ٢٠٢.
  3. أي: لا تبخل.
  4. سورة الإخلاص، الآية ١.
  5. الارشاد ١: ١١٦-١١٧ ثمّ قال: ذكر كثير من أصحاب السيرة: أنّ في هذه الغزاة نزل على النبيّ(ص): ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً إلى آخرها. كما في تفسير القمي ٢: ٤٣٤. ومجمع البيان ٢: ٨٠٢ و٨٠٣ عن الصادق(ع). ورواه الحلبي في المناقب ٣: ١٤٠ بإسناد أبي الفتح الحفّار وأبي القاسم الوكيل. هذا، وقد اشتهر أن سورة العاديات مكية وقد سبق في تفسيرها ما يناسب مكيّتها. ونقل عن مقاتل والزجاج ووكيع والثوري والسدّي وأبي صالح عن ابن عبّاس: أنّه(ص) أنفذ أبا بكر في سبعمائة رجل فهزموهم وقتلوا من المسلمين جمعا كثيرا، ورجع عمر منهزما أيضاً، فقال عمرو بن العاص: ابعثني يا رسول الله فبعثه فرجع منهزما، وفي رواية: أنه أنفذ خالدا فعاد كذلك. وهذا يعني أنّ ذلك لم يكن في سنة ست بل بعد سنة ثمان. هذا، وقد أشار إليه من قبل في حوادث السنة السادسة ١: ٢٠٢.
  6. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٥٧٤.