قيس بن سعد بن عبادة
معاوية يكاتب قيس بن سعد بن عبادة
أخبار قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي مع معاوية كثيرة، وكان قيس وقتها عاملاً لأمير المؤمنين علي على مصر، فكتب إليه معاوية: أما بعد، فإنّك يهوديّ ابن يهوديّ، إن ظفرَ أحبّ الفريقين إليك عزلكَ واستبدلَ بك، وإن ظَفَر أبغضُهما إليك نكّل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوتر قوسه ورمى غرضَه، فأكثر الحزّ وأخطأ المِفصَل، فخذله قومُه، وأدركه يومُه، ثمّ مات بحوران طريداً.
فكتب إليه قيس بن سعد: فإنّما أنت وثن ابن وثن، دخلتَ في الإسلام كرهاً، وخرجت منه طوعاً، لم يقدُم إيمانك، ولم يَحدُث نفاقك، وقد كان أبي أوترَ قوسَه، ورمى غَرضَه، فشغَب به من لم يبلغ عقبه، ولا شقّ غُباره، ونحنُ أنصارُ الدين الذي خرجتَ منه، وأعداء الدين الذي فيه دخلت[١].
واحدة بواحدة، ولا سواء! فمعاوية يكاتب ابن سيّد الخزرج من أنصار دين الله ورسوله(ص) فيقول له: إنك يهودي ابن يهودي! وعلى نفس النَّسَق يُجيبه الأنصاري: أنت وثَن ابن وثَن؛ فلو صدق معاوية وأنّى له الصدق؟! فأن يكون المرء يهوديّاً خيرٌ له من أن يكون وثنياً! فالأوّل لو أحسن النيّة والتزم التوراة التي لم تُحرّف فهو صاحب كتاب يعبد الله تعالى بما وصله من شريعة موسى(ع)؛ وأما أن يعكف على حجارةٍ يقدسها ويتخذها إلهاً ينتصر لها، أو يصنع إلهاً من تمرٍ فإذا جاع أكله، ثمّ يرى آلهته تتهاوى يوم الفتح المبين وتكسّر بفؤوس المسلمين فلا تنتصر لنفسها، ويرى مَن نُسب إليه: أبو سفيان الذي قاد جيوش الشرك في حروبها مع المسلمين، يشفع له العباس بن عبد المطلب لدى النبي(ص)، فيقبل شفاعته فيه ولكن يأمره أن يحبسه بمضيقٍ حتى تمرّ به عشرة آلاف من جند الله، فإذا رآها قال للعبّاس: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً!
فهو لا يعرف منطقاً غير هذا! فقال له العبّاس: إنّها النبوّة يا أبا سفيان. وكان العباس لمّا وعده أن يأخذ له أماناً، شرط عليه النبي(ص) الإسلام، فجاء به فنطق بالتوحيد وسكت. فلما سأله النبي: أتشهد أني رسولُ الله؟ امتنع! وقال: إنّ هذه في النفس منها شيء، حتى هدّده العبّاس وقال إن امتنعت تُقتَل، قالها على كُرهٍ منه.
ولما حان الأوان ووطّؤوا لمعاوية الطليق ابن الطليق فتفرّد بالشأم وصار الأمر إلى عثمان، أظهر أبو سفيان ما في نفسه ودعا إلى حكم الجاهليّة، وأنكر الرسالة والوعد والوعيد ودعا بني أمية لتلقّف الأمر تلقّف الكرة، وقد ذكرنا أقواله في ذلك.
وأقوال معاوية في حق رسول الله(ص)، وقد ذكرنا بعضها في محاورة المغيرة بن شعبة له وجواب معاوية وتسميته للنبي ابن أبي كبشة، وقوله دفناً دفناً، أي لن يقرّ له قرار إلا بدفن اسم رسول الله(ص)، وإماتته، مما أثار حفيظة المغيرة وكان معجباً بمعاوية، فعاد إلى بيته مغموماً فلما سأله ابنه أخبره بما سمعه من معاوية.
وقيس بن سعد أعرف بحال معاوية، ولذلك قال له دخلت الإسلام كرهاً وخرجتَ منه طوعاً.
وأما ما ذكره بشأن أبيه: سعد بن عبادة؛ فما مثل معاوية له أن ينطق باسم سعد! كفاه أن يقول: أنا معاوية، وأخي زياد، نقلته من أبيه وسُميّة إلى أبي سفيان وأقمت الخمّارين شهوداً على ذلك! ووزيري ابن النابغة؛ وكفى المرء بنفسه شاغلاً.[٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ مروج الذهب ٣: ١٦-١٧.
- ↑ حبيب طاهر الشمري، شهداء الإسلام، ص ١٧٠.