كميل بن زياد
نبذة
«كُمَيل بن زياد»[١] ابن «نهيك بن الهيثم النَّخعي»، الكوفي، صاحب أمير المؤمنين (ع).
روى عن: علي(ع)، و عبد الله بن مسعود، و عمر بن الخطاب، و أبي مسعود الأنصاري، وغيرهم.
روى عنه: سليمان الأعمش، و العباس بن ذريح، و عبد الله بن يزيد الصهباني، و عبد الرحمن بن جندب الفزاري، و أبو إسحاق السبيعي، وآخرون.
وكان من رؤساء الشيعة، وثقاتهم، وعبّادهم.
وثّقه: ابن معين، و العجلي، و ابن عمار، و ابن حجر، وذكره ابن حبان في «الثقات».
قال ابن سعد: وكان شريفاً مطاعاً في قومه... وكان ثقة، قليل الحديث[٢]
وكان كميل من أصحاب الإمام علي(ع) وشيعته وخاصته. شهد معه وقعة صفين، وكان عامله على هيت، كما عُدّ من أصحاب الإمام الحسين(ع).
وهو أحد المنفيّين من أهل الكوفة إلى دمشق، حيث شكاهم سعيد بن العاص والي الكوفة إلى عثمان لإنكارهم عليه قوله: (انّما هذا السواد بستان لقريش)[٣]، وطعنهم عليه وعلى عثمان في أُمور وصفها ابن حجر بالأمور الاجتهادية التي لا يُعترض فيها على الخليفة[٤] وهي في واقعها اجتهادات[٥] مخالفة للنصوص، مناقضة للشريعة، فأمر عثمان بتسييرهم إلى الشام.
وقد وُصف هؤلاء المنفيّون[٦] بأنّهم: قرّاء المصر، وزعماؤه، ونسّاكه، وفقهاؤه، وهم القدوة في التقوى والنسك، وبهم الأسوة في الفقه والأخلاق[٧]
وشهد كميل بن زياد وقعة الجماجم، وكان رجلاً ركيناً[٨] في إحدى كتائبها المعروفة بكتيبة القرّاء، التي صمدت لحملات ثلاث كتائب عبّأها الحجّاج لها. ولما انتهت المعركة بهزيمة ابن الأشعث، دعا الحجاج الثقفي بكميل بن زياد، وجرى بينهما كلام، ثم قال كميل: أيها الرجل من ثقيف لا تصرف عليّ أنيابك، ولا تكشر عليّ كالذئب، والله ما بقي من عمري إلاّ ظمء الحمار، إقض ما أنت قاض، فإنّ الموعد الله وبعد القتل الحساب، (ولقد خبّرني أمير المؤمنين(ع) أنّك قاتلي).
فقال الحجّاج: فإنّ الحجة عليك. قال: ذلك إذا كان القضاء إليك. فأمر به فقُتل، وكان خصيصاً بأمير المؤمنين(ع) [٩]. [١٠]
قال كميل: «أَخَذَ بِيَدِي أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ فَأَخْرَجَنِي إِلَى اَلْجَبَّانِ فَلَمَّا أَصْحَرَ تَنَفَّسَ اَلصُّعَدَاءَ ثُمَّ قَالَ: يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ إِنَّ هَذِهِ اَلْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ: اَلنَّاسُ ثَلاَثَةٌ فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ وَ مُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ وَ هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ اَلْعِلْمِ وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ. يَا كُمَيْلُ اَلْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ اَلْمَالِ اَلْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَ أَنْتَ تَحْرُسُ اَلْمَالَ وَ اَلْمَالُ تَنْقُصُهُ اَلنَّفَقَةُ وَ اَلْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى اَلْإِنْفَاقِ وَ صَنِيعُ اَلْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ. يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ مَعْرِفَةُ اَلْعِلْمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ بِهِ يَكْسِبُ اَلْإِنْسَانُ اَلطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ وَ جَمِيلَ اَلْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَ اَلْعِلْمُ حَاكِمٌ وَ اَلْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ. يَا كُمَيْلُ، هَلَكَ خُزَّانُ اَلْأَمْوَالِ وَ هُمْ أَحْيَاءٌ وَ اَلْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ اَلدَّهْرُ أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ وَ أَمْثَالُهُمْ فِي اَلْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ هَا إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْماً جَمّاً (وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ) لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً! بَلَى أَصَبْتُ لَقِناً غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ مُسْتَعْمِلاً آلَةَ اَلدِّينِ لِلدُّنْيَا وَ مُسْتَظْهِراً بِنِعَمِ اَللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَ بِحُجَجِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ - أَوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ اَلْحَقِّ لاَ بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ يَنْقَدِحُ اَلشَّكُّ فِي قَلْبِهِ لِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ أَلاَ لاَ ذَا وَ لاَ ذَاكَ! أَوْ مَنْهُوماً بِاللَّذَّةِ سَلِسَ اَلْقِيَادِ لِلشَّهْوَةِ أَوْ مُغْرَماً بِالْجَمْعِ وَ اَلاِدِّخَارِ لَيْسَا مِنْ رُعَاةِ اَلدِّينِ فِي شَيْءٍ أَقْرَبُ شَيْءٍ شَبَهاً بِهِمَا اَلْأَنْعَامُ اَلسَّائِمَةُ! كَذَلِكَ يَمُوتُ اَلْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ. اَللَّهُمَّ بَلَى! لاَ تَخْلُو اَلْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وَ إِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً لِئَلاَّ تَبْطُلَ حُجَجُ اَللَّهِ وَ بَيِّنَاتُهُ. وَ كَمْ ذَا وَ أَيْنَ أُولَئِكَ؟ أُولَئِكَ وَ اَللَّهِ اَلْأَقَلُّونَ عَدَداً وَ اَلْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اَللَّهِ قَدْراً»[١١].
روى ابن طاووس الدعاء المعروف بدعاء كميل، وهو دعاء طويل، سمعه كميل من أمير المؤمنين(ع)، وأوّله: «اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ اَلَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَ بِقُوَّتِكَ اَلَّتِي قَهَرْتَ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ، وَ خَضَعَ لَهَا كُلُّ شَيْءٍ...»
ومنه: «يَا إِلَهِي وَ سَيِّدِي وَ رَبِّي، أَ تُرَاكَ مُعَذِّبِي بِنَارِكَ بَعْدَ تَوْحِيدِكَ، وَ بَعْدَ مَا اِنْطَوَى عَلَيْهِ قَلْبِي مِنْ مَعْرِفَتِكَ، وَ لَهِجَ بِهِ لِسَانِي مِنْ ذِكْرِكَ، وَ اِعْتَقَدَهُ ضَمِيرِي مِنْ حُبِّ...»
«يَا سَيِّدِي يَا مَنْ عَلَيْهِ مُعَوَّلِي، يَا مَنْ إِلَيْهِ شَكَوْتُ أَحْوَالِي، يَا رَبِّ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، قَوِّ عَلَى خِدْمَتِكَ جَوَارِحِي، وَ اُشْدُدْ عَلَى اَلْعَزِيمَةِ جَوَانِحِي، وَ هَبْ لِيَ اَلْجِدَّ فِي خَشْيَتِكَ، وَ اَلدَّوَامَ فِي اَلاِتِّصَالِ بِخِدْمَتِكَ»[١٢]
استشهد كميل بن زياد في سنة اثنتين وثمانين، وقيل غير ذلك.
قال ابن أبي الحديد: قتله الحجّاج على المذهب فيمن قتل من الشيعة[١٣].[١٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ الطبقات الكبرى لابن سعد ٦: ١٧٩، تاريخ خليفة ٢٢٢، الطبقات لخليفة ٢٤٩ برقم ١٠٥٨، التاريخ الكبير ٧: ٢٤٣ برقم ١٠٣٦، المعرفة والتاريخ ٢: ٤٨١، رجال البرقي ٦، الجرح والتعديل ٧: ١٧٤ برقم ٩٩٥، المجروحين لابن حبان ٢: ٢٢١، الثقات لابن حبان ٥: ٣٤١، حلية الأولياء ١: ٧٩، رجال الطوسي ٥٦ برقم ٦ و٦٩ برقم ١، تهذيب الكمال ٢٤: ٢١٨ برقم ٤٩٩٦، تاريخ الإسلام (حوادث ٨١ ـ ١٠٠ هـ) ١٧٦ برقم ١٣٣، ميزان الاعتدال ٣: ٤١٥ برقم ٦٩٧٨، البداية والنهاية ٩: ٥٠، الاصابة ٣: ٣٠٠ برقم ٧٥٠٣، نقد الرجال ٢٧٧، مجمع الرجال ٥: ٧٥، جامع الرواة ٢: ٣١، بهجة الآمال ٦: ١٢٨، تنقيح المقال ٢: ٤٢ برقم ٩٩٣٨ (ملحقات)، معجم رجال الحديث ١٤: ١٢٨ برقم ٩٧٥٣.
- ↑ كذا نقل المزي في «تهذيب الكمال» والذهبي في «تاريخ الإسلام» عن ابن سعد، ولكن ليس في المطبوع من الطبقات عبارة: «وكان ثقة قليل الحديث».
- ↑ تاريخ الطبري: ٣: ٣٦٥ ذكر تسيير من سُيّر من أهل الكوفة إليها (سنة ٣٣ هـ).
- ↑ الصواعق المحرقة: ١١٣.
- ↑ منها: إتمامه الصلاة بمنى لما حجّ بالناس، ونفي أبي ذر إلى الربذة، وحبس عطاء ابن مسعود، وضرب عمار بن ياسر، وردّ الحكم للمدينة وكان النبي (ص) نفاه عنها، وإعطاء مروان بن الحكم خمس إفريقية إلى غير ذلك مما ذكره المؤرخون والمحدثون ونقلنا بعضه في ترجمتنا لعثمان.
- ↑ منهم: زيد بن صوحان العبدي، وصعصعة بن صوحان، ومالك الأشتر، وعروة بن الجعد البارقي، وجندب بن زهير الغامدي، وثابت بن قيس النخعي. انظر تاريخ الطبري، والكامل لابن الأثير في ذكرهما لهذه الحادثة.
- ↑ انظر الغدير للعلاّمة الأميني: ٩: ٣٧.
- ↑ الكامل لابن الأثير: ٤: ٤٧٢، ذكر وقعة الجماجم.
- ↑ لكامل لابن الأثير: ٤: ٤٨١، وما بين القوسين نقلناه من «الارشاد» للشيخ المفيد: فصل في كيفية قتل كميل بن زياد، وانّما أدرجناه لوروده في رواية جرير عن المغيرة، ولملائمته للسياق.
- ↑ الجبّان، كالجبّانة: المقبرة.
- ↑ شرح نهج البلاغة لمحمد عبده: ٣: ١٨٦، حلية الأولياء: ١: ٧٩، وصيته (ع) لكميل، وذكر ابن قتيبة مقطعين من هذه الوصية في عيون الأخبار: ٢: ١٢٠، ٣٥٥.
- ↑ إقبال الأعمال: ٧٠٦. وقد شرح السيد عز الدين بحر العلوم هذا الدعاء في كتابه «أضواء على دعاء كميل».
- ↑ شرح نهج البلاغة: ١٧: ١٤٩.
- ↑ جعفر السبحاني، موسوعة طبقات الفقهاء، ج ١، ص ٤٩٨.