الدعاء

من إمامةبيديا
(بالتحويل من دعاء)

تمهيد

«الدعاء»: ومرادنا منها ليس الدعاء باللسان فقط، بل المراد منها تحصيل حالة الدعاء وان كان ظهوره باللسان من أفضل الأعمال، وقد ورد انه أفضل العبادات وانه مخّ العبادة وانه ترس المؤمن وانه سلاح المومن.

فراجع المجلّد الثاني من الكافي كتاب فضل الدعاء تجد في ذلك ما بلغ التواتر المعنوي.

فالأمّي الّذي لا يشعر بمعانى الأدعية كدعاء الكميل والعرفة والمناجاة الشعبانية ونحوها المضبوطة في كتب الأدعية يفيده أن يقرأها ولا سيّما إذا كانت على سبيل الحكاية عن مُنشئها، كما لودعا الله تعالى بما سنح له، يستجاب له ويفيده ويترتّب عليه مثوبات كثيرة.

ولكن الكلام هيهنا في الدعاء القلبي وهو الصّلة الحاصلة بين العبد وربّه تعالى ليجد أنّ الدعاء هو الكلام الصاعد وان القرآن هو الكلام النازل فيجد حلاوة قراءة القرآن والدعاء والذكر والربط سيّما حلاوة الصلاة، لكونها كالمسامرة بين المولى والعبد، فبقرائة القرآن يسمع كلام الله بلسانه، وبما بقي من الصلاة يرى تكلّمه مع الله ايضاً بلسانه فالصلاة محاورة مع الله لبعض أصحاب ملكة الدعاء ومغازلةٌ لبعضهم الآخر.

وادّعاء ان المراد من الدعاء في لسان الوحي وأهل العصمة هو هذا القسم منه، قريبٌ جداً، وإن أبيت عنه فلا أقلّ من كونه المتيقّن منه، أو من أبرز مصاديقه وأظهرها، وانكار ذلك ليس إلّا مكابرة واضحة خارجة عن طريق الانصاف!.

توضيح ذلك، قد ورد ما يحثّ على الدعاء ويحذّر عن الغفلة عنه في كثير من مواضع الذكر الحكيم ومأثورات المعصومين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ[١]

فدلالة الآية الكريمة على توقّف الرشد على الدعاء ظاهرةٌ لا ريب فيها، ولكن من اللافت للنظر فيها الاتيان بلفظة لعلّ اوّلًا الدالّ على كون الرشد محبوباً لله‌ تعالى، والاتيان بضمير المتكلّم فيها ثماني مرّات، ليُضاف الداعي إليه تعالى، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ[٢]

ومثل هذا التهديد في القرآن الشريف قليل جدّاً، سيّما في نظر أهل القلوب الّذين يرون قيام الخلق بعنايته الخاصّة جلّ وعلا ولولا إيّاها لهلكوا فيما يقصر عن آنٍ ما، بل يصيروا هباءً منثوراً، وهذا سرّ ما يُروى عن النبي من مناجاته مع الله تعالى ولا سيّما في خلواته في الثلث الأخير من الليل بقوله: «اللهُمَّ لَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ أَبَداً»[٣]

قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ[٤]

لهذه الآية الشريفة أيضاً لسان تهديدٍ ليس بأخّف من لسان أختها، ومن اللافت للنظر فيها الوعد المأتي به في صدرها، حيث ترتّب فيه الاستجابة على الدعاء من غير أن يعلّلها بشىءٍ آخر.

قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ[٥]

لهذه أيضاً دلالةٌ على مطلوبيّة الدعاء حيث حثّ عليه بالاستفهام عنه، ثم وعد باستجابته لو كان الداعي مضطرّاً، وهو يرجع إلى قلبه، وظهوره باللسان من مظاهره وقد دلّت آياتٌ كثيرة على كونه منه مستجاباً، منها:

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ[٦]

وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً[٧]

وهذه الآية كسابقتها في الأمر بالدعاء مع تضرّع القلب وخضوعه.

ويظهر من آيات كثيرة انّ الدعاء هو سلاح الأنبياء والعلماء وعباده المخلصين منها:

قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[٨]

واختصاص الدعاء في الآية بالصلاة واختصاص اعطاء قرة الأعين بالدار الآخرة، كما ذكره جملةٌ من المفسّرين لا وجه له اصلًا بل المراد بالدعاء المناجاة المشتملة على الصلاة، والمراد بقرّة أعين هو اللّذّة والبهجة في جوف الليل كما سيظهر للداعي في دار الجزاء فيكون قرّةً لعينيه.

وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ[٩]

جملة ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ[١٠] كناية عن حالهم واستمرارهم عليه، فيأمر الله تعالى نبيّه بكونه مع الدّاعين غير الغافلين عنه.

ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا[١١]

ونظير الآية الشريفة في القرآن كثير مرغّباً إليه، أو إلى الذكر والأمر بهما، ومادحاً المتّصف بهما.

قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ[١٢]

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا[١٣]

وبالجملة انه يظهر من الآيات انّ الدعاء وسيّما حصول ملكته والمناجاة مع الله تعالى امارة الرّشد وسعادة الدارين وانه سيرة الأنبياء بل هو منطوٍ في الفطرة الإنسانيّة، وان الغفلة عنه وتركه امارة الشقاء والخسران.

قال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا[١٤]

فالدعاء من أوجب الواجبات وتركه من اشدّ المحرّمات.[١٥]

فوائد الدعاء

ان للدعاء فوائد كثيرة، وإجابته من الله تعالى بالنسبة إلى تلك الفوائد تُعدّ كقطرةٍ من البحر.

١. الصلة بين العبد والمولى فلمثل أهل القلوب ساعة منه خير من الدنيا وما فيها.

قال رسول الله (ص): «رَکْعَتانِ فِی جَوْفِ اللَّیْلِ أحَبُّ إلَیَّ مِنَ الدُّنْیا وَما فِیهَا.»[١٦]

ولغير أهل القلوب ايضاً فخرٌ لو التفتوا إلى حقيقته، الا ترى انهم لو قابلوا بعظيمٍ من أهل الرئاسة الدنياوية، ليفتخروا بمحادثتهم معه ولو كانت بجملةٍ واحدة؟ فيحكونها لهذا ولذاك؟!

هذا فانظر إلى عظمة الله تعالى وسعة قدرته، فتحصيل الصلة معه فخرٌ لا أعظم منه اطلاقاً ومن المؤسّف عليه غفلتنا عنه.

فنقول استغفرالله وأتوب اليه.

٢. رفع الحجاب من الفطرة وصيرورة العلم الاجمالي علماً تفصيليّاً.

توضيح ذلك، انّ المعرفة والتوحيد من الفطريات وانهما في أعماق روح الإنسان بل في عمق كلّ موجود والدليل عليه ما أشار إليه سبحانه في كثيرٍ من آي الذكر الحكيم من أن الإنسان إذا انقطع عمّا سواه لضرورة حدثت له فيدعوه تعالى لأنّه يرى أنه لا ملجأ له إلّا ايّاه.

قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ[١٧]

فهو يلتجأ إليه تعالى لأنّه يشعر بتوحيده ويدركه بشراشر وجوده فلا يتمسّك بغيره.

فلذا يدعوه تضرّعاً طالباً نجاته فلو لم يجد الله عليماً قادراً سميعاً جواداً فلا معنى لدعائه، فدعائه بلسان القال الّذي ينشأ من لسان الحال دليل على اذعانه بانّ من وجده هو الواحد القادر العليم السميع الجواد.

وبعبارة أخرى انه وجدالله تعالى فيدعوه.

فالأنبياء كلهم جائوا لتيقّظ الفطرة وتنبيهها إليه، بل لرفع الحجاب عنها، لأنّها على يقينٍ من توحيده تعالى غير غافلٍ عنه ولو بلحظةٍ ما، ولهذا ان عوالم الوجود بأسرها تسبّحه تعالى من غير فتورٍ فيه.

قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ[١٨]

فهذا الإنسان المحجوب عن ربّه أن يُنبّه بفطرته السليمة، لئلّا يموت وهو محجوبٌ عنه تعالى.

قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ[١٩]

فالأنبياء كلّهم جائوا لرفع الحجب ولاحيائه بالحيواة الطيّبة.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ[٢٠]

وممّا يرفع الحجب فينقلب هذا العلم الاجمالي الموجود في عمق الروح تفصيلياً هو الدعاء والتضرّع والتوبة إليه بل مطلق الذكر من الدعاء وقراءة القرآن وغيرهما ممّا ينبّه الإنسان وأقوى المذكِّرات هي الصلوات الواجبة والمندوية سيّما صلاة الليل بل مطلق قيام الليل.

٣ - درك ذلّ العبودية وعزّ الربوبية، وان شئت قلت الوصول إلى مقام العبودية.

توضيح ذلك، انه يظهر من القرآن انّ غير الإنسان ممّا سوى الله خلق للإنسان.

قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً[٢١]

ويظهر من القرآن ان الإنسان خلق لله‌تعالى أي: للوصول إلى مقام العبودية قال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي[٢٢]

وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[٢٣]

يعنى لوصولهما إلى مقام العبودية، والوصول إلى هذا المقام يحتاج إلى طىّ المنازل من التوبة واليقظة والتخلية والتحلية والتجلية واللقاء بمراتبه الّتي هي العبودية فالإنسان إذا وصل إلى ذلك المقام يجد فقره وتدلّيه ويجد انه ليس له شيء من الكمال، والكمال كلّه لله تعالى فيجد عزّه وغنائه تبارك وتعالى.

قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ[٢٤]

ولو حصل له هذه الحال، فقد فاز بأجود الحالات وألذّها، ولها فوائد كثيرة منها احراق اعراق الرذائل عن القلب كالكبر والغرور والرياء لأنه يمكن طىّ الطريق والعبور من منزل التخلية ولكن اعراقها باقية في النفس.

قال رسول الله (ص): آخر ما يخرج عن قلوب الصديقين حب الجاه.

فزوال نفسيّة التفرعن يحتاج إلى الوصول إلى مقام العبودية.

فوجدان ذلّ العبودية ووجدان عزّ الربوبيّة يحتاج إلى الوصول إلى مقام العبودية وما دام لم يصل بعدُ إلى ذلك المقام وان عرج من منزل التخلية والتحلية لا يجد طعم ذلك وان رآه فالرؤية شيء والوجدان شيء آخر وبينهما بون بعيد، نظير العلم الحصولي والعلم الحضوري، ونظير الإسلام العقلي والعقيدي والإيمان القلبي، والغرض من هذا التطويل ان الدعاء والتضرّع والتوبة والإنابة ممّا ينال به الداعي والمتضرّع والتائب والمنيب إلى الله تعالى إلى ذلك المقام ولااقلّ من أنّه يهيّء الإنسان للوصول اليه، لان المجاز قنطرة الحقيقة، وأجود قنطرةٍ لهذا المرام هو الدعاء والإنابة، وافق فيها القلبُ اللسانَ، ضرورة ان قول الداعي يا ربّ يا ربّ يا ربّ ليس معناه إلّا انه يقول بالقلب ولو لم‌يلتفت إليه: انا الفقير بل انا الفقر وأنت الغنىّ بل أنت الغنى وانا الذليل وأنت العزيز و.... وهذا أمثل الطرق للوصول إلى الحقيقة وتبديل القول بالعمل ثمّ الوصول إلى مغزاه.

٤ - وجدان المفقود، وهو ان الإنسان من حين أن صار متميّزاً بين الحقائق، بل من بدو تولّده يجد في نفسه مطلوبه وهو الله تعالى.

قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ[٢٥]

ولكن كثيرٌ من النّاس يغفلون عن هذا العلم مع وجدانهم ما هو موجودٌ في سرائرهم، ومن النّاس من يُخيّل إليهم أنّه الدنيا فيطلبونها ولكنّهم كلّما يقربوا منها يجدونها غير مطلوبةً لهم، فيموتون من غير أن يدركوا مطلوبهم وغايتهم في حياتهم الماديّة، وإلى هذا يشير جملةٌ من آي الذكر المبارك.

قال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى[٢٦]

والأنبياء كلّهم سيّما خاتمهم بُعثوا ليعرّفوا النّاس غايتهم وما هو مقصودهم لينجوا من الحسرة والغمّ والاضطراب.

قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[٢٧]

وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[٢٨]

فذكر الله تعالى له معنى عام ومن مصاديقه البارزة الدعاء والتوبة والابتهال إليه.

٥ - الانقطاع عن النّاس إليه تعالى.

ان التوحيد الافعالى (وهو القول بأنّ الربوبية التكوينية والتشريعية منحصرة لله تعالى فقط) هو مقتضى القائلين بكلمتي التوحيد والتحميد المباركتين حيث نعلم على سبيل الجزم انه لا مؤثّر في الوجود إلّاالله تعالى ولا كمال ولا جمال إلّا عنده وفي خزائنه فينزّلهما بقدر معلوم.

قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا[٢٩]

كما نعلم على سبيل القطع انه لا حكم ولا تشريع إلّا لله‌ تعالى فما جاء به رسله هو الحقّ وما هو من قبل غيره فليس إلّا الضلال.

قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[٣٠]

هذا كلّه بحسب العلم، وهو لإسكات العقل وانجاءه عن الوساوس العلميّة واجبٌ، ولكن ليس له أن يوصل الإنسان إلى مقام اليقين لينجوا عن المهالك والوساوس الشيطانيّة كلّها، ليحصل له فضيلة التوكّل وتفويض الامر إليه تعالى وكلّ ذلك بحاجةٍ ماسّةٍ مضافاً إلى ذلك العلم والاذعان، إلى رسوخه في القلب ووجدان كلمة التوحيد فيه.

روى مولانا وسيّدنا الإمام الرضا عليه آلاف التحية والثناء عن آبائه (ع) أنه قال الله تعالى: «كَلِمَةُ لا اِلهَ اِلاَّ اللهُ حِصْني فَمَنْ دَخَلَ حِصْني اَمِنَ مِنْ عَذابي»[٣١]

وهذا الإيمان والوجدان المصطلح عليه بالانقطاع عن النّاس إلى الله تعالى يحتاج‌رياضات مشروعة ومن مصاديقها الهامّة الدعاء والتوبة والابتهال إليه تعالى.

٦ - استجلاب ولاية الله تعالى على القلب.

انّ السائر في سلوكه إليه تعالى يحتاج إلى أشياء منها الحصول على الصراط السوي الّذي ليس إلّا الشريعة الغرّاء.

قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ[٣٢]

ثمّ إلى لزوم الطريق وعدم الانحراف عنه، وهذا يحتاج إلى عنايته وهدايته تعالى حتّى يستقيم السائر عليه فيُخرج من الظلمات إلى النور ومن الحجب الظلمانية والنورانيةالنور المطلق.

قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ[٣٣]

وقال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ[٣٤]

واستجلاب تلك الهداية يحتاج إلى عنايته، وعنايته يحتاج إلى تلك الرياضات، وأفضلها الدعاء والتضرّع إليه، انظر إلى كمال الدعاء كيف أُمرنا أن ندعوا في الصلاة كلّ يوم مرّات عديدة فنقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ[٣٥].

٧ - سلطة المرء على اعصابه وعدم قلقه واضطرابه.

من أجود الحالات النفسيّة للمرء، هي سلطته على اعصابه ومشاعره، بحيث له ان يعقد مشاكله وعُقده، أو إن لم يكن له فيتحمّلها، فيعبّر عمّا يختلج بباله من غير أن يتشوّش أو يضطرب في القول، وكذلك في العمل. وهذا من نعمه سبحانه وتعالى على عباده النشطين مطمئنّي النّفوس.

ولا يعقل استقرار الطمأنينة والنشاط في قلب فيه الهمّ والاضطراب.

ومن اهمّ ما يرفع به تلك الأمراض والأقلاق الروحيّة لتُبدّل بالسكينة في الأعضاء هو الدعاء والتوبة إليه تعالى.

قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[٣٦]

وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[٣٧]

نعم يظهر من القرآن انّ التقوى ايضاً ممّا تطمئنّ به النفس.

قال تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ[٣٨]

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[٣٩]

وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[٤٠]

كما تستفاد من هذه الكريمة انّ الذنب يضادّ التقوى، فيدفع الأمن عن النّفس ويوافقها كثيرٌ من الآيات، منها قوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ[٤١]

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ[٤٢]

٨ - انّ الدعاء يحسّن الخُلُق ويزكّيه.

وهذه الفائدة هامّة جدّاً سيّما لعموم النّاس ولولا هذه الفائدة لكفى به عزّاً وفخراً.

توضيح ذلك، انه يظهر من القرآن ان الدعاء والذكر يهذّب النفوس كما لأساتذة الأخلاق أن يفعلوا في نفوس تلامذتهم فيهذّبونها، وذلك:

  1. بارائة الرشد قولًا وعملًا بل ايصاله إلى الرشد، ودلالة القرآن على كون الدعاء موصلًا إليه واضحةٌ. قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ[٤٣]
  2. كما أنّ الأستاذ يمنع تلميذه عن ارتكاب فواحش الاعمال، فكذلك الدعاء والذكر. قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ[٤٤] ومهمّة الدعاء تختلف بحسب أصناف النّاس فلعمومهم المنع من التورّط في ورطات الشيطان، وهذا من أهمّ انتاجات الدعاء، حيث لا إنسان إلّا وهو في المساقط باستمرارٍ كما تدلّ عليه آيات من التنزيل الحكيم. قال تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ[٤٥] ولخواص النّاس المنع عن الفحشاء والمنكر، كمن يُصان بالترس عن العدوّ، فهم يصونون أنفسهم عن الذنب بالدعاء. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[٤٦]. فهم بذكر الله تعالى وعناياته الخاصة يجتنبون كبائر ما تنهون عنه بل صغائرها فطوبى لهم وحسن مآب. ولاخصّ الخواص يمنعهم عن المكروهات والمشتبهات بل عن سوء التفكر والخيال والوسوسة، فيتهيّء القلب لنزوله تعالى فيه. وإلى ذلك أشار النبي (ص) بقوله: من اخلص لله‌اربعين يوماً فجّر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه [٤٧]
  3. كما أن الأستاذ يخرج تلميذه من الظلمة إلى النور المطلق بتخطّيه عن منازل التخلية والتحلية إلى تجليته بأنوار المعرفة خطوة خطوة، حتّى يخرق الحجب النوريّة فلا يبقى في قلبه إلّا النور المطلق، فكذلك الأذكار والأدعية، وهي المعبّر عنها في الذكر الحكيم بالذكر الكثير، لها أن يخرج الداعي الذاكر إلى الفضاء الربوبي، فلا يبقى في قلبه غير النور شيئاً. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا[٤٨]

٩ - أضف إلى ما قلناه من الفوائد الثمانية، ما يترتّب عليه من المثوبات الّتي لا تحصاها غير الله تعالى، ولو لم يكن غير قوله تعالى: «وهو الّذي يصلّى عليكم وملائكته» لكفاك ان تقول لا يعادل الدعاء شىءٌ آخر، وورد ان أهل الجنّة إذا سمعوا قوله تعالى: «سلام قولًا من ربّ رحيم» «١» غلب عليهم سكر السلام نظير سكر الشراب الطّهور، لا بل نظير سكر استماع العاشق كلام معشوقه، فهم في السكرة إلى ما شاءالله.

هذا وهيهنا معنى آخر للبيت لم يقصده شاعره، وهو طلب التهنئة لأرباب النعيم على نعمهم من الحور والقصور الّتي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين.

قال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[٤٩]

ثمّ لمن يعشق بحريمه تعالى ما يتجرّع من سلامه تعالى عليه فيسكره سكرة العاشق الواصل.

قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ[٥٠]

١٠ - أضف إلى ذلك كلّه الإجابة الّتي وعدها الله تعالى عليه من غير ريبٍ فيها،

قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[٥١]

وقال تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[٥٢]

بقي الكلام في مسألة عدم استجابة الدعاء في بعض الأحيان مع اجتماع جميع ما يُشترط فيه، فكيف وقد قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[٥٣]» وقال تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[٥٤]

قلت: عدم الترتب اما لعدم الاقتضاء أو لوجود المانع أو لفقدان الشروط، اما عدم الاقتضاء فهو عدم توافقه لمصالح الداعي الأمريّة بحيث انه لو كشف الغطاء وظهرت المصالح له يدعو لئلّا يُستجاب ما دعاه ملحّاً فيه، قال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا[٥٥]

وقال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[٥٦]

وقال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا[٥٧]

ولكن بما للدعاء من الفضل، فقد يظهر من التنزيل العزيز جبر ما لم يُعط بخيرٍ منه.

قال تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا[٥٨]

اما وجود المانع فهي كثيرة:

الف: رذائل الصفات، وهي مانعة جدّاً تمنع الدعا عن حريمه تعالى كما تمنع الحبلُ الطيرَ عن أن يطير في الجو الواسع، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ[٥٩]

وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ[٦٠]

وقد كرّر في التنزيل المبارك انّه تعالى يختصّ رحمته بمن يشاء، منها قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ[٦١]

وقد فسّر في بعض آية ان المراد من ﴿مَنْ يَشَاءُ هم المحسنون والصالحون.

قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ[٦٢]

وقال تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ[٦٣]

وقال مولانا الصادق (ع) في حديث: «بَيْنَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ يَعِظُ أَصْحَابَهُ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَشَقَّ قَمِيصَهُ فَأَوْحَى اَللهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ يَا مُوسَى قُلْ لَهُ لاَ تَشُقَّ قَمِيصَكَ وَ لَكِنِ اِشْرَحْ لِي عَنْ قَلْبِكَ ثُمَّ قَالَ مَرَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ هُوَ سَاجِدٌ فَانْصَرَفَ مِنْ حَاجَتِهِ وَ هُوَ سَاجِدٌ عَلَى حَالِهِ فَقَالَ لَهُ مُوسَى لَوْ كَانَتْ حَاجَتُكَ بِيَدِي لَقَضَيْتُهَا لَكَ فَأَوْحَى اَللهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ يَا مُوسَى لَوْ سَجَدَ حَتَّى يَنْقَطِعَ عُنُقُهُ مَا قَبِلْتُهُ حَتَّى يَتَحَوَّلَ عَمَّا أَكْرَهُ إِلَى مَا أُحِبُّ.»[٦٤]

وقال الإمام الصادق (ع): «إِنَّ اَللهَ تَعَالَى لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً بِظَهْرِ قَلْبٍ قَاسٍ» [٦٥]

وقال سيّدنا أبو جعفر (ع) في حديث: «يَا عِيسَى إِنَّ عَبْدِي أَتَانِي مِنْ غَيْرِ اَلْبَابِ اَلَّذِي أُوتَى مِنْهُ إِنَّهُ دَعَانِي وَ فِي قَلْبِهِ شَكٌّ مِنْكَ فَلَوْ دَعَانِي حَتَّى يَنْقَطِعَ عُنُقُهُ وَ تَنْتَثِرَ أَنَامِلُهُ مَا اِسْتَجَبْتُ لَهُ»[٦٦]

ب: الذنب، وهو مانع عظيم كسابقه، لأنّه تعالى عاهد مراراً ان لا يهدى الكافر والفاسق والظالم بالهداية العنائية وان الله لا يحبّهم ولا يقبلهم لا نفسهم ولا عملهم.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ[٦٧]

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ[٦٨]

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[٦٩]

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ[٧٠]

وعن «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ: قُلْتُ آيَتَانِ فِي كِتَابِ اَللهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَطْلُبُهُمَا فَلاَ أَجِدُهُمَا قَالَ وَ مَا هُمَا قُلْتُ قَوْلُ اَللهِ عَزَّ وَ جَلَّ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[٧١] فَنَدْعُوهُ وَ لاَ نَرَى إِجَابَةً قَالَ أَ فَتَرَى اَللهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَخْلَفَ وَعْدَهُ قُلْتُ لاَ قَالَ فَمِمَّ ذَلِكَ قُلْتُ لاَ أَدْرِي قَالَ لَكِنِّي أُخْبِرُكَ مَنْ أَطَاعَ اَللهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا أَمَرَهُ ثُمَّ دَعَاهُ مِنْ جِهَةِ اَلدُّعَاءِ أَجَابَهُ قُلْتُ وَ مَا جِهَةِ اَلدُّعَاءِ قَالَ تَبْدَأُ فَتَحْمَدُ اَللهَ وَ تَذْكُرُ نِعَمَهُ عِنْدَكَ ثُمَّ تَشْكُرُهُ ثُمَّ تُصَلِّي عَلَى اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ثُمَّ تَذْكُرُ ذُنُوبَكَ فَتُقِرُّ بِهَا ثُمَّ تَسْتَعِيذُ مِنْهَا فَهَذَا جِهَةُ اَلدُّعَاءِ ثُمَّ قَالَ وَ مَا اَلْآيَةُ اَلْأُخْرَى قُلْتُ قَوْلُ اَللهِ عَزَّ وَ جَلَّ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ[٧٢] وَ إِنِّي أُنْفِقُ وَ لاَ أَرَى خَلَفاً قَالَ أَ فَتَرَى اَللهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَخْلَفَ وَعْدَهُ قُلْتُ لاَ قَالَ فَمِمَّ ذَلِكَ قُلْتُ لاَ أَدْرِي قَالَ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمُ اِكْتَسَبَ اَلْمَالَ مِنْ حِلِّهِ وَ أَنْفَقَهُ فِي حِلِّهِ لَمْ يُنْفِقْ دِرْهَماً إِلاَّ أُخْلِفَ عَلَيْهِ.» [٧٣]

وعنه (ع) أيضاً انه قيل له: «أَ لَسْتَ تَقُولُ يَقُولُ اَللهُ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[٧٤] وَ قَدْ نَرَى اَلْمُضْطَرَّ يَدْعُوهُ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَهُ وَ اَلْمَظْلُومَ يَسْتَنْصِرُهُ عَلَى عَدُوِّهِ فَلاَ يَنْصُرُهُ قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَيْحَكَ مَا يَدْعُوهُ أَحَدٌ إِلاَّ اِسْتَجَابَ لَهُ أَمَّا اَلظَّالِمُ فَدُعَاؤُهُ مَرْدُودٌ إِلَى أَنْ يَتُوبَ إِلَيْهِ....»[٧٥]

وعن أبي جعفر (ع): «إِنَّ اَلْعَبْدَ يَسْأَلُ اَللهَ اَلْحَاجَةَ فَيَكُونُ مِنْ شَأْنِهِ قَضَاؤُهَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ أَوْ إِلَى وَقْتٍ بَطِيءٍ فَيُذْنِبُ اَلْعَبْدُ ذَنْباً فَيَقُولُ اَللهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لِلْمَلَكِ لاَ تَقْضِ حَاجَتَهُ وَ اِحْرِمْهُ فَإِنَّهُ تَعَرَّضَ لِسَخَطِي وَ اِسْتَوْجَبَ اَلْحِرْمَانَ مِنِّي.» [٧٦]

ج: المشتبه به المصطلح عليه بالمظلمة، وهذا وإن كان فرداً من الذنب إلّا انّه لمّا كان من أجلى مصاديقه، فأفردناه بالذكر، كما قد خُصّ به في الوحي والمأثور عن أهل العصمة، بل انّها من كبائر الموبقات فحقيقٌ بنا أن نفردها بالذكر فنقول:

قد اشتهر بين أهل القلوب ان لقيمةً من حرام أو مشتبهٍ تؤثّر في القلب حتّى يبقى تأثيرها فيه أربعين يوماً.

وانه اشتهر ان الحسين (ع) قال لأخته زينب حين سئلته عن عدم إجابة القوم له: انّ بطونهم مُلئت من الحرام.

حُكي ان شريك الأعور وكان من زهّاد عصره دعاه المتوكّل لعنه الله لقضاء بغداد، وليكون مؤدّب أولاده، فردّهما لزهده عن الدنيا، ثمّ أمره بالتعشّي عنده، فعشى عنده، وما لبث أن تقبّل القضاء وتأديب أولاده غداً، وكان وكان إلى أن راجع في اوّل شهرٍ من الشهور إلى خزانة المال ليأخذ شهريّته، فأعطاه صاحب الخزانة درهماً مغشوشاً، فأبى عنه وأصرّ على أن يعطيه درهماً آخر، فغضب صاحب الخزانة وصاح عليه: ما بعتنا لنعطيك ثمنه؟ فأجاب: بعتكم ديني ومروءتى، فعليكم اعطاء دراهم تناسبه!.

وتجارب أهل القلوب تدلّ على أن لقمة من المشتبه تمنع عن صلاة الليل ليالي عدّة، فكيف بالحرام منها؟، كما يرون أنّها نارٌ يأكلونها، فيشهدون لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا[٧٧]

ويجب علينا أن ننبّه هيهنا على انّ حق النّاس من الموبقات المهلكة بل هو كشعلة نارٍ اشتعلها المرء فتحرقه وتحرق ذريّته وذويه وأصحابه، هذا في دنياه أمّا في الآخرة فهو له عذابٌ أليم، ومن عذابه في الآخرة حمله أوزار من له الحقّ واعطاء حسناته له.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[٧٨]

وقال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا[٧٩]

وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا[٨٠]

وقد روى أن اعماله الصالحة تُعطى لمن له الحقّ، ويقال سخريّةً له: هذا من اكل عياله اعماله يعنى انه جمع حراماً واكله مع عياله في الدنيا فلا عمل صالح له الآن.

د: القسوة، وهي من رذائل الصفات، وذكرنا ما يرجع إليه آنفاً كحديث دالّ على أنّها تمنع عن إجابة الدعاء فلا نعيد ما فرغنا منه قبل صفحاتٍ حذراً عن التكرار.

ه: عدم موافقة اللسان والقلب

قد مرّ الكلام في أن حقيقة الدعاء والتوبة والذكر، هي الدعاء القلبي والتوبة القلبية والذكر القلبي، فإذا وجد ذلك فيلازمه الدعاء والذكر اللساني والتوبة اللسانيّة، كما يلازم الدعاء القلبي الصلة بين الداعي والمدعوّ له، ويلازم التوبة القلبيّة العزم على الترك، ويلازم الذكر القلبي ترك المحرّمات واتيان الواجبات، واما الدعاء اللساني فلا تأثير له، وكذلك توتبه وذكره نعم يُثاب عليهما.

وورد في روايات كثيرة ان الله تعالى لا يستجيب دعاء من دعى بقلب غير ملتقبٍ إلى دعاءه، منها، عن أبي عبد الله (ع): «إِنَّ اَللهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً بِظَهْرِ قَلْبٍ سَاهٍ فَإِذَا دَعَوْتَ فَاقْبَلْ بِقَلْبِكَ ثُمَّ اِسْتَيْقِنْ بِالْإِجَابَةِ»[٨١]

عنه (ع) قال: «قَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: لاَ يَقْبَلُ اَللهُ دُعَاءَ قَلْبٍ لاَهٍ»[٨٢]

عنه أيضاً (ع): «إذا دَعَوتَ فَأقبِلْ بقَلبِكَ وظُنَّ حاجَتَكَ بالبابِ» [٨٣]

و: السناد والاعتماد على غير الله تعالى

يجب في الدعاء التّبتّل والانقطاع إلى الله تعالى، وقطع الرجاء عن غيره حتّى عن نفسه، فمن اعتمد في دعائه على غيره تعالى ولو كان نفسه وعقله ومشاعره فلا يستجاب له.

قال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا[٨٤].

وفي روايات كثيرة ان الله تعالى يقطع أمل كلّ آمل يأمّل غير الله تعالى ولا يستجاب دعائه منها:

عن النبي (ص) قال: «مَا مِنْ مَخْلُوقٍ يَعْتَصِمُ بِمَخْلُوقٍ دُونِي - إِلاَّ قَطَعْتُ أَسْبَابَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ مِنْ دُونِهِ - فَإِنْ سَأَلَنِي لَمْ أُعْطِهِ وَ إِنْ دَعَانِي لَمْ أُجِبْهُ - وَ مَا مِنْ مَخْلُوقٍ يَعْتَصِمُ بِي دُونَ خَلْقِي - إِلاَّ ضَمَّنْتُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِرِزْقِهِ - فَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ وَ إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ - وَ إِنِ اِسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ» [٨٥]

وللآيات الّتي مضت آنفاً، دلالة واضحة على ذلك، منها قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ[٨٦]

وقال تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[٨٧]

وقال تعالى: «﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ[٨٨]

ز: عدم تطابق دعائه عمله

توضيح ذلك، ان الإنسان قد يعمل اعمالًا ولا محالة يترتّب عليها آثار ظاهرية أو باطنية، مادية أو معنوية، مثلًا انّ السرف في المال يوجب الفقر وقد أمر الله تعالى بالاقتصاد في الانقاق.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا[٨٩].

وان ذلك السرف معصيةٌ لا محالة.

قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ[٩٠]

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا[٩١]

وان السرف لا محالة يؤدّي إلى الحاجة والعُدم والاسترقاق حتّى إلى شرار النّاس كحاجة المسلم إلى الكافر حتّى في المؤامرة والبطانة.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ[٩٢]

قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً[٩٣]

ولها أمثال كثيرة، قس عليه غيره.

ونختم هذا المبحث مستنيرين برواية شريفة عن مولانا الإمام الصادق (ع) فانّه قال: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ كَانَ عِنْدَهُ عِشْرُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهَا فِي هَذَا اَلْوَجْهِ لَأَخْرَجَهَا ثُمَّ بَقِيَ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ ثُمَّ كَانَ مِنَ اَلثَّلاَثَةِ اَلَّذِينَ دَعَوْا فَلَمْ يُسْتَجَبْ لَهُمْ دَعْوَةُ رَجُلٍ آتَاهُ اَللهُ مَالاً فَمَزَّقَهُ وَ لَمْ يَحْفَظْهُ فَدَعَا اَللهَ أَنْ يَرْزُقَهُ فَقَالَ أَ لَمْ أَرْزُقْكَ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ دَعْوَةٌ وَ رُدَّتْ عَلَيْهِ وَ رَجُلٌ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ يَسْأَلُ اَللهَ أَنْ يَرْزُقَهُ قَالَ فَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ إِلَى طَلَبِ اَلرِّزْقِ سَبِيلاً أَنْ تَسِيرَ فِي اَلْأَرْضِ وَ تَبْتَغِيَ مِنْ فَضْلِي فَرُدَّتْ عَلَيْهِ دَعْوَتُهُ وَ رَجُلٌ دَعَا عَلَى اِمْرَأَتِهِ فَقَالَ أَ لَمْ أَجْعَلْ أَمْرَهَا فِي يَدِكَ فَرُدَّتْ عَلَيْهِ دَعْوَتُهُ»[٩٤]

ح: عدم تهيئة الأسباب: لا اشكال في انّ الدعاء من أسباب النيل إلى المقصود إلّا انه من الأسباب المعنوية، فبه وبغيره من الأسباب المعنوية يوجد المسبّب باذن الله تعالى.

ولكن للأسباب الظاهرية أيضاً دورٌ لايقلّ عن المعنويّة منها وذلك لأنّه أبى الله ان يجرى الأمور إلّا بتلك الأسباب، فمن لا يهيّىء تلك الأسباب الظاهرية ثمّ دعا ربّه لايُستجاب له، وقد دلّت آيات وروايات كثيرة على ذلك اما الروايات فقد مضى بعضها آنفاً وأمّا الآيات فمنها:

قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ[٩٥].

وقوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا[٩٦].

ونظيرهما كثير.

فالإنسان بما أوتي من العقل والادراك وقوّة النخب والاختيار وصحّة الجسم ونحوها عليه ان يطلب من الله رزقه وغايته، كما أنه بالاجتناب عن المعاصي وبالدعاء وغيرهما من الأسباب المعنوية عليه ان يطلبه منه تعالى.

وبعبارة أخرى يطير إلى أوج السعادة بجناحي الظّاهر والباطن وكلّ واحدٍ منهما بلا آخر ناقص لا يفي بالمقصود نعم إذا انقطعت الأسباب الظاهرية، فتنحصر الأسباب بالمعنوية منها، سيّما الدعاء.

ولا يشتبه عليك وجوب تهيئة الأسباب، مع وجوب الانقطاع عن غير الله إليه تعالى لأنه فرق واضح بين تهيئة الأسباب وبين التفات القلب إليها بجماجمه وشراشره وقد مرّ الكلام فيه مفصّلًا في باب التوكّل فراجعه.

واجماله ان التوحيد الافعالى يقتضى حصر ربوبيتي التكوينيّة والتشريعيّة في الله تعالى ولكنّه تعالى يتمّ ماله من التشريعيّة ببعث الرسل وانزال الكتب فعلينا اتباعهما، كما يتمّ التكوينيّة بالأسباب الظاهرية والمعنويّة وسلسلتهما الطوليّة، فعلينا تهيئتهما ليجرى تعالى فيهما ارادته. فبالالتفات إلى ذلك يرتفع الاشكال عن البين.

ط: النيل إلى عناياته الفائضة على أوليائه تعالى، فهذا المانع يختصّ بهم وهو من ألطافه الخفيّة عليهم.

توضيح ذلك، انه يظهر من غير واحد من الآيات والروايات ان لأوليائه تعالى منزلة لاينالوها إلّا بالبلاء والمشقّات والمشاكل وبعدم استجابته لهم، وعدم الاستجابة هذا يمدّهم للنيل إليها، فلايُستجاب لهم ليصلوا إلى غايتهم الأعلى.

وقد اشتهر ان البلاء للولاء ثم الأولى فالأولى.

قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ[٩٧]

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ[٩٨]

وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ[٩٩]

واما الروايات فقد بلغت في ذلك حدّ التواتر، وقد رواها الكليني في أبواب متعددة من جامعه الثمين فقد أورد في باب شدة ابتلاء المؤمن ثلاثين منها، منها:

عن الإمام أبي جعفر (ع) قال: «إِنَّ اَللهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْداً غَتَّهُ بِالْبَلاَءِ غَتّاً وَ ثَجَّهُ بِالْبَلاَءِ ثَجّاً فَإِذَا دَعَاهُ قَالَ لَبَّيْكَ عَبْدِي لَئِنْ عَجَّلْتُ لَكَ مَا سَأَلْتَ إِنِّي عَلَى ذَلِكَ لَقَادِرٌ وَ لَئِنِ اِدَّخَرْتُ لَكَ فَمَا اِدَّخَرْتُ لَكَ خَيْرٌ لَكَ» [١٠٠]

وعن ابن أبي يعفور قال: «شَكَوْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اَللهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ مَا أَلْقَى مِنَ اَلْأَوْجَاعِ وَ كَانَ مِسْقَاماً فَقَالَ لِي يَا عَبْدَ اَللهِ لَوْ يَعْلَمُ اَلْمُؤْمِنُ مَا لَهُ مِنَ اَلْأَجْرِ فِي اَلْمَصَائِبِ لَتَمَنَّى أَنَّهُ قُرِضَ بِالْمَقَارِيضِ» [١٠١]

وعن أبي عبد الله (ع) قال: «إِنَّهُ لَيَكُونُ لِلْعَبْدِ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ اَللهِ عَزَّ وَ جَلَّ لاَ يَبْلُغُهَا إِلاَّ بِإِحْدَى اَلْخَصْلَتَيْنِ إِمَّا بِبَلِيَّةٍ فِي جِسْمِهِ أَوْ بِذَهَابِ مَالِهِ» [١٠٢]

وفي رواية عن أبي عبد الله (ع): «إِنَّ اَللهَ لَيَتَعَاهَدُ عَبْدَهُ اَلْمُؤْمِنَ بِالْبَلاَءِ كَمَا يَتَعَاهَدُ اَلْغَائِبُ أَهْلَهُ بِالطُّرَفِ وَ إِنَّهُ لَيَحْمِيهِ اَلدُّنْيَا كَمَا يَحْمِي اَلطَّبِيبُ اَلْمَرِيضَ.» [١٠٣]

ى: حب الله تعالى سماع صوت عبده

هذا المانع لأخص الخواص وهم الّذين يحبّونه تعالى حبّاً شديداً كما هو تعالى يحبّهم كذلك فيلتذّون بمناجاته تعالى ويلتذّ بمناجاتهم، ويدعونه ويدعوهم.

قال أمير المؤمنين (ع) في مناجاته الشعبانية: «اِلهى وَ اجْعَلْنى مِمَّنْ نادَیَتَهُ فَاَجابَكَ وَ لا حَظْتَهُ فَصَعِقَ لِجَلالِكَ فَناجَیْتَهُ سِرّا»[١٠٤]

فبعد ذلك يجد أن لا شئ ألذّ له من الصّلة القائمة بين العبد ومولاه.

قال تعالى: ﴿مَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى[١٠٥]

فترى هل لتطويل موسى (ع) في الإجابة عن سؤاله تعالى سببٌ غير حبّ التناجى الواقع بينهما؟ فما أبلغه (ع) وما أحسن تطويله!.

فلذا لا يرى السالكون نحو حضرته في هذا التّطويل قبحاً بل يعدّونه خيراً من الاقتصار على أصول الكلم المحتاج إليها في الإجابة عنه تعالى هذا في ناحية العاشق الوله أمّا الرب الّذي هو أشدّ حبّاً لعبده منه، فلا يجيبه ليطول كلامه، فيناجيه سرّاً وعلناً، فقد روى انّ بين كلامه (ع): ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ[١٠٦]. وبعد اجابته تعالى عنه: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ[١٠٧] مضى أربعون سنة.

في الصحيح عن أبي عبد الله (ع) قال: «كَانَ بَيْنَ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا[١٠٨] وَ بَيْنَ أَخْذِ فِرْعَوْنَ أَرْبَعِينَ عَاماً.»[١٠٩]

وفي الجملة ان هذا المانع للإجابة لاخصّ الخواص من اهمّ الموانع وقد استفاضت الروايات في ذلك، فعن الإمام مولانا موسى بن جعفر (ع)... ان أبا جعفر (ع) كان يقول: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ حَاجَةً فَيُؤَخِّرُ عَنْهُ تَعْجِيلَ إِجَابَتِهِ حُبّاً لِصَوْتِهِ وَ اسْتِمَاعِ نَحِيبِهِ‌انّ المؤمن يسئل الله عزّوجلّ حاجته فيؤخّر عنه تعجيل احابته حبّاً لصوته واستماع نجيبه»[١١٠]

وعن الإمام أبي عبد الله (ع): «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَدْعُو فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِلْمَلَكَيْنِ قَدِ اسْتَجَبْتُ لَهُ وَ لَكِنِ احْبِسُوهُ بِحَاجَتِهِ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ صَوْتَهُ وَ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَدْعُو فَيَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَجِّلُوا لَهُ حَاجَتَهُ فَإِنِّي أُبْغِضُ صَوْتَهُ.» [١١١]

وعنه (ع): «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَدْعُو اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِي حَاجَتِهِ فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَخِّرُوا إِجَابَتَهُ شَوْقاً إِلَى صَوْتِهِ وَ دُعَائِهِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَبْدِي دَعَوْتَنِي فَأَخَّرْتُ إِجَابَتَكَ وَ ثَوَابُكَ كَذَا وَ كَذَا وَ دَعَوْتَنِي‌ فِي كَذَا وَ كَذَا فَأَخَّرْتُ إِجَابَتَكَ وَ ثَوَابُكَ كَذَا وَ كَذَا قَالَ فَيَتَمَنَّى الْمُؤْمِنُ أَنَّهُ لَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا مِمَّا يَرَى مِنْ حُسْنِ الثَّوَابِ.» [١١٢].[١١٣]

شرائط الدعاء

فانّها كثيرةٌ منها شرط الماهية ومنها شرط الفرد، وبعبارة أسهل من الشروط ما لايتحقّق الدعاء إلّا باتيانه، فهو من شرائط تحقّقه ومنها ما يستحبّ اتيانه وإن لم يكن شرطاً في تحقّقه وحصوله، الأوّل شرط الصحّة والثاني شرط القبول والإجابة.

شروط الصحة

  1. فمنها المعرفة وكلّما زادت قرب الدعاء بالإجابة حتّى لا يفصل عنها وهذا هو الّذي اشتهر صاحبه بمستجاب الدعوة. وبهذا الشرط أشار الله في كتابه بقوله: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي[١١٤]. قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ[١١٥]
  2. البدء بالتحميد وثنائه تعالى وقد استفاضت الروايات في ذلك مضافاً إلى استقرار سيرة أهل البيت (ع) على ذلك وليس دعاء محكىّ عنهم إلّا وفي أطرافه جيء بأبلغ الثناء والحمد له تعالى. وعن الإمام أبي عبد الله (ع): «إِيَّاكُمْ إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَسْأَلَ مِنْ رَبِّهِ شَيْئاً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ حَتَّى يَبْدَأَ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ الْمَدْحِ لَهُ وَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ص ثُمَّ يَسْأَلَ اللهَ حَوَائِجَهُ.»[١١٦]. وعنه (ع) أيضاً: «إِنَّ فِي كِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ص إِنَّ الْمِدْحَةَ قَبْلَ الْمَسْأَلَةِ فَإِذَا دَعَوْتَ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَمَجِّدْهُ» [١١٧] ونظيرهما كثير [١١٨]
  3. اليقين ولااقلّ من وجوب الظنّ بالإجابة، وقد وعد الله الّذي لا يخلف وعده في آيات الدعاء بالإجابة عنه. قال تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[١١٩] وقال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[١٢٠] وعن الإمام أبي عبد الله (ع): «مَا أَبْرَزَ عَبْدٌ يَدَهُ إِلَى اللهِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ إِلَّا اسْتَحْيَا اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَرُدَّهَا صِفْراً حَتَّى يَجْعَلَ فِيهَا مِنْ فَضْلِ رَحْمَتِهِ مَا يَشَاءُ فَإِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَرُدَّ يَدَهُ حَتَّى يَمْسَحَ عَلَى وَجْهِهِ وَ رَأْسِهِ.» [١٢١]. وعنه (ع): «فَإِذَا دَعَوْتَ فَأَقْبِلْ بِقَلْبِكَ ثُمَّ اسْتَيْقِنْ بِالْإِجَابَةِ.» [١٢٢] وعنه (ع) أيضاً: «إِذَا دَعَوْتَ فَظُنَّ أَنَّ حَاجَتَكَ بِالْبَابِ‌» [١٢٣]
  4. التوبة والاقرار بالذنب وهي من اهمّ الاعمال وأفضلها. قال رسول الله (ص): «الِاسْتِغْفَارُ وَ قَوْلُ- لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَيْرُ الْعِبَادَةِ» [١٢٤] وروى انّه كان يستغفر الله سبعين مرّة في كلّ يوم [١٢٥]. وقد مرّ الكلام في أنّ الذنب يمنع عن الاستجابة بل هو أهمّ موانعها، فالاستغفار والإنابة إليه تعالى من أهمّ معدّاتها وأنفعها. كما قد دلّ عليه جملة من الآيات والأحاديث. قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى[١٢٦]. قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً[١٢٧]. أمّا الرغبة والرهبة والتضرّع والتبتّل والابتهال وأمثالها فقد وردت في الذكر الحكيم فيما يزيد على مأة موردٍ ويلازمها الاستغفار والتوبة. والكليني رحمه الله ذكر باباً في جامعه القيّم أورد فيه ما ورد عنهم (ع) في تلك الالفاظ ومعانيها، والمستفاد منه ضرورة التضرّع والابتهال والاستغفار للداعي، حتّى يستجاب له. كما وقد عنون باباً لفضيلة البكاء، وهي أيضاً يلازمها [١٢٨]
  5. التوسّل إلى أهل العصمة الكبرى (ع): قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ[١٢٩] وعن النبي (ص) انّه قال: «نَحْنُ اَلْوَسِيلَةُ إِلَى اَللهِ» [١٣٠] وعن الإمام مولانا أبي عبد الله (ع) أنه قال: «نَحْنُ وَ اللهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى‌» [١٣١] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا[١٣٢] المستفاد من الشريفة توقف الغفران على التوسّل بسيّد العترة الطاهرة صلوات الله عليه وعليهم أجمعين وبذويه المعصومين بل تدلّ على فضل كون الدعاء عندهم ومدخليّته في الإجابة عنها. والكليني عنون باباً في ذلك أورد فيه ما يزيد على عشرين رواية منها:

عن الإمام أبي عبد الله (ع) قال: «لَا يَزَالُ الدُّعَاءُ مَحْجُوباً حَتَّى يُصَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ»[١٣٣]

هذا كلّه الشرائط الهامّة الّتي لادعاء إلّا بها.

شروط المندوب

وأمّا الشرائط المندوبة فهي كثيرة ونحن نذكر جملةً من أهمّها، وهي بحسب ما يستفاد من الروايات تنقسم إلى ثلاثة أقسام.

الف: ما يرجع إلى الداعي وحالاته، وهو الدعاء في الصلواة وبعدها سيّما صلاة الليل وسيّما الوتر منها ويؤكّد الدعاء في الصلوات عند القنوت والسجود.

ودعاء المحزون سيّما إذا هجم عليه الحزن فصار كأنّه غريقٌ يدعو.

ودعاء المظلوم سيّما إذا لم يدعو على أحدٍ بل يدعو لنفسه ولغيره خير الدارين.

ودعاء المضطرّ سيّما إذا ضمّ إلى دعائه آية ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ[١٣٤] ويتوسّل إلى المظلومين سيّما إلى سيّدهم من الأوّلين والآخرين مولانا الإمام الحسين (ع).

ودعاء الحاجّ سيّما في أمكنة مخصوصة نظير المسجدين الأعظمين وأوقات مخصوصة نظير يوم عرفة.

ودعا المريض سيّما إذا غلب عليه الوجع أو احتاج إلى شيء أو ملازمٍ.

والدعاء مع النّاس سيّما إذا كان للغير سيّما الأقرباء.

والدعاء بعد قراءة القرآن سيّما سور مخصوصة كسورة الحمد والاخلاص وآيات مخصوصة كالأخير من آي سورة الحشر وسيّما آية الكرسي.

والدعاء مع رفع اليدين سيّما متختّماً بالعقيق.

والدعاء عند رقّة القلب والخضوع والتضرّع والبكاء والابتهال.

والدعاء عند الافطار سيّما في الصوم المندوب.

والدعاء عند الاذان سيّما إذا اذّن الدّاعي وبعده سيّما إذا كان للصلوات.

والدعاء بعد الوضوء إذا احدث سيّما إذا صلّى ركعتين ندباً.

وروى عن النبي (ص) انّه قال: «يَقولُ اللهُ تعالى‏: مَن أحدَثَ ولَم يَتَوَضّأْ فَقَد جَفاني، ومَن أحدَثَ وتَوَضّأَ ولَم يُصَلِّ رَكعَتَينِ فَقَد جَفاني، ومَن أحدَثَ وتَوَضّأَ وصلّى‏ رَكعَتَينِ ودَعاني ولَم اُجِبْهُ فيما سَألَني مِن اُمُورِ دِينِهِ ودُنياهُ فَقَد جَفَوتُهُ ؛ ولَستُ بِرَبٍّ جافٍ» [١٣٥]

ب: ما يرجع إلى الوقت وهو ايضاً كثير، وإليك أهمّه بحسب الشّهور والايّام والليالي والساعات.

اما الشهور فالدعاء في شهر رجب وشعبان ورمضان ليلها ونهارها، فلو قيل إن تلك الشهور هي ربيع الدعاء ليس القائل بمجازفٍ فيه.

واما الأنهار والليالي، فليالى القدر والعشر الأوّل من ذي الحجّة - سيّما يوم عرفة - والأعياد الواردة في الشريعة المطهّرة كلّها سيّما الفطر والأضحى والغدير والمبعث والجمعة وليلتها ومن المؤكّد عليه في وصايا أهل المعرفة الاهتمام بدعاء الخضر المشتهر بدعاء الكميل في ليلتها وبدعاء الندبة في صبيحتها.

واما الساعات فالسحر وبخاصّةٍ قبل طلوع الفجر وتلك الساعة أفضل ساعات الليل والنهار وبعدها بين الطلوعين، والغفلة عن هاتين الساعتين خسران لا محالة فعليك ثم عليك ثم عليك بتهجّد السحر الّذي أقسم الله تعالى به في كتابه كما وقد أوصى به بل أوصى به بالميسور ولو كان قليلًا.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا[١٣٦]

وعند الزوال وعند الغروب وبين العشائين الّتي يقال لها ساعة الغفلة ووردت فيها صلاة الغفيلة، ويقال لها ساعة الغفلة ولصلوتها غفيلة لان الشيطان يصرّ ان يغفل الإنسان فيها نعوذ بالله منه ومن اغفاله.

ج: ما يرجع إلى الأمكنة، وعمدتها مطلق المساجد وخاصّة المسجد الحرام سيّما في الكعبة وعند الحجر والمقام والحِجر والزمزم، ومسجد النبي سيّما بين المحراب والمنبر وعند قبره (ص).

والدعاء في العرفات والمشعر ومنى وعلى الصفا والمروة وعند الجمرات وليس في الأمكنة ما يعادل المشاهد المشرفة سيّما عند قبر سيّد الأحرار الحسين (ع).

والدعاء عند قبور المؤمنين سيّما العلماء وذرّيّة الائمّة (ع).

وفي الخاتمة ينبغي الالتفات إلى أمرٍ هامٍّ.

انّ غالب النّاس لا يعرفون كيفية الدعاء وهم عند أفضل الأمكنة وفي أحسن الأوقات وفي أعلى الحالات يغفلون عن الأصل ويلتفتون إلى ما لا ينبغي ان يُلتفت إليه وهو الدنيا فيتوغّلون فيها ويدعون الله ملحّاً على تحصيلها والنيل بها فيبدّلون الآخرة بها، وهذا خسرانٌ مبين!.

أليس استدعاء ما ذمّه الكريم في الذكر المبارك منه تعالى خسراناً؟!، وقد هيىّء لنا ما هو أفضل منها؟.

الا ترى ان القرآن يؤدّبنا بآدابها ويعلّمنا كيفيّتها سيّما في المواقع الخاصة.

قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[١٣٧]

ويعلّمنا انه لو أردنا الدنيا فعلينا طلب الخير منها ليكون قرّة عينٍ للداعي، لا وبالًا عليه.

قال تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[١٣٨]

وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا[١٣٩]

نعم قد ورد وجوب اتّباع أهل البيت (ع) في أدب الدعاء، والسرّ في ذلك مراعاة كيفيّتها ليحصّل الداعي على أفضل غايته وأحسنها، فدعاء الكميل وأضرابها تعلّمنا ايّاها لنستبعد عن دارالغرور ونتوجّه إلى دارالخلود. انظر إلى هذا الحديث كيف يدلّ على أن المتوغّل في الدنيا لو ألحّ على حاجته من غير أن يستفيد منهم (ع) أدبها وآدابها، فليس إلّا سخرةً لأهل القلوب، وليست دعاءه إلّاشرّاً ووبالًا عليه!.

روى انّ الله أوحى إلى نبىّ من الأنبياء في الزمن الأوّل ان لرجل في امّتة ثلاث دعوات مستجابة فأخبره بذلك فانصرف من عنده إلى بيته واخبر زوجته بذلك فالحّت عليه ان يجعل دعوة لها فرضى فقالت سل الله ان يجعلني أجمل نساء الزمان فدعا الرجل فصارت كذلك ثم إنه لمّا رأت رغبة الملوك والشبان المتنعّمين فيها متوفرة زهدت في زوجها الشّيخ الفقير وجعلت تغالظه وتخاشنه وهو يداريها ولا يكاد يطيقها فدعا الله ان يجعلها كلبة فصارت كذلك ثم اجتمع أولادها يقولون يا أبت ان النّاس يعيّرون ان امّنا كلبة نابحة وجعلوا يبكون ويسئلونه ان يدعو الله ان يجعلها كما كانت فدعا الله تعالى فصيّرها مثل الّذي كانت في الحالة الأولى فذهبت الدعوات الثلاث ضياعاً [١٤٠]

وإن تستبعد ذلك، فانظر إلى دعواتنا حتّى في الأوقات والأمكنة الخاصة، فهل ترى بينها وبين المذكور فيه من تفاوتٍ؟ كلّا! بل كثيراً ما ترى أنّها أهون منه. بل من النّاس من يسئله تعالى ما هو شرٌّ له وأضرّ بحاله، ذلك لجهله وخسرانه!، فانظر إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ[١٤١]

وقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا[١٤٢]

وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ[١٤٣]

وقال أمير المؤمنين (ع): «يا صاحب الدعاء لا تسئل ما لا يكون ولا يحلّ» [١٤٤]

وعن الهادي (ع): «سَمِعَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ رَجُلاً يَقُولُ اَللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ اَلْفِتْنَةِ قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَرَاكَ تَتَعَوَّذُ مِنْ مَالِكَ وَ وَلَدِكَ يَقُولُ اَللهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ[١٤٥] وَ لَكِنْ قُلِ اَللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مَضَلاَّتِ اَلْفِتَنِ.»[١٤٦]

وقال أمير المؤمنين (ع): «مَن سَألَ فَوقَ قَدرِهِ استَحَقَّ الحِرمانَ»[١٤٧]

فطوبى لمن لا يفعل شيئاً إلّا بعد التعقّل حوله والمحاسبة فيه، وذلك علامة العقل لانّ العاقل يتفكّر ثم يقول أو يفعل والأحمق يقول أو يفعل ثم يتفكّر فيندم عليه. هذا هو السيرة الملتزم بها بين النّاس وإن رُدعوا ونُهوا عنها بألسنةٍ مختلفة. فعلينا المحاسبته ثمّ الدعاء، ليجيب تعالى عنّا.

وعن ربيعة بن كعب قال: «قَالَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَا رَبِيعَةُ خَدَمْتَنِي سَبْعَ سِنِينَ أَ فَلاَ تَسْأَلُنِي حَاجَةً فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اَللهِ أَمْهِلْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ وَ دَخَلْتُ عَلَيْهِ قَالَ لِي يَا رَبِيعَةُ هَاتِ حَاجَتَكَ فَقُلْتُ تَسْأَلُ اَللهَ أَنْ يُدْخِلَنِي مَعَكَ اَلْجَنَّةَ فَقَالَ لِي مَنْ عَلَّمَكَ هَذَا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اَللهِ مَا عَلَّمَنِي أَحَدٌ لَكِنِّي فَكَّرْتُ فِي نَفْسِي وَ قُلْتُ إِنْ سَأَلْتُهُ مَالاً كَانَ إِلَى نَفَادٍ وَ إِنْ سَأَلْتُهُ عُمُراً طَوِيلاً وَ أَوْلاَداً كَانَ عَاقِبَتُهُمْ اَلْمَوْتَ قَالَ رَبِيعَةُ فَنَكَسَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ رَأْسَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ أَفْعَلُ ذَلِكَ فَأَعِنِّي بِكَثْرَةِ اَلسُّجُودِ. قَالَ رَبِيعَةُ وَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَسْأَلُ اَللهَ اَلْجَنَّةَ وَ أَعُوذُ بِهِ مِنَ اَلنَّارِ إِلاَّ قَالَتِ اَلنَّارُ يَا رَبِّ أَعِذْهُ مِنِّي وَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَنْ أُعطِيَ لَهُ خَمْساً لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ عَمَلِ اَلْآخِرَةِ زَوْجَةٌ صَالِحَةٌ تُعِينُهُ عَلَى أَمْرِ دُنْيَاهُ وَ آخِرَتِهِ وَ بَنُونَ أَبْرَارٌ وَ مَعِيشَةٌ فِي بَلَدِهِ وَ حُسْنُ خُلُقٍ يُدَارِي بِهِ اَلنَّاسَ وَ حُبُّ أَهْلِ بَيْتِي. قَالَ وَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: عَلَيْكَ بِالْيَأْسِ مِمَّا فِي أَيْدِي اَلنَّاسِ فَإِنَّهُ اَلْغِنَى اَلْحَاضِرُ وَ إِيَّاكَ وَ اَلطَّمَعَ فِي اَلنَّاسِ فَإِنَّهُ فَقْرٌ حَاضِرٌ وَ إِذَا صَلَّيْتَ فَصَلِّ صَلاَةَ مُوَدِّعٍ وَ إِيَّاكَ وَ مَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ وَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَتَكُونُ بَعْدِي فِتْنَةٌ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَالْتَزِمُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ اَلْخَبَرَ بِتَمَامِهِ.»[١٤٨]

وقد طال بنا البحث، ولكن لا ضير، حيث كان من أهمّ المباحث وأرفعها قدراً ومنزلةً. ثمّ نذيّله بقسطٍ ممّا ورد عن أهل العصمة (ع) لنقتدى بهم في ما هو أفضل الأعمال وأقصر الطّرق إلى جنابه تعالى.

المراجع والمصادر

  1. حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية ج٣

الهوامش

  1. سورة البقرة، الآية ١٨٦.
  2. سورة الفرقان، الآية ٧٧.
  3. بحار الأنوار، ج ١٤، ص ٣٨٤، باب ٢٦، ذيل ح ٢
  4. سورة غافر، الآية ٦٠.
  5. سورة النمل، الآية ٦٢.
  6. سورة العنكبوت، الآية ٦٥.
  7. سورة الأعراف، الآية ٥٥.
  8. سورة السجدة، الآية ١٦-١٧.
  9. سورة الكهف، الآية ٢٨.
  10. سورة الأنعام، الآية ٥٢.
  11. سورة الكهف، الآية ٢٨.
  12. سورة النور، الآية ٣٦-٣٧.
  13. سورة الأحزاب، الآية ٤١-٤٢.
  14. سورة مريم، الآية ٢-٤.
  15. حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج٣، ص ٤٠٥.
  16. بحار الأنوار، ج ٨٤، ص ١٤٨، باب ٦، ح ٢٣.
  17. سورة العنكبوت، الآية ٦٥.
  18. سورة الإسراء، الآية ٤٤.
  19. سورة المطففين، الآية ١٥.
  20. سورة الأنفال، الآية ٢٤.
  21. سورة لقمان، الآية ٢٠.
  22. سورة طه، الآية ٤١.
  23. سورة الذاريات، الآية ٥٦.
  24. سورة الحجر، الآية ٢١.
  25. سورة الروم، الآية ٣٠.
  26. سورة الفجر، الآية ٢٣.
  27. سورة الرعد، الآية ٢٨.
  28. سورة يونس، الآية ٦٢.
  29. سورة المزمل، الآية ٩.
  30. سورة المائدة، الآية ٤٤.
  31. بحار الأنوار، ج ٤٩، ص ١٢٧، باب ١٢، ح ٣
  32. سورة الأنعام، الآية ١٥٣.
  33. سورة الفاتحة، الآية ٦.
  34. سورة البقرة، الآية ٢٥٧.
  35. سورة الفاتحة، الآية ٦.
  36. سورة الرعد، الآية ٢٨.
  37. سورة يونس، الآية ٦٢.
  38. سورة الأنعام، الآية ٨١-٨٢.
  39. سورة الأعراف، الآية ٩٦.
  40. سورة النحل، الآية ٩٧.
  41. سورة الرعد، الآية ٣١.
  42. سورة الحج، الآية ٣١.
  43. سورة البقرة، الآية ١٨٦.
  44. سورة العنكبوت، الآية ٤٥.
  45. سورة الأعراف، الآية ١٦-١٧.
  46. سورة النحل، الآية ٩٩.
  47. بحار الأنوار، ج ٦٧، ص ٢٤٩، باب ٥٤، ح ٢٥
  48. سورة الأحزاب، الآية ٤١-٤٤.
  49. سورة الزخرف، الآية ٧١.
  50. سورة يس، الآية ٥٨.
  51. سورة غافر، الآية ٦٠.
  52. سورة البقرة، الآية ١٨٦.
  53. سورة غافر، الآية ٦٠.
  54. سورة البقرة، الآية ١٨٦.
  55. سورة الإسراء، الآية ١١.
  56. سورة البقرة، الآية ٢١٦.
  57. سورة النساء، الآية ١٩.
  58. سورة الكهف، الآية ٨١.
  59. سورة الأعراف، الآية ١٧٦.
  60. سورة يس، الآية ٨.
  61. سورة البقرة، الآية ١٠٥.
  62. سورة الأعراف، الآية ٥٦.
  63. سورة الأنبياء، الآية ٨٦.
  64. الكافي، ج ٨، (الروضة) ص ١٢٩، با ٨، ذيل ح ٩٨
  65. الكافي، ج ٢، ص ٤٧٤، ح ٤
  66. الكافي، ج ٢، ص ٤٠٠، ذيل ح ٩
  67. سورة المنافقون، الآية ٦.
  68. سورة المائدة، الآية ٦٧.
  69. سورة المائدة، الآية ٥١.
  70. سورة المائدة، الآية ٢٧.
  71. سورة غافر، الآية ٦٠.
  72. سورة سبأ، الآية ٣٩.
  73. الكافي، ج ٢، كتاب الدعاء، ص ٤٨٦، ح ٨
  74. سورة غافر، الآية ٦٠.
  75. بحار الأنوار، ج ١٠، ص ١٧٤، باب ١٣، ذيل ح ٢
  76. الكافي، ج ٢، ص ٢٧١، باب الذنوب، ح ١٤
  77. سورة النساء، الآية ١٠.
  78. سورة يونس، الآية ٢٣.
  79. سورة النساء، الآية ٩.
  80. سورة الفرقان، الآية ٢٣.
  81. الكافي، ج ٢، ص ٤٧٣، باب الاقبال على الدعاء، ح ١
  82. الكافي، ج ٢، ص ٤٧٣، باب الاقبال على الدعاء، ح ٢.
  83. الكافي، ج ٢، ص ٤٧٣، باب الاقبال على الدعاء، ح ٣.
  84. سورة المزمل، الآية ٨.
  85. بحار الأنوار، ج ٩٠، ص ٣٠٤، باب ١٦، ذيل ح ٣٩
  86. سورة النمل، الآية ٦٢.
  87. سورة الأنعام، الآية ٤٠.
  88. سورة الأنعام، الآية ٦٣-٦٤.
  89. سورة الفرقان، الآية ٦٧.
  90. سورة الواقعة، الآية ٤٥-٤٦.
  91. سورة الإسراء، الآية ١٦.
  92. سورة آل عمران، الآية ١١٨.
  93. سورة آل عمران، الآية ٢٨.
  94. بحار الأنوار، ج ٩٠، ص ٣٥٩، باب ٢٢، ذيل ح ١٩
  95. سورة الجمعة، الآية ١٠.
  96. سورة القصص، الآية ٧٧.
  97. سورة البقرة، الآية ٢١٤.
  98. سورة الأنعام، الآية ٤٢.
  99. سورة الأعراف، الآية ٩٤.
  100. الكافي، ج ٢، ص ٢٥٣، ح ٧.
  101. الكافي، ج ٢، ص ٢٥٥، ح ١٥
  102. الكافي، ج ٢، ص ٢٥٧، ح ٢٣
  103. الكافي، ج ٢، ص ٢٥٨، ذيل ح ٢٨
  104. مفاتيح الجنان، أواخر مناجاة الشعبانية
  105. سورة طه، الآية ١٧-١٨.
  106. سورة يونس، الآية ٨٨.
  107. سورة يونس، الآية ٨٩.
  108. سورة يونس، الآية ٨٩.
  109. الكافي، ج ٢، ص ٤٨٩، باب من أبطأت عليه الإجابة، ح ٥
  110. الكافي، ج ٢، ص ٤٨٨، باب من أبطأت عليه الإجابة، ح ١
  111. الكافي، ج ٢، ص ٤٨٩، باب من أبطأت عليه الإجابة، ح ٣
  112. الكافي، ج ٢، ص ٤٩٠، باب من أبطأت عليه الإجابة، ح ٩
  113. حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج٣، ص ٤٠٨.
  114. سورة البقرة، الآية ١٨٦.
  115. سورة البقرة، الآية ١٨٦.
  116. الكافي، ج ٢، ص ٤٨٤، ح ١
  117. الكافي، ج ٢، ص ٤٨٤، ح ٢
  118. الكافي، ج ٢، ص ٤٨٤، ح ٣ إلى ٩
  119. سورة البقرة، الآية ١٨٦.
  120. سورة غافر، الآية ٦٠.
  121. الكافي، ج ٢، ص ٤٧١، باب ان من دعا استجيب له، ح ٢
  122. الكافي، ج ٢، ص ٤٧٣، باب الاقبال على الدعاء، ح ١
  123. الكافي، ج ٢، ص ٤٧٣، باب اليقين في الدعاء، ح ١
  124. الكافي، ج ٢، ص ٥٠٥، باب الاستغفار، ح ٦
  125. الكافي، ج ٢، ص ٥٠٥، باب الاستغفار، ح ٥
  126. سورة هود، الآية ٣.
  127. سورة هود، الآية ٥٢.
  128. الكافي، ج ٢، ص ٤٧٩.
  129. سورة المائدة، الآية ٣٥.
  130. بحار الأنوار، ج ٢٥، ص ٢٢، باب ١، ذيل ح ٣٨.
  131. الكافي، ج ١، ص ١٤٤، باب النوادر، ح ٤
  132. سورة النساء، الآية ٦٤.
  133. الكافي، ج ٢، ص ٤٩١، باب الصلاة على النبي، ح ١
  134. سورة النمل، الآية ٦٢.
  135. بحار الأنوار، ج ٧٧، ص ٣٠٨، ح ١٨
  136. سورة المزمل، الآية ١-٤.
  137. سورة البقرة، الآية ١٢٧-١٢٩.
  138. سورة البقرة، الآية ٢٠١.
  139. سورة الفرقان، الآية ٧٤.
  140. بحار الأنوار، ج ٩٠، ص ٣٢٦، باب ١٨، ح ١٠
  141. سورة هود، الآية ٤٦.
  142. سورة الإسراء، الآية ١١.
  143. سورة النمل، الآية ٤٦.
  144. بحار الأنوار، ج ٩٠، ص ٣٢٤، باب ١٨، ح ١
  145. سورة الأنفال، الآية ٢٨.
  146. بحار الأنوار، ج ٩٠، ص ٣٢٥، باب ١٨، ح ٧
  147. بحار الأنوار، ج ٩٠، ص ٣٢٧، باب ١٨، ح ١١
  148. بحار الأنوار، ج ٩٠، ص ٣٢٦، باب ١٨، ذيل ح ١٠