أبو جحيفة وهب بن وهب السوائى العامري

من إمامةبيديا
(بالتحويل من وهب الخير)

نبذة

«أبو جحيفة وهب بن وهب السوائى العامري» الشهير بـ «وهب الخير». من صحابة الإمام، ومن وزراء الدولة، ومن كبار وزراء المالية. رأى رسول الله (ص) وهو لم يناهز الحلم، وسمع منه وروى عنه (ص)، وفي ذات يوم أقبل أبو جحيفة إلى مسجد رسول الله (ص)، وقد شبع طعاماً من تريد ولحم، دخل المسجد وكان رسول الله مع بعض صحابته، وفي هذه اللحظة تجشأ أبو جحيفة، ثم تجشأ ثانية وثالثة، فنظر إليه رسول الله وقال كلمته التي وعاها أبو جحيفة المراهق والتي أوحت له نهجا في حياته، نهجا لم يتركه على امتداد حياته، فلقد قال رسول الله (ص): «يَا أَبَا جُحَيْفَةَ اُكْفُفْ جُشَاكَ- فَإِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ شِبَعاً فِي اَلدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعاً يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ» كانت كلمة نافذة مضيئة –و كل كلمات رسول الله ساطعة ومضيئة - فلقد قال عون بن أبي جحيفة: «إن أبي ما أكل ملء بطنه طعاماً حتى فارق الدنيا، كان إذا تعشى لا يتغدى، وإذا تغدى لا يتعشى»[١] ليس فقط أن أبا جحيفة أضحى لا يأكل ملء بطنه متقللاً في طعامه، بل ذهب إلى أبعد من هذا، فأصبح يترك وجبة من الوجبتين في غدائه وعشائه.

قال أبو جحيفة ذات يوم الأصحابه: رأيت رسول الله وهذه – وأشار إلى العنفقة - منه بيضاء. وهنا سأل أحد أصحاب أبي جحيفة مستفهما عن عمره يومئذٍ فقال: «مثل من أنت يومئذٍ يا أبا جحيفة». فقال: «اُبري النبل وأريشها»[٢].

وكان أبو جحيفة ذا شخصية مرموقه يتمتع بخصائص نفسية كبرى: من حلم وتُقى وعفة نفس، مضافاً إلى أنه كان يتمتع بثقافة اسلامية واسعة وخاصة في مجال الحساب والرياضيات، ومن منطلق هذه الخصائص وضعه الإمام في دولته في منصب المالية كوزير ومحاسب[٣] وشهد أبو جحيفة المعارك التي خاضها الإمام (ع) في دولته. علما أن أبا جحيفة اشترك في هذه المعارك قائداً لبعض فيالق الجيش، ومجاهداً ومطيعاً لقائده الأعلى، ومنفذاً لكل بنود تعاليم الإمام (ع)[٤].

وكان هناك تقارب نفسي بين أبي جحيفة وبين إمامه، ومن منطلق هذا التقارب أحبه الإمام واشتاق اليه كلما غاب عنه. أكرم بهذا التعاطف وهذا اللقاء النفسي والفكري، بل كان الإمام (ع) يناديه ب «وهب الخير»، أو «وهب الله»[٥]. وهذا تعبير عن سيرة أبي جحيفة وسلوكه الطيب، وتجاوبه مع الدولة ومع متطلباتها، وفي نفس الوقت تعبير عن اخلاص أبي جحيفة للامام، وأنه وضع كل امكانياته ومواهبه في خدمة الدولة، وفي خدمة قائدها العظيم. ثم إن أبا جحيفة عاش بعد استشهاد الإمام زاهداً قانتا وداعيا إلى الله بالأسوة والقدوة إلى أن توفى عام ٧٢ ه.

قال أبو جحيفة: سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول: «إِنَّ أَوَّلَ مَا تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ اَلْجِهَادِ اَلْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ ثُمَّ بِأَلْسِنَتِكُمْ ثُمَّ بِقُلُوبِكُمْ فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ بِقَلْبِهِ مَعْرُوفاً وَ لَمْ يُنْكِرْ مُنْكَراً قُلِبَ فَجُعِلَ أَعْلاَهُ أَسْفَلَهُ»[٦].

إن الإمام في كلمته هذه كان ينظر إلى المستقبل نظرة مستشفة واضحة. إن الإمام من خلال دراسته لاحداث عصره، وممارسته للقيادة السياسية، وبصفته في قمة الدولة كان يرى الاحداث قبل وقوعها، ويرى مسار السياسة بعده السياسة المبتنية على أساس الجشع والكيد والمؤامرة والحروب الظالمة والدهاء، السياسة التي تسير وفق المطامع والأهواء والميول النفسية، والانحراف عن محور الاسلام. إن الإمام كان ينظر إلى السياسة بعد استشهاده، السياسة التي سيستولى عليها رجال السياسة المكيافيلية.

إن الإمام في كلمته رسم صورة السياسة في المستقبل، فإن السياسة ستملي على أصحابها أن يتخذوا الاستعمار بدل الجهاد، فالمعارك ستقع ولكن للاستعمار لا جهاداً في سبيل كلمة الاسلام، والألسنة ستدعو، ولكن لا للإسلام، بل ستدعو لاتباع سياسة الدولة ومنهاجها الجاهلي المنحرف، والقلوب ستستنكر وستتعرف، ولكن ستستنكر الأعلام المعروفة، والتعاليم النبوية السليمة، ولا تستنكر المنكر، ولا الأوضاع الجاهلية البعيدة عن روح الاسلام وتعاليمه السمحة، وستتعرف على المنكرات على أنها شيء معترف به، ومقبول لدى الجميع، ولكن لا تتعرف على المعروف، على الرسالة السليمة، على الخط السليم، على المنهاج المستقيم. والقلب الذي من وظيفته التمييز بين الحسن والقبيح وبين الخط الاسلامي، والخط الجاهلي، وبين المنهاج السليم والمنهاج المنحرف، وبين السياسة المستقيمة والسياسة المنحرفة؛ إنّ هذا القلب تحت ظل السياسة المنحرفة، والتربية الاجتماعية السقيمة سيفقد خصائصه فيعرف المنكر وينكر المعروف، ويقبل المنكر على أساس أنه معروف وينكر المعروف على أساس أنه منكر، وإن هذا القلب يقلب رأساً على عقب.

ولقد شاهد أبو جحيفة بعد استشهاد الإمام أمير المؤمنين (ع) وفي خلال ٣٢ عاماً هذه القلوب النكراء تماما كما شاهد الاحداث الموضوعية المنكرة، والتي قبلتها القلوب على أساس أنها احداث مقبولة ومعترف بها في الدولة وفي المجتمع؛ إنّ استشهاد الإمام الحسين (ع)،، واستشهاد الإمام الحسن (ع)، وسب الصالحين وسيدهم على منابر المسلمين في شتى بلدان المسلمين أو كما يقولون البلدان الاسلامية، واحداث «الحرة» الأليمة، واستهداف الكعبة رمياً بالمنجنيق، واخضاع الكفار واستعمار بلدانهم في سبيل إثراء خزينة الدولة، وسلب أموال الكفار باسم الجزية، لا اخضاع الكفار والوثنيين في سبيل ان يدخلوا في الاسلام، رغم أنهم كانوا يستبقون ويعتنقون الاسلام عن حب وايمان، ولكن سياسة الدولة كانت تفرض عليهم ان يبقوا على مذاهب الوثنية حتى تتمكن من أخذ الأتاوات منهم.

إنها أمثلة عن المنكر، ويمكن اضافة عشرات الأمثلة إليها حتى تكون كلمة الإمام أمير المؤمنين (ع) مسفرة، سفور الصبح عن الليل، وسفور الفجر عن العتمة إنها أمثلة انصاع لها المجتمع يوم ذاك على أساس أنها أعراف الدولة والمجتمع، ولم يستنكر تلك الأمثلة إلا القلة القليلة، وفي بلدان مختلفة.

والجدير بالذكران أبا جحيفة شاهد عن كتب هذه الأمثلة المارة أعلاه ولمسها. وإن أبا جحيفة لم يسرد كلمة الإمام لأصدقائه وذوى عشرته إلا ليثبت لهم صدى كلمة الإمام، صداها في الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية المعاصرة.

ابن الأثير بسنده عن عون بن أبي جحيفة، عن أبي جحيفة قال: نزل رسول الله بالأبطح، فجاء بلال فأذنه بالصلاة فتوضأ - رسول الله (ص) – وجعل الناس يأتون، فصلى رسول الله ركعتين والظعن يمرون بين يديه، والمرأة، والحمار.

و خلف أبو جحيفة ابنه «عوناً» الذي روى الحديث الأنف الذكر.

الطوسي عد «أبا جحيفة» من أصحاب أمير المؤمنين (ع)[٧]. وذكره الطوسي في باب الواو فقال: وهب بن عبد الله السوائي يكنى أبا جحيفة[٨].

العلامة الحلي: من أولياء أمير المؤمنين (ع): «أبو جحيفة - بضم الجيم -»[٩].

وقال العلامة الحلي أيضاً: من أولياء أمير المؤمنين (ع): وهب بن عبد الله السوائي[١٠] بالسين المهملة[١١].

ابن داوود: أبو جحيفة - بضم الجيم - وهب بن عبد الله السوائي بالسين المهملة ي [جخ] [١٢] من خواصه (ع) [١٣].[١٤]

المراجع والمصادر

  1. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ج١

الهوامش

  1. الاستيعاب ٤: ٣٦ - ٣٧، أسد الغابة ٥: ١٥٧.
  2. حلية الأولياء ٤: ٣٤٥.
  3. يراجع أسد الغابة ٥: ١٥٧، الاستيعاب ٤: ٣٦ – ٣٧.
  4. أسد الغابة ١٥٧:٥، الاستيعاب ٣٦:٤ - ٣٧. (٤) نفس المصدرين: أسد الغابة ٥: ١٥٧؛ الاستيعاب ٤: ٣٦ - ٣٧.
  5. أسد الغابة ٥ : ١٥٧؛ الاستيعاب ٤: ٣٦ - ٣٧.
  6. مصادر البلاغة ٤: ٢٧٦، الهامش.
  7. رجال الطوسى ٦٤: ٢٦.
  8. رجال الطوسى ٦١: ١.
  9. رجال العلامة ١٩٣.
  10. في المطبوع: السواني والظاهر إنه خطاء مطبعي.
  11. رجال العلامة ١٩٣.
  12. ي، جخ، يعني: مذكور في رجال الشيخ الطوسي في أصحاب علي (ع).
  13. رجال ابن داوود ١٤: ٢١٥.
  14. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ١٠٦- ١١١.