الإنسان في القرآن
التّوفيق بين الآيات الّتي تخصّ الإنسان
انّ للذكر الحكيم لسانين بالنّسبة إلى الإنسان، لسان المدح من جانبٍ حتّى يعدّه اتمّ واشرف من سائر المخلوقات كما تشير اليه هذه الآية: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾[١]
ولسان الذمّ من جانب آخر حتّى يقول: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾[٢]
فمن نظر إلى الآية الأولد وامثالها له ان يقول انّ الإنسان سعيد بالفطرة، ومن نظر إلى الثّانية واترابها له ان يقول انّه شقي بالفطرة، ولكن التّحقيق انّ الإنسان مركّب من الرّوح والجسد، فهو من حيث الرّوح سعيد في غاية السعادة كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾[٣]
كما انّه من حيث الجسد شقّي جداً، قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾[٤]
وقد جمع الله تعالى جانبي المدح والذّم في آية واحده وهي شاهدة للجمع بين الآيات كلّها وهو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾[٥]
فمن وفقه تعالى وايّده حتّى سلّط على النّفس الامّارة وروّضها اصبحت تلك النّفس براقاً لمعراجه وهذا سرّ ما يُرى في غالب الآيات الذّامّة للإنسان انّه قد استثنى هؤلاء الافراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾[٦] ومن لم يوفّقه الله ولم يروّض نفسه فيسقط درجة درجة حتّى يصل إلى اسفل سافلين فتشمله هذه الآية: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾[٧]
فللإنسان وبفضل التدرّج في المنازل من التّوبة واليقظة والتّخلية والتّحلية والتّجلية ان يصل إلى مقام اللّقاء الّذي جاء ذكره في التنزيل العزيز أكثر من عشرين مرّة.
يظهر من القرآن انّ النّظم وهيمنة الإرادة الإلهيّة تسود عالم الوجود، قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾[٨]
وقال تعالى في الملَك خاصّة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾[٩]
وفي الحيوانات: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾[١٠]
ولكنّ الإنسان وان كان خاضعاً للنظم المشار اليه آنفاً من حيث الجسم الّاانّه من حيث الرّوح استثني عن الموجودات وقد قال تعالى في حقّه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾[١١] فهو المخيّر لاختيار السّعادة او الشّقاء، فله ان يصعد في المنازل الصّعوديّة حتّى يصل إلى ما لا يعلمه الّا الله تعالى والى مقام لا يرى فيه سواه، وذلك كله بارادته من غير جبر فيه.
كما له أن يسقط في المنازل النّزوليّة حتّى يصير مصداقاً لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾[١٢].[١٣]
وهذا الاختيار هو الّذي يجعله موضوع علم الأخلاق كما يجعله مكلّفاً بالتّكاليف الشّرعيّة والعقلانيّة والعرفيّة.[١٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة الحجر، الآية ٢٩.
- ↑ سورة العصر، الآية ١-٢.
- ↑ سورة الشمس، الآية ٧-٨.
- ↑ سورة يوسف، الآية ٥٣.
- ↑ سورة التين، الآية ٤-٥.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ٢٢٧.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٢٢.
- ↑ سورة فصلت، الآية ١١.
- ↑ سورة التحريم، الآية ٦.
- ↑ سورة هود، الآية ٥٦.
- ↑ سورة الإنسان، الآية ٣.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٧٩.
- ↑ الاعراف/ ١٧٩.
- ↑ حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج١، ص ٤٥.