البَرُّ في نهج البلاغة
تمهيد
«البَرُّ»: ما انبسط من سطح الأرض ولم يغطه الماء، وجمعه: برور. وسمي البر برا لاتساع الخير به.
قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾[١]. أي ظهر الجدب في اليابسة، والقحط في البحر؛ أي في المدن التي تقع على سواحل البحار، وعلى ضفاف الأنهار.
والبَرُّ: مصدر فعل بَرّ، فهو يدل على التوسع في الإحسان والخير، نحو: بَرّ فلانٌ والديه: توسع في الإحسان إليهما، ووصلهما، وبر اليمين إذا صدق، ويراد به الصدق في اليمين، فهو بارٌّ، والجمع: بررة، وهو بَرٌّ، والجمع: أبرار، وهي بَرَّةٌ وبارّةٌ[٢].
قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾[٣]. أي لا تجعلوا الله لأجل حلفكم به حاجزا عن صلة الرحم، وحسن المعاملة، والتقوى والصلاح[٤].
وقال تعالى: ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً﴾[٥].
والبَرُّ: من أسماء الله الحسنى، ومعناه المتوسع في الإحسان والخير إلى عباده، العطوف عليهم بلطفه.
قال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾[٦].
وبَرَّ الله عبادهَ: رَحِمَهم، وبَرَّهم أصلح حالهم وبر الله حجه: قَبِلَهُ، ويقال: حج مبرور؛ أي لم يخالطه شيء من المآثم.
من تحذيره(ع) من تعلم النجوم: «إِيَّاكُمْ وَ تَعَلُّمَ النُّجُومِ إِلَّا مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ؛ فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ»[٧].
بعد أن نهى الإمام(ع) عن الأخذ بالنجوم، استثنى من ذلك ما يهتدى به في بر أو بحر في الأسفار، وفي البلاد، وفي معرفة القبلة؛ لأن النجوم دليل الإنسان في الليالي المظلمة.
ومن رده(ع) على طلب معاوية تسليمه قتلة عثمان: «وَ أَمَّا مَا سَأَلْتَ مِنْ دَفْعِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ إِلَيْكَ فَإِنِّي نَظَرْتُ فِي هَذَا الْأَمْرِ فَلَمْ أَرَهُ يَسَعُنِي دَفْعُهُمْ إِلَيْكَ وَ لَا إِلَى غَيْرِكَ وَ لَعَمْرِي لَئِنْ لَمْ تَنْزِعْ عَنْ غَيِّكَ وَ شِقَاقِكَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ عَنْ قَلِيلٍ يَطْلُبُونَكَ لَا يُكَلِّفُونَكَ طَلَبَهُمْ فِي بَرٍّ وَ لَا بَحْرٍ»[٨].
أي إنّ أُولئك القوم الذين تريدهم لتغلبهم وتقهرهم، لن يكلفوك مشقة الطلب والسعي في أي مكان في برّ أو بحر؛ لأنهم سيطلبونك مقاتلين.
ومن وصيته(ع) لمالك الاشتر بالتجار خيرا: «ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وَ ذَوِي الصِّنَاعَاتِ وَ أَوْصِ بِهِمْ خَيْراً الْمُقِيمِ مِنْهُمْ وَ الْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ وَ الْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ وَ أَسْبَابُ الْمَرَافِقِ وَ جُلَّابُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَ الْمَطَارِحِ فِي بَرِّكَ وَ بَحْرِكَ»[٩].
«الْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ»: المتردد بين البلدان بأمواله لأجل التجارة بها، «الْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ»: المكتسب بعمله، «مَوَادُّ الْمَنَافِعِ»: أصولها، و«الْمَطَارِحِ»: الأماكن البعيدة.
ومن رده(ع) على الخوارج عندما سمع قولهم: لا حكم إلا لله: «وَ إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ وَ يَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ وَ يُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الْأَجَلَ. وَ يُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ وَ يُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ وَ تَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ وَ يُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ؛ حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ وَ يُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ»[١٠]. «البَرّ»: جمعه أبرار؛ وهو المحسن الخير.
وفي رواية أخرى: أنه(ع) لما سمع تحكيمهم قال: «حُكْمَ اللَّهِ أَنْتَظِرُ فِيكُمْ» وقال: «أَمَّا الْإِمْرَةُ الْبَرَّةُ فَيَعْمَلُ فِيهَا التَّقِيُّ وَ أَمَّا الْإِمْرَةُ الْفَاجِرَةُ فَيَتَمَتَّعُ فِيهَا الشَّقِيُّ إِلَى أَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ وَ تُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ»[١١].
«الْبَرَّةُ»: الصالحة[١٢].[١٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة الروم: ٤١.
- ↑ المعجم الكبير، ج٢، ص٢١٤.
- ↑ سورة البقرة: ٢٢٤.
- ↑ معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج١، ص٩١.
- ↑ سورة مريم: ١٤.
- ↑ سورة الطور: ٢٨.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٧٩.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٩.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٤٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٤٠.
- ↑ ينظر: معجم مفردات نهج البلاغة، ج١، مادة: «أمير».
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ١٤٧.