آية القربى
تمهيد
آية القربى من الآيات التي تدلّ على إمامة أهل البيت بعد رسول الله (ص) قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾[١]
تفيد هذه الآية أنّ مودّة ذوي قربى الرسول (ص) واجبة وأنّ الله سبحانه جعلها أجراً لرسالة رسول الله (ص)، وكونها أجراً لرسالة الرسول يدلّ على أنها تعادل في أهميتها وقدرتها ومنزلتها أصل رسالة الرسول (ص) فإنّ أجر العمل لابدّ أن يكون معادلًا للعمل في القيمة والاستحقاق، وإلّا لم يكن أجراً عادلًا وحاشا للَّهسبحانه وتعالى أن يعيّن لأهم الأشياء في الكون وهو رسالة النبيّ الخاتم أجراً غير عادل، وإذا تأمّلنا آيات أُخرى من القرآن استطعنا أن نفهم حقيقة المراد من هذا الأجر، قال سبحانه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾[٢]
ففي هذه الآية تصريح بأنّ الأجر الذي جعله الله سبحانه على رسالة نبيّه ليس إلّا سبيلًا إلى الله تعالى ونجد في آية أُخرى وصف القرآن بأنه سبيل إلى الله إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾[٣].
فقد جعل القرآن ذوي قربى الرسول عِدلًا للقرآن الكريم فكلاهما سبيل الى الله سبحانه كما أنّ الرسول سبيل الى الله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾[٤].
وممّا يلفت النظر في هذه الآيات الأخيرة، أنّها دلّت على أنّ الخِلّة والمودّة هي التي تعيّن السبيل الذي يتّخذه الإنسان فإنّ الآيات تحكي حسرة الظالم وندامته على عدم اتّخاذ السبيل مع رسول الله، وعبّرت عن ذلك باتّخاذ غيره خليلًا، فخلّة غير الرسول تعني هنا اتّخاذ هذا الغير قائداً وإماماً، فدلّت على أنّ الخلّة والمودّة تعني التبعية والاقتداء، فلا نهاية لحسرة الظالم يوم القيامة على اقتدائه بغير الرسول واتخاذه خليلًا وسبيلًا. ومهما يكن من أمر فإنّ آيات القرآن لا تترك مجالًا للشكّ والريب في أنّ المقصود بمودّة ذي القربى هي اتخاذهم سبيلًا إلى الله أيالاقتداء بهم والحذو حذوهم واتخاذهم أئمّة مطاعين في ما يأمرون وينهون، شأنهم شأن رسول الله في وجوب الطاعة والاقتداء.
وممّا يعين المتدبّر على فهم مراد القرآن في آية القربى، الآية التي نزلت بشأن النصّ على إمامة عليّ يوم الغدير، قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾[٥].
وقد تواترت الأحاديث الصحيحة بشأن نزولها يوم غدير خم تأمر رسول الله بإبلاغ إمامة عليّ (ع) في ملأ المسلمين- وسوف نأتي إلى ذكر هذه الآية والحديث عنها بعد قليل- فإنّنا نجد في هذه الآية أنّ الله سبحانه وتعالى جعل إبلاغ إمامة عليّ (ع) مساوياً لإبلاغ رسالة الله كلها، إذ أكّدت الآيه أنّ الرسول إن لم يبلّغ إمامة عليّ فإنّه لم يبلّغ رسالة الله سبحانه وتعالى، كما وجدنا في آية مودّة القربى وآية السبيل أنّ مودّة القربى جعلت أجراً لرسالة الرسول معادلًا لها وجعلت سبيلًا إلى الله سبحانه، فكانت مودّتهم والسبيل إلى الله أمراً واحداً كما أنّ مودّة فلان- وهو غيرهم- كانت إعراضاً عن سبيل الله والرسول وموجبة لحسرة الظالم يوم القيامة وأسفه الذي لا يكاد يجديه.
ثمّ إنّ المقصود بالقربى حسب الروايات الصحيحة المتواترة بين المسلمين واتفاق كلمة أهل العلم منهم، عليّ وفاطمة والحسن والحسين، قال الأميني في الغدير: أخرج أحمد في المناقب، وابن المنذر وابن أبيحاتم والطبراني وابن مردويه والواحدي والثعلبي وأبو نعيم والبغوي في تفسيره، وابن المغازلي في المناقب بأسانيدهم عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ فقال: «علي و فاطمة و ابناهما»[٦].
ثم إن ممّا تجدر الإشارة إليه هو أنّ هذا الأجر ليس من قبيل الأجر الذي يأخذه الناس فيما تعارف بينهم على ما يقدّمونه من خدمة لغيرهم، بل هو أجر بمعنى الثمرة والنتيجة، فإنّ أجر الزارع الذي يزرع الأرض، والفلاح الذي يسقي الشجرة ويرعاها، إنّما هو الثمرة التي يؤتيها ذلك الزرع أو التي تؤتيها الشجرة، والنتيجة المرجوّة من كلّ عمل وجهد هو الأجر الحقيقي الذي ينال العامل من جهده، فالأجر الذي ذكرت الآية إنّما هو أجر بهذا المعنى كما يدلّ عليه معنى السبيل، فحاصل المراد من آية القربى: أنّ أجر الرسالة هو أن يستجيب المؤمنون لدعوة الرّسول (ص) في اتّباع سبيل الله سبحانه والثبات عليه باتّباعهم لأهل بيته بعده واطاعتهم لهم ولكي تثمر جهود رسول الله بقيام العدل في وجه البسيطة كلّها وانتشار الهدى الإلهي في عامّة الأرض وتحقّق وعد الله سبحانه إذ قال: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾[٧]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾[٨]. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾[٩].
هذا كلّه من نتاج جهود رسول الله في الحياة الدنيا وأما في الأُخرى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَ كَفى بِاللهِ عَلِيماً﴾[١٠].
ولكون هذا الأجر أجراً يعود إلى المؤمنين أنفسهم لا إلى الرسول بشخصه فقد أكّد القرآن العظيم أنّ هذا ليس أجراً من ذلك النوع الذي ألفه الناس بينهم والذي يعود نفعه إلى العامل الأجير فجاءت الآية لتنفي أن يتّخذ الرسول أجراً على رسالته من هذا النوع من الأجر فقال سبحانه وتعالى: {نص قرآني|قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ}}[١١]. وقال سبحانه وتعالى مفسّراً وموضّحاً هذا الأجر الذي أبى رسول الله أن يسألهم إيّاه: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾[١٢].[١٣]
- ↑ سورة الشورى، الآية 23.
- ↑ سورة الفرقان، الآية 57.
- ↑ سورة المزمل، الآية 19.
- ↑ سورة الفرقان، الآية 27-29.
- ↑ سورة المائدة، الآية 67.
- ↑ راجع للتفصيل كتاب الغدير: 2/ 306 وما بعدها.
- ↑ سورة النور، الآية 55.
- ↑ سورة الأعراف، الآية 96.
- ↑ سورة التوبة، الآية 33.
- ↑ سورة النساء، الآية 69-70.
- ↑ سورة الأنعام، الآية 90.
- ↑ سورة الطور، الآية 40.
- ↑ محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم، ص120-125.