الأثر في نهج البلاغة

التعريف

الأثر: نتيجة الشيء، وهو الحاصل من الشيء، وبمعنى ما بقي من رسم الشيء، والعلامة؛ وهي السمة الدالّة على الشيء، وفي المثل: «لا تطلُبْ أثراً بعد عين» يُضرب لمن ترك شيئاً رآه، ثمّ تبع أثره بعد فوته، ويقال: جاء في أثَرَهِ: في عقبهِ، وعلى الأثر: أي في الحال، وأصبح أثراً بعد عَيْنٍ: فني، أو زال تماماً، والأثر: التأثير، أو التأثّر، إحساس، أو شعور، أو انطباع، نحو الأثر الباقي في القلب.

وقالوا: الأثَرُ هو ما يؤثِّرُهُ الرَّجُلُ بقدمِهِ في الأرض، وكذا كُلّ شيء مؤثّرٌ، يقال: جئتك على أثَرِ فلانٍ، كأنّك جئته تطأ أثَرَهُ[١].

ويشبّه به كلّ ذي نصاعة نقيّة، كلمعان السيف ورونقه؛ وهو أثر جودته، وماء الوجه ورونقه أيضاً؛ وهو أثر بهجته، أو تنعّمه.

والأثَر: ما خلّفه السابقون، والخبر المروي، والسنّة الباقية، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ[٢].

أي ما قدّموه من الأعمال، وسنّوهُ بعدهم من السُّنَنِ، فعُمِل بها. وكقوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ[٣].

أي وأتبعنا بالإرسال على آثار من ذكرناهم من الأنبياء برسل آخرين إلى قوم آخرين، ورسولاً بعد رسول، والمراد ب‍ ‍الآثار الدعوة إلى التوحيد والإسلام.

ويستعار الأثر للأجل؛ لأنّه يَتْبَع العمر، قال زهير: والمَرْءُ ما عاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أمَلٌ لا يَنْتَهي العُمْرُ حتّى يَنْتهي الأثَرُ[٤]

وفي الحديث: «من سَرَّهُ أن يَبْسُطَ الله رِزقه ويَنْسأ في أثَرِه، فَليَصِلْ رَحِمَهُ» وقال ابن الأثير: وأصله من أثّر مَشْيه في الأرض، فإنّ من مات لا يَبْقى له أثَرٌ، ولا يُرى لأقدامِهِ في الأرض أثَرٌ[٥].

قال(ع) في علم الباري سبحانه: «عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ، وَنَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ، وَخَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ، وَعُقَدِ عَزِيمَاتِ الْيَقِينِ، وَ أَثَرِ كُلِّ خَطْوَةِ، وَحِسِّ كُلِّ حَرَكَةٍ»[٦].

أي ما رسم من المشي على الأرض. العبارات مترابطة الأفكار في تسلسلها وفي حسن تنسيقها تجسّد الجو العام وتستقصي المعنى المراد الذي أحكم أطراف الخطاب من خلال انتقاء الألفاظ الكثيفة الدلالات والايحاءات.

ومن حديثه(ع) عن المنافقين: «لَا يَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِيٍّ، وَلَا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ»[٧].

أي أنّهم لا يتّبعون تعاليم الوحي التي يبلّغهم بها الأنبياء، ولا يقتدون بالأوصياء بعد الأنبياء.

وفيه فنّ الجمع؛ إذ جمع بين حالين في حكم واحد، مع أنّه لا ينفكّ أحدهما عن الآخر.

ومن حديثه(ع) عن فناء الدنيا: «وَلَا يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْمَاً إلّابِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أجَلِهِ، وَلَا يَحْيَا لَهُ أَثَرٌ إلّاإذَا مَاتَ لَهُ أَثرٌ»[٨].

أي: بقية. الطباق بين «الحياة» و«الموت» وبين «الإعمار» و«الهدم»؛ جسّد حالة التوازن في هذه الدنيا التي تمثل سمة من سمات الكون الوسيع المرتبط بقضايا الهدم والبناء والخلق والفناء، وغيرها.

وفي النص أُسلوب التوكيد بالقصر بالنفي والاستثناء.

ومن وصفه(ع) لشدّة ملازمته وارتباطه برسول الله(ص): «وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ»[٩].

أي عَقَبَ اُمِّهِ. فهو لم يفارقه مذ فتح عينيه على نور الرسالة حتى وفاته(ص).

وممّا كتبه(ع) للأشتر النَخَعي: «وَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ مَا مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَكَ مِنْ حُكُومَةٍ عَادِلَةٍ، أَوْ سُنَّةٍ فَاضِلَةٍ، أَوْ أَثَرٍ عَنْ نَبِيِّنَا(ص)»[١٠].

أي خبر مروي أو حديث؛ أي أن تذكر كلّ ذلك، واعمل مثل ما رأيتنا، واحذر التأويل حسب الهوى.

وممّا كتبه(ع) للأشتر النَخَعي أيضاً: «وَأَنَا أَسْأَلُ اللهَ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَةٍ، أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكَ لِمَا فِيهِ رِضَاهُ مِنَ الْإِقَامَةِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَيْهِ وَإِلَى خَلْقِهِ، مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ في الْعِبَادِ، وَجَمِيلِ الْأَثَرِ في الْبِلَادِ»[١١].

أي انطباع جميل تظهر آثاره على تلك البلاد. وبين «رَحْمَتِهِ» و«قُدْرَتِهِ» وبين «الْعِبَادِ» و«الْبِلَادِ» سجع متوازٍ من خلال هذا الايقاع يسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء قدرته على كل خير أن يوفقه للقيام بحقوقه تعالى وحقوق عباده وأن يكون محموداً عنده وعندهم[١٢].

ومن كتابه(ع) لعمرو بن العاص: «فَإِنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ دِينَكَ تَبْعاً لِدُنْيَا امْرِئٍ ظَاهِرٍ غَيُّهُ، مَهْتُوكٍ سِتْرُهُ، يَشِينُ الْكَرِيمَ بِمَجْلِسِهِ، وَيُسَفِّهُ الْحَلِيمَ بِخِلْطَتِهِ، فَاتَّبَعْتَ أَثَرَهُ وَطَلَبْتَ فَضْلَهُ اتِّبَاعَ الْكَلْبِ لِلضِّرْغَامِ يَلُوذُ إلى مَخَالِبِهِ، وَيَنْظُر مَا يُلْقِي إلَيْهِ مِنْ فَضْلِ فَرِيسَتِهِ»[١٣].

شبّه اقتفاء اثره له باتباع الكلب للأسد تحقيراً له وتنفيراً، ووجه الشبه الذلّة والحقارة؛ للطمع فيما يعطيه من فضله، وانتظار ذلك منه، فحذف وجه الشبه والأداة، وهذا ما يسمّى ب‍التشبيه البليغ، والغرض منه التشديد والتأكيد في تقريب المشبّه من المشبّه به؛ لأنّ حذف الأداة يوهم تساوي الطرفين في القوّة وعدم تفاضلهما، وحذف الوجه يوحي بأنّهما متشابهان في كلّ صفاتهما المناسبة، ويفسح المجال في الخيال لتصوّر هذه الصفات.

وقال(ع) في كيفية معرفة الله تعالى: «وَأَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ، وَعَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ»[١٤].

«آثَارُ حِكْمَتِهِ»: دلائل حكمته. وهذا بيان لإمكان معرفته تعالى بآثاره وما خلقه من هذا العالم؛ فإنّه سبحانه أرانا من ملكه العظيم - الذي خلقه بقدرته - ما يدلّ على معرفته[١٥]. وبين «قُدْرَتِهِ» و«حِكْمَتِهِ» سجع متوازٍ لبيان أنّ هذه الكائنات بنظامها وسيرها، لها غاية مقصودة، وهي حجة واضحة لله على من أنكر وعاند[١٦].

ومن ذمّه(ع) للكِبَر: «وَأمّا الْأغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرَفَةِ الأُمَمِ فَتَعَصَّبوا لِآثارِ مَوَاقِعِ النِّعَمِ»[١٧].

«آثار مَوَاضِعِ النِّعَمِ»: ما ينشأ عنها من التعالي والتكبّر.

ومن حديث له(ع) لمّا بويع في المدينة: «وَالطَّرِيقُ الْوُسْطى هِي الْجَادَّةُ عَلَيْهَا بَاقِي الكِتابِ وَ آثَارُ النُّبُوَّةِ...»[١٨].

أي الطريق الوسطى التي بقيت عليها آثار النبوّة التي بها يستدلّ على وجود النبيّ(ص) وكون كلّ ما أتى به من الله تعالى.

وقال(ع) في حمده سبحانه: «الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَظْهَرَ مِنْ آثَارِ سُلْطَانِهِ، وَجَلَالِ كِبْرِيَائِهِ مَا حَيَّرَ مُقَلَ الْعُقُولِ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ»[١٩].

أي أظهر من العلامات التي توصل إلى الحقائق الربانية.

ومن كلامه(ع) في الزهد والاستعداد للموت: «وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ: أَنَّكُمْ وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ - مِنْ هذِهِ الدُّنْيَا - عَلَى سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضَى قَبْلَكُمْ مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَارَاً، وَأَعْمَرَ دِيَارَاً، وَأَبْعَدَ آثَاراً»[٢٠].

«آثَارَاً»: اخباراً، أو تأثيراً. وبين «أعْمَارَاً» و«دِيَارَاً» و«آثَارَاً» سجع مرصّع يعكس تلاحق صوره وتصاعد معانيه؛ على نحو تتناسب فيه حلاوةً في الوقع والجرس.

وقوله(ع) تخويفاً لهول الموت: «فَكَأَنْ قَدْ أَتَاكُمْ بَغْتَةً فَأَسْكَتَ نَجِيَّكُمْ، وَفَرَّقَ نَدِيَّكُمْ، وَعَفَّى آثَارَكُمْ»[٢١].

أي زالت وانمحت بقيّتكم، فلم يبقَ لكم من علامة تدلّ عليكم. وفي «نَجِيَّكُمْ» و«نَدِيَّكُمْ» سجع متوازٍ، ليجسّد التخويف بذكر لوازمه المخوفة وهو اسكات المتناجين واذهالهم عن الكلام، وتفريق المجتمعين.

وقال(ع) في معرض حديثه عن اغتصاب أبي بكر لفدك: «وما أَصْنَعُ بفَدَكٍ وغَيْرِ فَدَكٍ، وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا في غَدٍ جَدَثٌ تَنْقَطِعُ في ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا، وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا»[٢٢].

«آثارها»: حركاتها وأفعالها، أو أحاديثها. والجدث: القبر. وبين «آثَارُهَا» و«أخْبَارُهَا» فنّ السجع المتوازي الذي كنّى(ع) من خلاله عن زهده في هذه الحياة وما يقابله من استحواذ الآخرين عليها.

ومن حديثه(ع) عن الماضين: «وَلَئِنْ عَمِيَتْ آثَارُهُمْ، وَانْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ، لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ أَبْصَارُ الْعِبَرِ»[٢٣].

أي لم يبقَ منهم أثر يدلّ عليهم، فزالت آثارهم تماماً. وبين «آثَارُهُمْ» و«أخْبَارُهُمْ» سجع متوازٍ زيّنته الاستعارة المكنيّة في «أبْصَارُ الْعِبَرِ» لتوضيح صور ما في تلك القبور، وما يجري عليها، والتي عجز الأحياء عن اكتشاف حالها عن طريق الحسّ والخبر، فالبصائر الواعية هي التي تخبر عن أحوالهم، وتحكي مصيرهم، وتقرأ ما يجري لهم في تلك المواطن الرهيبة المخوفة؛ تقرأها من لسان الحال، دون المقال.[٢٤]

المراجع والمصادر

  1.   السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱

الهوامش

  1. ينظر اللسان، والمفردات، والمصباح المنير، مادّة: (أثر)؛ التعريفات، ص٧.
  2. سورة يس، الآية ١٢.
  3. سورة المائدة، الآية ٤٦.
  4. ينظر تاج العروس، مادّة: (أثر)؛ وفي ديوان زهير، ص٢٢٩: لا تنتهي العين.
  5. النهاية في غريب الحديث والأثر، ج١، ص٢٣؛ والحديث في صحيح البخاري: كتاب الأدب.
  6. نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
  7. نهج البلاغة، الخطبة ٨٨.
  8. نهج البلاغة، الخطبة ١٤٥.
  9. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
  10. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
  11. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
  12. في ظلال نهج البلاغة، ج٤، ص١٢٢.
  13. نهج البلاغة، الكتاب ٣٩.
  14. نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
  15. شرح النهج، الموسوي، ج٢، ص٦٥.
  16. في ظلال نهج البلاغة، ج٢، ص٩.
  17. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
  18. نهج البلاغة، الخطبة ١٦.
  19. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٥.
  20. نهج البلاغة، الخطبة ٢٢٦.
  21. نهج البلاغة، الخطبة ٢٣٠.
  22. نهج البلاغة، الكتاب ٤٥.
  23. نهج البلاغة، الخطبة ٢٢١.
  24. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ٦٠-٦٥.