السنة الهجرية الخامسة

لا يوجد موضوع ذو صلة - لا يوجد مدخل ذو صلة - لا يوجد سؤال ذو صلة

غزوة دومة الجندل

خرج الرسول (ص) في ألف من المسلمين إليها لما ذكر عن أهلها من أنّهم يظلمون الناس والتجار وينوون الإغارة على المدينة، إلاّ أنّ الأهالي تركوها وهربوا منها عند اقتراب المسلمين منها، فأقام بها النبي أياماً ثمّ عاد إلى المدينة في ٢٠ من شهر ربيع الثاني، دون حدوث قتال.[١]

غزوة الأحزاب

بعد أن أجلى الرسول (ص) يهود بني النضير عن المدينة، قرر زعماؤهم إجراء أعمال عدائية ضدّ المسلمين وذلك بالتآمر عليهم، فقدموا مكّة ليحرضوا قريشاً على حرب المسلمين بقولهم: إنّا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فلقد جئنا لنحالفكم على عداوة محمّد وقتاله، إنّ محمّداً قد وتركم ووترنا وأجلانا عن المدينة من ديارنا وأموالنا. كما أنّهم استخدموا اسلوبهم الملتوي حتى يوَثروا في قريش ويجذبونهم لجانبهم، فأقرّوا لهم بأنّ ما عليه المشركون خيرٌ من دين محمّد، بالرغم من أنّهم موحدون وقريش كفّار يعبدون الأصنام، فكانت هذه وصمة عار أُضيفت إلى سجلّهم وتاريخهم المشووم.

وبذا فإنّهم شكّلوا اتحاداً ـ العرب واليهود ـ كما شاركتهم أحزاب أُخرى، من بعض القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية، وهي غطفان في نجد، وبنو سليم وبنو أسد وغيرها، ولذا سميت بمعركة الأحزاب، أو معركة الخندق، لما قام به المسلمون من حفر خندق حول المدينة للدفاع عنها.

وحينما جاء أحد رجال استخبارات النبي (ص) بأخبار خروج تلك القوة الكبيرة، شاور (ص)المسلمين في أساليب الحرب والدفاع، فافترح سلمان الفارسي حفر خندق حول المدينة، حتى يمكن تحديد الموقع الذي سيحاربون فيه العدو، فشرعوا في حفره واشترك النبي (ص) بنفسه في أعمال الحفر مشاركاً للمسلمين همومهم وآلامهم، كما كان له دوره المؤثر في تنشيط الآخرين ودفعهم للعمل السريع والاجتهاد فيه والتدقيق. ووصل طول الخندق نحو خمسة كيلومترات ونصف الكيلومتر(٥ و٥كم)، والعرض بمقدار خمسة أمتار، والعمق أيضاً خمسة أمتار، بحيث لا يتمكن الفارس الماهر من عبوره بالقفز عليه. وانتهي من العمل فيه في ستة أيّام. وفي هذه الفترة قال الرسول (ص) في شأن سلمان: «سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ اَلْبَيْتِ»[٢].

وقام العدو بحصار المدينة شهراً، وبلغ عدد جيش المشركين، عشرة آلاف فرد، كان منهم أربعة آلاف من قريش، و٧٠٠ من بني سليم، و١٠٠٠ من قبيلة فزارة، و٣٥٠٠ مقاتل من بقية القبائل. أمّا عدد المسلمين فلم يتجاوز ٣ آلاف نزلوا في سفح جبل سلع في موضع مرتفع ومشرف على الخندق، يمكن منه مراقبة تحركات العدو ونشاطاته.

ولما كان الموسم موسم شتاء، والطعام قليلاً، وطالت فترة الحصار ـ شهر ـ فإنّ ذلك دفع المشركين إلى الاتصال بيهود بني قريظة الذين كانوا يعيشون داخل المدينة لمساندتهم، بالرغم من أنّهم احترموا الميثاق الذي عقدوه مع الرسول إلا أنّ حيي بن أخطب تمكن من إقناعهم بنقض ذلك العقد للوقوف مع الأحزاب في حرب المسلمين. وقد تأكد رسولا النبي (ص): سعد بن عبادة و سعد بن معاذ رئيسا الأوس والخزرج من مؤامرة بني قريظة ونقضهم للعهد، عندما توجها إلى حصونهم، فأخبرا النبي (ص) بذلك.

وكانت خطتهم التآمرية تقضى بأن يقوم بنو قريظة بالإغارة على أهل المدينة في الداخل، ويرعبوا أهلها ليخفف ذلك من الضغط على الكفار في موقع المعركة عند الخندق. إلاّ أنّ النبي (ص) أرسل ٥٠٠ من رجاله بقيادة زيد بن حارثة ومسلمة بن أسلم لحراسة المدينة من الأعداء.

وأمّا في ميدان المعركة، فقد تمكن خمسة من شجعان المشركين من عبور الخندق وعلى رأسهم عمرو بن عبدود العامري فطلبوا المبارزة مع أبطال المسلمين. فقال الرسول (ص): «أَيُّكُمْ يَبْرُزُ إِلَى عَمْرٍو وَ أَضْمَنُ لَهُ اَلْجَنَّةَ». فقام الإمام علي (ع) قائلاً: «أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ»، والقوم ناكسوا رؤوسهم، وكأنّ على رؤوسهم الطير، وذلك لمكان عمرو وشجاعته المعروفة.[٣]

وبذا فقد برز الإمام علي (ع) وقال النبي (ص) هنا كلمته الخالدة: «بَرَزَ اَلْإِيمَانُ كُلُّهُ إِلَى اَلشِّرْكِ كُلِّهِ». وتمكّن الإمام علي (ع) من التخلص من عمرو والقضاء عليه حين ضربه ضربة قوية على ساقيه فقطعهما، فكبّر الإمام علي (ع) يعلن انتصاره ومقتل عمرو، ممّا كان له أثره في العدو، فألقى الرعب في نفوسهم، فهربوا إلى معسكرهم تاركين الخندق، وسقط أحدهم بفرسه في الخندق وهو: نوفل بن عبد الله فرماه الحرس بالحجارة، ممّا جعله يطلب مقاتلة أحد المسلمين، فنزل إليه الإمام علي(ع) فقاتله وقضى عليه في الخندق.[٤]

ونظراً لضربة الإمام علي (ع) المؤثرة ذات النتيجة والفعالية، فقد قال عنها النبي (ص): «ضَرْبَةُ عَلِيٍّ يَوْمَ اَلْخَنْدَقِ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ اَلثَّقَلَيْنِ» إذ لم يبق بيت من بيوت المشركين إلاّ ودخله ذل بقتل عمرو بن عبدود، على عكس ما حدث لبيوت المسلمين، فقد دخله بذلك العز والافتخار، فالضربة كانت في الواقع هزيمة للمشركين والاَحزاب ونهاية لقوتهم، بالاِضافة إلى الظروف السائدة، من قلّة الطعام والعلف والبرد.

عوامل تفرّق الأحزاب

  1. اختلاف قبائل غطفان وفزارة مع قريش وتخاذلهم في الهجوم، وخاصة عندما اتصل بهم النبي (ص) للاتّفاق على عودتهم وتراجعهم في مقابل مساعدتهم مادياً.
  2. مصرع فارسهم الأكبر عمرو بن عبدود الذي علّقوا عليه الآمال في الانتصار.
  3. دور نعيم بن مسعود في تفرقة أعداء الإسلام وإيقاع الخلاف بينهم، وكان قد أسلم حديثاً، فقد تمكن بدهائه من التفرقة بين يهود بني قريظة وجيش الأحزاب، حيث أقنع اليهود بأن يأخذوا رهائن من العرب ليكونوا ضماناً في مقابل تعاون اليهود مع المشركين قائلين: «حتى نناجز محمداً، فإنّنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تسرعوا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا بذلك منه» وفي نفس الوقت طلب من قريش عدم إعطاء اليهود أحداً من رجالهم إذا طلبوا منهم ذلك، فإنّهم سيرسلونهم إلى النبي ليقتلهم. وهكذا فقد جرى الأمر كما رسمه ابن مسعود إذ أنّ الأطراف المتحالفة تأكدت من النوايا السيئة فانسحبت بنو قريظة، وتفرق الشمل ورجع الكفار خائبين.
  4. عامل إلهي، حين بعث الله عليهم فجأة، العاصفة والريح واشتد البرد، فقلعت خيامهم وأطفأت أضواءهم، فصاح بهم أبو سفيان: ارتحلوا فإنّي مرتحل.

وقد سجل القرآن الكريم وقائع هذه المعركة وأشار إلى أبرز النقاط فيها ضمن ١٧ آية من سورة الأحزاب ٩ـ٢٥.

وقسمت الآيات الموضوع إلى ثلاثة أقسام:

  1. آيات ترسم الوضع العام للمسلمين.
  2. آيات تتعرض لموقف المنافقين.
  3. آيات تبين موقف المومنين الصادقين.

فهي توَكد دور عناية الله بالمؤمنين وحمايتهم من أعدائهم الكافرين، كما أنّها تشرح الحالة العسكرية للمسلمين، من حصار الأعداء لهم من كلّ جهة، ممّا ألقى الرعب في قلوب اليهود من أهل المدينة، وما أظهره المنافقون من إشاعات وتشكيكات بالوضع، لإلقاء روح الهزيمة بين الأفراد.

وبالتالي فهذه الواقعة التي انتهت في ٢٤ من شهر ذي القعدة، كانت امتحاناً اختباراً دقيقاً للنفوس والقلوب، ميّزت الصادق عن المنافق، والموفون بالعهد وعن الناقضين له، كما كشفت عن أنّ وعود الله صادقة ومحقّقة متى توفرت شرائطها ومقدماتها، كما أنّهاأشارت إلى دور الطابور الخامس في إضعاف الجبهات، وأساليب مواجهتها[٥].

غزوة بني قريظة

قرر النبي (ص) معالجة قضية بني قريظة بعد المعركة دون انتظار، وذلك بأمر من الله تعالى. فسار مع المسلمين ليحاصر حصونهم التي تحصنوا بها وأغلقوا الأبواب. ولما كان اليوم ـ السبت ـ فإنّهم لم يبتغوا القتال فيه أو الحرب. ثمّ إنّ وفداً منهم طلب من النبي (ص) أن يتركهم يخرجوا من المدينة بأموالهم مثلما فعل مع بني النضير، أو يتركوا سلاحهم وأموالهم، فرفض النبي (ص) مقترحاتهم ومطالبهم حتى لا يفعلوا فعلَ بني النضير في تحريك العرب المشركين ضد المسلمين، ولذا فقد سلّموا أنفسهم للمسلمين دون أيَّة شروط، فدخل المسلمون الحصن وجردوهم من سلاحهم وحبسوهم حتى يتقرر مصيرُهم، أو يحكم فيهم سعد بن معاذ الأوسي حليفهم. وفي المجلس الذي أعدّ لذلك، حكم سعد عليهم بقتل الرجال، وتقسيم أموالهم وسبي ذراريهم ونسائهم، رغم الإلحاح عليه بحسن الحكم في حلفائه بني قريظة.[٦]

وقد استند في حكمه إلى:

  1. أنّ يهود بني قريظة كانوا قد تعهدوا للنبي (ص) بأنّهم لو تآمروا ضدّ المسلمين وناصروا أعداءهم أو أثاروا الفتن والقلاقل، فإنّ للمسلمين الحق في قتلهم ومصادرة أموالهم وسبي نسائهم.
  2. وأنّ حكمه جاء بمثل ما في شريعتهم.
  3. ما قد رآه بعينه ممّا صدر قبل ذلك من قبائل اليهود حين عفا عنهم النبي (ص) ولكنّهم نقضوا عهودهم معه (ص) وأثاروا الأجانب عليهم واشتركوا مع المشركين ضدّهم، الأمر الذي جعله يتخوف من أن يعرّض هؤلاء مركز الإسلام للخطر من خلال مؤامراتهم. وخاصة أنَّهم كانوا قد أخلّوا بالأمن فترة من الزمن في المدينة، ولولا الحراسة المكثفة التي عينها الرسول (ص) لفعلوا أفظع الأُمور والأعمال.

وقد قسمت الغنائم بين المسلمين بعد إخراج الخمس منها، وأُعطي للفارس سهمان، وللراجل سهم واحد، وسلم الرسول (ص) أموال الخمس لـ زيد بن حارثة، ليشتري بها السلاح والعتاد والخيل من نجد.[٧]

وقد استشهد سعد بن معاذ الذي كان قد جرح في معركة الخندق، بعد أحداث بني قريظة. وانتهت هذه المشكلة في ١٩ من شهر ذي الحجة[٨].

زواج الرسول (ص) بزينب بنت جحش

كان زيد بن حارثة قد سرقه قطاع الطرق وباعوه في سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام وأهداه لعمته السيدة خديجة بنت خويلد(ع) التي أهدته بدورها إلى النبي بعد زواجهما. وقد دفعت أخلاق النبي (ص) وسيرته الحسنة إلى أن يحبه زيد حباً شديداً إلى آخر عمره، حتى أنّه فضل العيش معه (ص) على الرجوع إلى أهله.

ولما قرر النبي (ص) بأمر من الله تعالى أن يحطّم التقاليد الجاهلية في المجتمع العربي، ليعيشوا جميعاً تحت لواء الإنسانية والتقوى إخوة متحابين، فقد زوّج زيداً من ابنة عمته زينب بنت جحش، حفيدة عبد المطلب، مع ما بينهما من الإختلاف في مستوى الإنتماء القبلي والمكانة الاجتماعية إلاّ أنّ زواجهما لم يدم طويلاً فافترقا بعد الطلاق. ثمّ تزوجها النبي (ص) وذلك للتخلّص من تقليد جاهلي آخر مترسب في المجتمع، حيث كان يعتبر الإبن المتبنى كالإبن الحقيقي، يعامله مثله تماماً في الحقوق والواجبات. ولذا فقد كلف الله تعالى نبيه (ص) بأن يقضي على هذا التقليد الجاهلي والسنّة الخاطئة بإجراء عملي ظاهر للعيان، وهو التزوج من زينب مطلّقة متبنّاه زيد: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً[٩].[١٠]

المراجع والمصادر

  1.   جعفر السبحاني، السيرة المحمدية

الهوامش

  1. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٤٧.
  2. المغازي: ٢/ ٤٤٦؛ الكامل في التاريخ: ٢/ ١٢٢.
  3. المغازي: ٢/ ٤٧٠.
  4. بحار الانوار: ٢٠/ ٢٥٦؛ تاريخ الطبري: ٢/ ٢٤٠.
  5. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٤٧-١٥٢.
  6. السيرة النبوية: ٢/ ٢٤٠؛ المغازي: ٢/ ٥١٠؛ زاد المعاد: ٢/ ٧٣.
  7. السيرة النبوية: ٢/ ٢٤١؛ تاريخ الطبري: ٢/ ٢٥٠؛ زاد المعاد: ٢/ ٧٤.
  8. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٥٢-١٥٣.
  9. سورة الأحزاب، الآية ٣٧.
  10. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٥٤.