داوود في نهج البلاغة

تمهيد

يدعو الإمام (ع) في حديث له بأخذ العبرة من حياة الزُّهَّاد والعُبَّاد؛ کالنبي داوود (ع)، ووصف داوودَ (ع) بأنه «صاحب المزامیر»، وأنه «قارئ أهل الجنة» و«خطيب أهل الجنة»[١]، وکان يعمل سفائف الخوص بيده ويدفعها لشخص آخر ليبيعها ويؤثر البائع عنه بثمنها، كي لا ينشغل أكثر من ذلك بالدنيا عن عبادة ربه، ويسترزق منها لقوت يومه. وذكر داوود (ع) بأنه كان عارفًا بساعات المناجاة واستجابة الدعاء.[٢]

أولاً: داوود (ع)

زهد داوود (ع)

قال (ع)، متحدثًا عن نبي الله داوود (ع)[٣]: «وإنْ شئتَ ثلثتُ بداوودَ -صلى اللهُ عليه وسلم[٤]- صاحبِ المزامرِ، وقارئِ أهلِ الجنةِ، فلقد كان يعملُ سفائفَ الخوصِ بيدِه، ويقولُ لجلسائِه: أيكم يكفيني بيعَها! ويأكلُ قرصَ الشعيرِ من ثمنِها».

هذه الكلمات عطف على ما سبق من عنايته -سلام الله عليه- بأخذ العبرة من حياة الزُّهَّاد والعُبَّاد، فقد ذكر أولًا رسول الله (ص) ثم موسى (ع) ثم ثلَّث بداوود (ع)، ووصف داوودَ (ع) بأنه «صاحب المزامیر»، وقد فسرَّ بعضهم -كالشيخ محمد جواد مُغْنِيَة- ذلك بأنه الزمر المعینَّ المتعارف، أما غیره فقد ذكروا بأن (المزامیر) من جهة لغوية هنا، ما كان يتغنَّى به داوود (ع) بقراءته الزبور نظرًا لأن الله تعالى وهبه عذب النغم ولذة الترجيع فلهذا وصف صوته بالمزامیر، وكان لصوته (ع) أثر غريب كالسحر، فقد كان يؤثر في الإنسان والحيوان والنبات والجماد، فقد جاء في الرواية عن الإمام الصادق (ع) أن داوود (ع) كان «إذا قرأ الزبور لا يبقى جبل ولا حجر ولا طائر ولا سبع إلّاَ جاوبه»[٥]، وجاء أن الطیر تقع عليه والوحش تدخل بین الناس لاهية عن افتراسهم.

وإن كنتُ أتصور -والله العالم- أنه ليس فقط حسن الصوت هو السبب بل هو ما ينبعث من صفاء القلب المؤمن المتعلق بالله تعالى فيأسر النفوس جميعًا.

والوصف الآخر، هنا، لداوود (ع) أنه «قارئ أهل الجنة» و«خطيب أهل الجنة»[٦]، ولعلَّ المعني هنا أنه لسان الحمد والثناء لله تعالى في الجنة، أو أنه للصوت النافذ المؤثر، وقد يكون لشيءٍ آخر، وبالمناسبة فقد ذكرتُ فيما كتبت أننا نلاحظ في حياة المعصومین (ع) هذا النوع من التأثیر في إسماع العدد الكثیر بالكلام العادي الطبيعي، كما ينقل في حق الرسول الأعظم (ص) وكذلك في حق الإمام الحسن والإمام الرضا (ع)، والسيدة زينب (علیها السّلام)، وأعتقد أن هذا نوع من الهيمنة والنفوذ والولاية على الكون وعلى هذه الذبذبات والموجات وما فيها من طاقة وأنها منجذبة لأصواتهم وخاضعة لهم.

ثم يذكر (ع) أن داوود (ع) «كان يعمل سفائف الخوص بيده» على ما هو معروف لدينا الآن، فقد جاء أن داوود (ع) حكم أربعین سنة وفي حديث له مع جبرئيل (ع) سأله ماذا يعاب مني؟ فأجابه يعاب منك أنك إنا تأكل من بيت المال، أي لا تأكل من كسب يدك، فأثَّر ذلك فيه أثرًا كبیرًا فكان يعمل سفائف الخوص بيده وهذا العمل في حدِّ ذاته غاية في الزهد، ثم إنه كان لا يحب بيعها لأن ذلك اشتغالٌ آخر بالدنيا، فيسأل بعضهم أن يبيعها ويؤثر البائع بثمنها ثم منه قرص الشعير وهو طعام زهيد في قبال قرص البر مثلاً، وهذه مرحلة من حياة هذا النبي، ففي فترة أخرى كان (ع) يصنع في كلِّ يوم درعًا ويبيعه بألف، فصنع في سنة ٣٦٠ درعًا وباعها بِ ٣٦٠ ألفًا فكان بعد ذلك يأكل من صنع يده، وهذه المقدرة الخاصة تحدث عنها القرآن الكريم فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِ السرَّدِ وَاعْمَلُوا صَالًحا إِنِّی بِماَ تَعْمَلُونَ بَصِیرٌ[٧].يأكل

وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ[٨]، وذو الأيد يعني صاحب القوة، فكان يأخذ الحديد يقطعه بيده دون حاجة إلى إعمال آلة، فيصنع منه درعًا، فلهذا جاء في الدعاء «يا ملینَ الحديدِ لداوودَ(ع)»[٩]، وبالمناسبة أيضًا،يستحب أن يكون السفر في يوم الثلاثاء لأنه يوم ألانَ اللهُ فيه الحديدَ لداوود (ع)[١٠].

ويلاحظ هذا التفاوت في حياته (ع) بین الفقر والغنى ومع ذلك يبقى هذاالجوهر على ما هو عليه من التعلق بالله والانقطاع إليه.[١١]

عبادة داوود (ع)

في جانب من جوانب العرفان والانقطاع إلى الله تعالى يستشهد الإمام (ع) بداوودَ (ع) قائلاً[١٢]:

« يَا نَوْفُ إِنَّ دَاوُدَ (ع) قَامَ فِي مِثْلِ هَذِهِ اَلسَّاعَةِ مِنَ اَللَّيْلِ فَقَالَ إِنَّهَا لَسَاعَةٌ لاَ يَدْعُو فِيهَا عَبْدٌ إِلاَّ اُسْتُجِيبَ لَهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَشَّاراً أَوْ عَرِيفاً أَوْ شُرْطِيّاً أَوْ صَاحِبَ عَرْطَبَةٍ وَ هِيَ اَلطُّنْبُورُ أَوْ صَاحِبَ كُوبَةٍ».

في هذه الفقرة الشريفة عدة أمور:

  1. إنه نوع من الأسرار الخاصة يعرفها أهل التعلقِ والولَهِ والعشق في الله تعالى، فهم يعرفون ساعات المناجاة، وقد ذُكر أن هذه الساعة التي أشار إليها الأمیر هي السَّحَر.
  2. ورد في خصائص نبينا الأعظم (ص) أن له مع الله تعالى حالات خاصة لا صلة فيها بأي ملك وإنما ارتباط مباشر خاص به، فيبدو أن للأنبياء (ع) ساعات مناجاة معينة يعرفونها، وأمیر المؤمنین (ع) واقف على هذه الأسرار، وهو يفيضها على الأوعية القابلة لتحمل ذلك، مثل نوف البكالي الذي يبدو أن له خصوصيات مع الأمیر (ع) في المواعظ التي يلقيها، فكان على درجة عالية من الترفع عن الدنيا والإقبال على الله تعالى، ولهذا أفاض عليه أمیر المؤمنین (ع) من الأسرار كما كان ذلك في حق الصفوة من أصحابه، فقد أُثِرَ عنه (ع) إخباره المغيَّبات لرشيد الهجري وميثم التمار وسلمان المحمدي (رضی الله عنه).
  3. إن هذا ترغيب للعبد أن يبتهل إلى الله تعالى في عموم الأوقات وفي الأوقات المخصوصة كليالي الجمعة وآخر ساعة من يوم الجمعة قريب الغروب وفي السحر وبین الطلوعین، فإنها أوقات مناجاة وإقبال على الله تعالى.
  4. إن فيه أسلوبًا تربويًّا معينًا يهدف أمیر المؤمنین (ع) من ورائه أن يبعد الإنسان عن جملة من المهن الوضيعة، وذلك بأنه ذكر أنها نقائص تحول دون استجابة الدعاء، وهذا هو ما نهجه الإمام السجاد (ع) في أسلوبه التربوي عن طريق الدعاء، فيذكر أمیر المؤمنین (ع) هنا أن هذه النقائص وهذه المهن هي أن يكون المرء عشَّارًا وهو من يأخذ أعشار المال من الناس في الجمرك، والثاني العريف وهو الجاسوس على الناس الذي يعمل لصالح الحاكم الجائر، والثالث هو الشرطي والمقصود به من يكون عونًا للحاكم الجائر، والرابع صاحب العَرْطَبة وهي الطنبور، ولعلها عموم اللعب بشيءٍ محرم، والخامس صاحب الكَوْبة وهي الطبل، إذن هذه أمور ذكرها أمیر المؤمنین (ع) عن داوود (ع) في معرض الحديث عن المناجاة والدعاء، ثم ذكر بعض موانع الدعاء في أسلوب تربوي يهدف من ورائه أن يتنزه العبد عنها.[١٣]

المراجع والمصادر

  1.   محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة

الهوامش

  1. مستدرك سفينة البحار ٣/ ٣٨٠.
  2. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة (كتاب)|العقائد من نهج البلاغة، ص١٨٥-١٨٧.
  3. نهج البلاغة، الخطبة ١٦٠.
  4. عبر الإمام (ع) عن داوود كما عبر عن موسى أيضًا بقوله: (صلى الله عليه وسلّم)، ولعلَّ هذا إشارة إلى أن آل بيت رسول الله (ص) هم وحدهم المخصوصون بوجوب الصلاة عليهم مقرونة بالصلاة على الرسول (ص) وأن هذا لا يشمل أهل بيت أي نبي آخر.
  5. أمالي الصدوق / ١٥٩.
  6. مستدرك سفينة البحار ٣/ ٣٨٠.
  7. سورة سبأ، الآية ١٠-١١.
  8. سورة ص، الآية ١٧.
  9. من أدعية الليالي العشر الأواخر من شهر رمضان. مفاتيح الجنان/ ٤٠٤.
  10. من ذلك ما ورد عن الإمام الصادق (ع): «سَافِرُوا يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ وَ اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ فِيهِ فَإِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي أَلَانَ اللَّهُ فِيهِ الْحَدِيدَ لِدَاوُدَ (ع)». الدعوات، لقطب الدين الراوندي / ٢٩٣.
  11. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة (كتاب)|العقائد من نهج البلاغة، ص١٨٥-١٨٧.
  12. الكلمة رقم ١٠٤، ص ٤٨٦ .
  13. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة (كتاب)|العقائد من نهج البلاغة، ص١٨٧-١٨٩.