عبد الله بن عمرو بن حرام

نبذة

أبوجابر عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنمس بن كعب بن سلمة بن سعد بن على بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج.

وأمه: الرباب بنت قيس بن القريم بن أمية بن سنان بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، وهو أبو جابر بن عبد الله الصحابي الجليل. شهد عبد الله بن عمرو العقبة مع السبعين من الأنصار في روايتهم جميعاً، وهو أحد النقباء الاثني عشر[١].

روى ابن إسحاق عن كعب بن مالك، قال كعب: ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله(ص) العقبة من أواسط أيام التشريق، قال: فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله(ص)، ومعنا أبوجابر عبد الله بن عمرو بن حرام، سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا. وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناء وقلنا له: يا أباجابر، إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطباً للنار غداً. ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله(ص) إيانا العقبة، قال: فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيباً. قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا الميعاد رسول الله(ص) نتسلّل تسلّل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع[٢].

شهد عبد الله بدراً وأُحداً[٣]. قال ابن إسحاق: حتى إذا كانوا - (يعني رسول الله(ص) حين خرج في ألف من أصحابه إلى أحد) - بالشوط بين المدينة وأحد، انحزل عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني، ما ندري غلام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس؟! فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، وأتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة، يقول: يا قوم، أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال. قال: فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله أعداءالله، فسيغنى الله عز وجل عنكم نبيه(ص)[٤].

قتل عبد الله يوم أحد شهيداً، قتله أسامة الأعور بن عبيد[٥]، وقيل: بل قتله سفيان بن عبد شمس، أبو أبي الأعور السلمي، وصلى عليه رسول الله(ص) قبل الهزيمة، وهو أول قتيل قتل من المسلمين يومئذ[٦]، ودفن هو و عمرو بن الجموح زوج أخته هند بنت عمرو ابن حرام في قبر واحد، قال رسول الله(ص): «ادفنوهما في قبر واحد، فإنهما كانا متصافيين متصادقين في الدنيا» [٧].

في الاستيعاب: عن محمد بن المنكدر، قال سمعت جابراً، يقول: جيء بأبي يوم أحد إلى النبي(ص) وقد مثل به، فوضع بين يديه، فذهبت أكشف عن وجهه فنهائي قومي، فسمعوا صوت صائحة، فقيل: ابنه عمرو أو أخت عمرو، فقال رسول الله(ص): «فلا تبكي ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها.. وفي حديث آخر: قال جابر: قتل أبي يوم أحد، وجدع أنفه وقطعت أذناء، فقمت إليه، فحيل بيني وبينه، ثم أتى به إلى قبره فدفن مع اثنين في قبر واحد، فجعلت ابنته تبكيه، فقال رسول الله(ص): «ما زالت الملائكة تظله حتى رفع». قال: فحفرت له قبراً بعد ستة أشهر فحولته إليه، فما أنكرت منه شيئاً إلا شعرات من لحيته كانت مستها الأرض. وفي حديث آخر: قال: لقيني رسول الله(ص) فقال: «يا جابر، مالي أراك منكسراً مهتماً؟». قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك عيالاً وعليه دين. قال: «أفلا أبشرك ما لقي الله به أباك؟». قلت: بلى يا رسول الله. قال: «إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحاً وما كلم أحداً قط إلا من وراء حجاب، فقال له: يا عبدي، تمن أعطك، قال: يا رب تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الرب تعالى ذكره: إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب، فابلغ من ورائي، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا[٨]. وفي حديث آخر: عن جابر، قال: لما جيء بأبي يوم أحد جاءت عمتي تبكي عليه، قال: فجعلت أبكي، وجعل القوم ينهوني ورسول الله لا ينهاني، فقال رسول الله(ص): «أبكوه أو لا تبكوه، فوالله ما زالت الملائكة تظله حتى دفنتموه» [٩]. ولما أراد عبد الله أن يخرج إلى أحد دعا ابنه جابراً، وقال: يا بني، إني لا أراني إلا مقتولاً في أوَّل مَن يُقتل، وإني والله لا أدع بعدي أحداً أعز علي منك غير نفس رسول الله(ص)، وإن علي ديناً فاقض عني ديني، واستوص بأخواتك خيراً[١٠].

ابن أبي الحديد: قال الواقدي: وقال عبد الله بن عمرو بن حرام: رأيت في النوم قبل يوم أُحد بأيام مبشر بن عبدالمنذر أحد الشهداء ببدر يقول لي: أنت قادم علينا في أيام، فقلت: فأين أنت؟ قال: في الجنة نسرح منها حيث نشاء، فقلت له: ألم تقتل يوم بدر؟ قال: بلى، ثم أحييت. فذكر ذلك لرسول الله(ص) قال: «هذه الشهادة يا أباجابر». قال الواقدي: وقال رسول الله(ص) يوم أُحد: «ادفنوا عبد الله بن حرام و عمرو بن الجموح في قبر واحد». ويقال: إنهما وجدا وقد مثل بهما كل مثلة، قطعت آرابهما[١١] عضواً عضواً، فلا تعرف أبدانهما - إلى أن قال - وكان عبد الله بن عمرو بن حرام رجلاً أحمر أصلع ليس بالطويل، وكان عمرو بن الجموح طويلاً، ففرقا ودخل السيل بعد عليهما، وكسان قبرهما ما يلي السيل، فحفروا عنهما وعليهما نمرتان، وعبد الله قد أصابه جرح في وجهه فيده على وجهه، فأميطت يده عن جرحه فثعب[١٢] الدم، فردت إلى مكانها فسكن الدم. قال الواقدي: وكان جابر بن عبد الله يقول: رأيت أبي في حفرته وكاله نائم وما يغير من حاله قليل ولا كثير، فقيل له: أفرأيت أكفانه؟ إنه كفن في نمرة[١٣] خمر بها وجهه وعلى رجليه الحرمل، فوجدنا النمرة كما هي والحرمل على رجليه كهيئته، وبين ذلك وبين وقت دفنه ست وأربعون سنة، فشاورهم جابر في أن يطيبه بمسك فأبى ذلك أصحاب النبي(ص)، وقالوا: لا تحدثوا فيهم شيئاً[١٤].

روى ابن الأثير، عن عبدالرحمن بن عبد الله بن عبدالرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح و عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريين السلميين كانا قد حفر السيل عن قبرهما، وكان قبرهما مما يلي السيل، وكانا في قبر واحد، وكانا ممن استشهدا يوم أحد، فحفرا عنهما ليغيرا مكانهما، فوجدا لم يتغيرا كأنما ماتا بالأمس. وكان أحدهما قد وضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه، ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين يوم أحد وبين يوم حفر عنهما ست واربعون سنة[١٥].

روى البخاري في الصحيح عن جابر، قال: قال لي رسول الله(ص): «هل نكحت يا جابر؟» قلت: نعم، قال: «ماذا أبكراً أم ثيباً؟» قلت: لا، بل ثيباً، قال: «فهلا جارية تلاعبك؟». قلت: يا رسول الله، إن أبي قُتل يوم أُحد وترك تسع بنات كن لي تسع أخوات، فكرهت أن أجمع اليهن جارية خرقاء مثلهن، ولكن امرأة تمشطهن وتقوم عليهن، قال: «أصبت». وفي حديث آخر: عن الشعبي، قال: حدثني جابر بن عبد الله أن أباه استشهد يوم أحد وترك عليه دَيناً وترك ست بنات، فلما حضر جداد النخل، قال: أتيت رسول الله(ص)، فقلت: قد علمت أن والدي قد استشهد يوم أحد وترك دَيناً كثيراً، وإني أحب أن يراك الغرماء، فقال: «اذهب فبيدر[١٦] كل تمر على ناحية»، ففعلت. ثم دعوته فلما نظروا إليه كأنهم أغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون أطاف حول أعظمها بيدراً ثلاث مرات، ثم جلس عليه، ثم قال: «ادع لك أصحابك» فما زال يكيل لهم حتى أدى الله عن والدي أمانته، وأنا أرضى أن يؤدّي الله أمانة والدي ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلم الله البيادر كلها حتى إلى أنظر إلى البيدر الذي كان عليه النبي(ص) كانها لم تنقص تمرة واحدة[١٧].

مكارم الأخلاق: عن جابر بن عبد الله، قال: غزا رسول الله(ص) إحدى وعشرين غزوة بنفسه، شاهدت منها تسع عشرة غزوة وغبت عن اثنتين، فبينا أنا معه في بعض غزواته إذ أعيانا ضحي تحت الليل فبرك، وكان رسول الله(ص) في أخريات الناس يُزجي الضعيف ويُردفه ويدعو لهم، فانتهى إلي وأنا أقول: يا لهف أماه، ما زال لنا ناضح سوء! فقال: «من هذا؟»، فقلت: أنا جابر، بأبي وأمي يا رسول الله، قال: «وما شأنك؟»، قلت: أعيا ناضحي، فقال: «أمعك عصا؟»، فقلت: نعم، فضربه ثم بعثه ثم أناخه ووطئ على ذراعه، وقال: «اركب»، فركبت وسايرته، فجعل جملي يسبقه فاستغفرلي تلك الليلة خمسة وعشرين مرة، فقال لي: «ما ترك عبد الله من الولد؟» يعني أباه. قلت سبع نسوة، قال: «أبوك عليه دين؟»، قلت: نعم. قال: «فإذا قدمت المدينة فقاطعهم، فإن أبوا فإذا حضر جداد نخلكم فأذنّي». قال: «هل تزوجت؟» قلت: نعم، قال: «بمن؟» قلت: بفلانة بنت فلان - بأيم[١٨] كانت بالمدينة، قال: «فهلاً فتاة تلاعبها وتلاعبك!». قلت: يا رسول الله، كن عندي نسوة خرق - يعني أخواته - فكرهت أن آتيهن بامرأة خرقاء، فقلت: هذه أجمع لأمري، قال: «أصبت ورشدت»، فقال: «بكم اشتريت جملك؟» فقلت: بخمس أواق من ذهب، قال: «بعنيه ولك ظهره إلى المدينة». فلما قدم المدينة أتيته بالجمل، فقال: «يا بلال أعطيه خمس أواق من ذهب يستعين بها في دين عبد الله، وزده ثلاثاً وردّ عليه جمله». قال: «هل قاطعت غرماء عبد الله؟»، قلت: لا، يا رسول الله، قال: «أترك وفاء؟». قلت: لا، قال: «فإذا حضر جداد نخلكم فآذنّي»، فآذنته فجاء فدعا لنا فجددنا، واستوفى كل غريم ما كان يطلب تمراً وفاء، وبقي لنا ما كنا نجد وأكثر، فقال رسول الله(ص): «ارفعوا ولا تكيلوا»، فرفعناه وأكلنا منه زماناً[١٩].[٢٠]

المراجع والمصادر

  1.   محمد ابراهيم آيتي، شهداء الإسلام في عصر الرسالة

الهوامش

  1. الطبقات الكبرى ٣: ٦٢٠، وما بين القوسين من أسد الغابة ٣: ٣٤٦.
  2. السيرة لابن هشام ٢: ٨٣.
  3. الطبقات الكبرى ٣: ٦٢١، والاستيعاب ٢: ٣٣٩، والإصابة ٢: ٣٥٠، وأسد الغابة ٣: ٣٤٦.
  4. السيرة لابن هشام ٣: ٦٨.
  5. أسد الغابة ٣: ٣٤٨، والسيرة لابن هشام ٣: ١٣٢، والمغازي ١: ٣٠٦، وأنساب الأشراف ١: ٤٠٥ وتاريخ خليفة ٤٢ والنسب ٢٨٦. والمحبر ٢٧١، والاشتقاق ٤٦٢.
  6. الاستيعاب ٢: ٣٣٩.
  7. أسد الغابة ٣: ٣٤٧.
  8. سورة آل عمران، الآية ١٦٩.
  9. الاستيعاب ٢: ٣٣٩-٣٤١، وانظر أسد الغابة ٣: ٣٤٦.
  10. انظر أسد الغابة ٣: ٣٤٧.
  11. الآراب: الأعضاء.
  12. أي: سال الدم.
  13. النمرة: بردة من صوف. انظر لسان العرب ٥: ٢٣٥.
  14. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٤: ٢٦٣ عن المغازي للواقدي ١: ٢٦٦ و٢٦٧.
  15. أسد الغابة ٣: ٣٤٨.
  16. أي: فجمّع.
  17. صحيح البخاري ٥: ١٢٣ (باب غزوة أحد).
  18. الأيم: التي ليس لها زوج. انظر لسان العرب ١٢: ٤٠.
  19. مكارم الأخلاق ١٨.
  20. محمد إبراهيم آيتي، شهداء الإسلام في عصر الرسالة، ص ١٨٨.