جابر بن عبد الله الأنصاري

(بالتحويل من جابر بن عبد الله)

نبذة

جابر بن عبد الله الأنصاري السلمي الخزرجي يكنى «أبا عبد الله». من كبار صحابة الإمام الذين تفانوا في سبيله. وشهد معركتي الجمل وصفين إلى جانب الإمام، وبعد أن استشهد الإمام رافق أبنائه وأحفاده: الإمام الحسن، و الإمام الحسين، و الإمام زين العابدين علي بن الحسين، و الإمام الباقر(ع).

وقاد حملة إعلامية حامية ضد الأمويين الذين حاولوا أن يشوهوا سمعة الإسلام عن طريق تشوية سمعة الإمام المثال الأكبر للإسلام، والفتى الفذ للرسول الكريم.

واعتبر جابر من كبار المفسرين للقرآن الكريم، وسادة الحفاظ للحديث، ومن المعلمين الذين أرتوى منهم التلامذة الكبار، وانتهل من نبع الرسالة تماماً كما ارتوى من ينبوع الإمامة.

وسار جابر في حياته على منهج الاستقامة لا تلويه لفحات الحياة، ولا تكاد تجذبه مظاهر البذخ والترف، ولا تحفزه دوافع الجاه والمنصب.

وبعد وفاة الرسول الكريم اقتدى بالإمام، وسار على منهاجه، وتشرب فيض شذى امامه وقائده.

اسلم جابر ولم يكد يبلغ سن المراهقة والشباب، وشهد العقبة الثانية في مكة، وبايع رسول الله في سبعين رجلاً من أهل المدينة. وهذا قبل هجرة الرسول العظيم إلى المدينة.

وكان جابر أصغر القوم سنا، رافق أباه إلى مكة، وذلك لأن جابراً كان وحيد والديه الأمر الذي كان أبوه عبد الله له هيام بابنه هذا، وحب عظيم.

ولا يكاد الوالد يسافر في السبعين نفراً لحضور المؤتمر الرسالي في العقبة الثانية حتى يصحبه الابن الفذ جابر ليشهد ذلك المشهد الفريد، ويبايع رسول الله على الفداء والتضحية في سبيل الرسول والرسالة.

قال ابن سعد: ويجعل جابر في السنة النفر الذين أسلموا من الأنصار أول من أسلم منهم بمكة [١].

وفي الساعات الأولى رأى الرسول في جابر الفتى المراهق ملامح النجابة، ومعالم الذكاء والشجاعة، ومعاني التضحية والفداء الأمر الذي أولاه الرسول الكريم عطفه وتقديره وحبه ورعايته، ولما كانت روح جابر روحاً مؤمنة مزودة بكل المواهب والقابليات ارتقى في السلم الاجتماعي والديني.

وكان والده عبد الله بن عمرو الأنصاري من نقباء الأنصار، وطالما اعتز جابر بنقابة والده الذي كان الرسول قد اختاره لهذه المسؤولية الضخمة، والتي رأه الرسول أهلاً لها، وله إعداد نفسي للقيام بأعبائها. واستشهد عبد الله في معركة أحد ثاني معارك الإسلام إلى جانب رسول الله، وكان أول شهيد في المعركة، وصلى عليه الرسول الكريم.

استشهد عبد الله - والد جابر - على يد سفيان بن عبد شمس، وسفيان هذا هو والد أبي الأعور السلمي الذي لطخ التاريخ الإسلامي بالعار والشنار.

ان عبد الله والد جابر لم يستشهد في المعركة فحسب بل ومثل به التمثيل الفضيع: جدع أنفه، وصلمت أذناه. وهكذا كانت يد الحقد والجاهلية بقيادة أبي سفيان تعمل وتحز في القتلى والشهداء، وبنفس هذه اليد الحاقدة عملت في التاريخ الإسلامي في العصر الأموي، فجرى في جداول التاريخ الدماء والدموع.

ولما استشهد عبد الله - والد جابر - طفقت أخته - أي عمة جابر- تبكي أخيها الشهيد، وبكته أسرته وبناته، فقال الرسول(ص): «أبكوه أَوْ لَا تبكوه فَوَاللهِ مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى دَفَنْتُمُوهُ»[٢].

يقول جابر الشاب النشط الذي أصبح المسؤول الأول عن أخواته، عن اسرة أبيه، وعن ديون أبيه، يقول جابر وقد نقل جثمان أبيه من ضريح إلى ضريح، وكان قد دفن في ضريح جماعي فأراد جابر أن يفرد لأبيه ضريحاً لوحده: حضرت له قبراً بعد ستة أشهر فحولته إليه، فما انكرت منه شيئاً الا شعرات من لحيته كانت مستها الأرض[٣].

وهكذا جثمان الشهداء في سبيل الله لها كرامتهم عند الله حتى ان الأرض لا تأكل من جسدهم شيئاً.

كان جابر بعد استشهاد أبيه يتعقبه التفكير في السبيل إلى رعاية أسرة أبيه الذي أصبح المسؤول الأول عنها، وكان هناك دين على أبيه، وكانت الموارد الضئيلة لا تفي، والتركة لا شأن لها يعتد به أو يمكن استثمارها في سبيل دفع ديون أبيه، وانعاش أسرته الأمر الذي أمسى جابر حزيناً مشوش البال. رآه الرسول(ص) ذات يوم فرني إلى وجهه الشاحب، وجبينه المعقود، فقال له في نبرة هادئة: «يا جابرُ ما لي أراكَ منكسِرًا؟». فقال جابر في حياء وكاد الدمع ينبجس من عينيه: «يا رسول الله استشهد أبي، وترك عيالاً، وعليه دين».

الأب استشهد في سبيل العقيدة، ورسول العقيدة يهتم بأسر الشهداء، ولكن لابد أن تسنح فرصة ليحل الرسول(ص) المشاكل. مضى جابر لسبيله إلى إن وقعت غزوة ذات الرقاع، وكان جابر في الطليعة الغازية مع الرسول الكريم وفي هذه الغزوة التقى جابر بالرسول الكريم، فبادره الرسول(ص): «مَا فَعَلَ دَيْنُ أَبِيكِ». فقال جابر: يا رسول الله هو عليه انتظر أن نجد نخله. فقال: إذا جذذت، فأحضرني واعزل العجوة على حدتها، وألوان التمر على حدتها.

ولما ان حان وقت جذ النخل وحصاد التمر فعل جابر طبقاً لما له رسول الله(ص) من تصنيف ألوان التمركل على حدة، ولما ان انتهى جابر من عملية التفريز هرول إلى رسول الله(ص) مستبشراً جذلاً، وأخبر الرسول بما فعل، فأقبل رسول الله إلى البستان، بستان والد جابر والذي انتقل إليه وإلى أخواته، وراثة، فلما إن وقع نظر رسول الله(ص) على التمر مفرزاً مصنفاً ابتهل إلى الله تعالى ودعا: «اللهُمَّ بَارِكْ لَهُ».

ثم مشى وئيداً إلى كل لون من ألوان التمر المصنف يمسه ويباركه، ثم أمر جابر أن يدعو غريم أبيه الذي له عليه - أي على أبيه - دين فجاء المدين، واكتال دينه من العجوة – وهو تمر خاص - حتى اكتمل دينه وذهب. وعندما ذهب الدائن، والذي استوفى دينه شعر جابر بارتياح من الدين الباهض الذي كان قد أثقل كاهله، والذي كاد أن ينوء تحت ثقله. قال رسول الله في رفق وحب: «هَلْ بَقِيَ عَلَى أَبِيكَ شَيْ‏ءُ». قال جابر ووجهه طافح بالبشر: «لا».

ولنصغي إلى جابر وهو يقص علينا المعجزة الكريمة بحيث لولا المعجزة لما استطاع جابر أن يسدد دين أبيه، ولو باع الرأسمال أو البستان كله قال جابر: «و بقي سائر التمر فأكلنا منه دهراً، وبعنا منه حتى ادركت الثمرة من قابل، ولقد كنت أقول لو بعت أصلها ما بلغت على أبي من الدين، فلقد رأيتني والنبي(ص) يقول: «مَا فَعَلْتَ فِي دِينِ أَبِيكِ» فقلت قد قضاه الله. فقال: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِجَابِرِ». فاستغفر في ليلة خمساً وعشرين مرة.

ثم ان جابراً خاض المعارك إلى جانب رسول الله(ص)، وتبلغ ثمانية عشر غزوة ومعركة، ولم يشهد معركة بدر واحد لظروف السن، ولظروف الأسرة حيث كان لأبيه بناتاً وولداً واحداً وهو جابر، فكان الفتى المراهق يعني بأسرة أبيه إذا ما اشترك الأب في معركة[٤].

غزا جابر غزوة تبوك مع رسول الله(ص) ولما عادوا من الغزوة منطلقين باتجاه العاصمة وإذا بجمل جابر يصيبه الإعياء والارهاق من المسيرة الطويلة، ومن الجوع والعطش اللذين لقيهما على إمتداد الطريق عوداً وبدءاً، وكان الليل قد ضرب سرادقه على الجيوش الإسلامية العائدة إلى عاصمتها فماذا يفعل جابر مع جمله هذا الذي ضرب الأرض بجرانه، وهذه الجيوش تسير وتكاد تفوته أفيمكث في البيداء القاحلة يعالج جمله؟

إن من الحكمة أن يحمل زاده وما يخصه من أمتعة على ظهره ثم يلحق بالجيوش التي كادت تتخطاه ثم يترك الجمل وشأنه. ومن هذا المنطلق الفكري الحكيم طفق جابر يحمل الأمتعة وزاده من على ظهر الجمل، وإذا برسول الله(ص) الذي كان أبداً يعني بجنوده، ويرعى ضعيفهم ويحدب على منقطعهم يلمح شبحاً يمشي فقال: من هذا. فقال ابن عبد الله: جابر. قال الرسول: «ما لك؟». فذكر جابر قصة جمله، فقال الرسول(ص): اردد عليه متاعك واركبه.

ثم ان رسول الله دنا من الجمل ومسه بيده المباركة وإذا بالجمل المعني يقوم بصاحبه وينطلق به كأنما نشط من عقال، ولا يكاد صاحبه يستطيع أن يصده عن الهملجة السريعة. يقول جابر وهو مشرق الوجه يكاد الفرح يطير به قبل جمله: «فجعلت لا أضبطه في السير».

ثم إن جابراً بعد وفاة الرسول والتحاقة بالرفيق الأعلى مارس الزراعة، وعاش حياة الزاهدين المتقشفين، وفي خلال عمله اليومي كان يغترف من ينبوع الإمام وتعاليمه القيمة، ولما ان بلغ الإمام الخلافة كان جابر في طليعة المؤيدين والمناصرين والمعاضدين، ولم يكد يسمع جابر برحلة الإمام باتجاه ما بين النهرين حتى شد أمتعته، وهيأ زاده وصفى حساباته ثم انضم إلى جيش الإمام كجندي وسار بمسار الإمام، وهناك في ساحة المعركة الجملية خاض جابر مع بقية رفاقه من الأنصار والمهاجرين معركة هائلة.

ولما أن وضعت الحرب أوزارها وأقبل الليل بطلائعه اجتمع بعض رفاق جابر في حلقة مسامرة، وكانت العيون تتطلع إلى ضحايا المعركة، وكانت هناك من بين الضحايا ثلة صحبت الرسول(ص) أو صاحبت رفاق الرسول(ص) فانهمرت العيون بالدموع وسرت إلى رفاق جابر الأسى على الدنيا كيف تغر أهلها؟ وكيف تأخذ بأيديهم في محجة لاحبة ومهيع آمن ثم تلتوى بهم في طريق مضرس غير معبد، طريق معتم المعالم لا يكاد يلمع فيها ضوء سوى ظلام المطامع أو الأحقاد أو العصبيات الشيطانية.

أهذه هي الدنيا في ظلامها وضلالها؟ كان جابر ورفاقه يفكرون في الدنيا وأدوارها الظالمة وعيونهم مشدوهة مسمرة على الضحايا ثم شرعوا في ذم الدنيا وكشف مواصفاتها اللئيمة إلى الهزيع الأخير من الليل، وهؤلاء ضحايا الجمل ماثل امام عيونهم، وكان الرفاق قد حمى وطيس ذمهم للدنيا وإذا بالإمام يشرف عليهم ويقول: «فِيمَ أَنْتُمْ فِيهِ» فقال جابر ورفاقه: في ذم الدنيا، فقال الإمام: «تَذُمَّ الدُّنْيَا يَا جَابِرٍ؟»

ثم شرع الإمام المعلم الأكبر للامة يلقي الأضواء الكاشفة على الدنيا ومحامدها: «يا جابر الدُّنْيَا مَنْزِلُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا ومَسْكَنُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا ودَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا. مَسْجِدُ أَنْبِيَاءِ اللهِ ومَهْبِطُ وَحْيِهِ ومُصَلَّى مَلَائِكَتِهِ ومَسْكَنُ أَحِبَّائِهِ ومَتْجَرُ أَوْلِيَائِهِ. اكْتَسَبُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ ورَبِحُوا مِنْهَا الْجَنَّةَ فَمَنْ ذَا يَذُمُّ الدُّنْيَا يَا جَابِرُ وقَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا ونَادَتْ بِانْقِطَاعِهَا ونَعَتْ نَفْسَهَا بِالزَّوَالِ ومَثَّلَتْ بِبَلَائِهَا الْبَلَاءَ وشَوَّقَتْ بِسُرُورِهَا إِلَى السُّرُورِ ورَاحَتْ بِفَجِيعَةٍ وابْتَكَرَتْ بِنِعْمَةٍ وعَافِيَةٍ تَرْهِيباً وتَرْغِيباً يَذُمُّهَا قَوْمٌ عِنْدَ النَّدَامَةِ. خَدَمَتْهُمْ جَمِيعاً فَصَدَّقَتْهُمْ وذَكَّرَتْهُمْ فَذَكَرُوا ووَعَظَتْهُمْ فَاتَّعَظُوا وخَوَّفَتْهُمْ فَخَافُوا وشَوَّقَتْهُمْ فَاشْتَاقُوا. فَأَيُّهَا الذَّامُّ لِلدُّنْيَا الْمُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا مَتَى اسْتَذَمَّتْ إِلَيْكَ بَلْ مَتَى غَرَّتْكَ بِنَفْسِهَا بِمَصَارِعِ آبَائِكَ مِنَ الْبِلَىي، أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ مِنَ الثَّرَى كَمْ مَرَّضْتَ بِيَدَيْكَ وعَلَّلْتَ بِكَفَّيْكَ تَسْتَوْصِفُ لَهُمُ الدَّوَاءَ وتَطْلُبُ لَهُمُ الْأَطِبَّاءَ لَمْ تُدْرِكْ فِيهِ طَلِبَتَكَ، ولَمْ تُسْعَفْ فِيهِ بِحَاجَتِكَ بَلْ مَثَّلَتِ الدُّنْيَا بِهِ نَفْسَكَ وبِحَالِهِ حَالَكَ غَدَاةَ لَا يَنْفَعُكَ أَحِبَّاؤُكَ، ولَا يُغْنِي عَنْكَ نِدَاؤُكَ حِينَ يَشْتَدُّ مِنَ الْمَوْتِ أَعَالِينُ الْمَرَضِ وأَلِيمُ لَوْعَاتِ الْمَضَضِ حِينَ لَا يَنْفَعُ الْأَلِيلُ[٥] ولَا يَدْفَعُ الْعَوِيلُ يَحْفَزُ بِهَا الْحَيْزُومُ ويَغَصُّ بِهَا الْحُلْقُومُ لَا يُسْمِعُهُ النِّدَاءُ، ولَا يَرُوعُهُ الدُّعَاءُ، فَيَا طُولَ الْحُزْنِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْأَجَلِ ثُمَّ يُرَاحُ بِهِ عَلَى شَرْجَعٍ[٦]. نَقَلَهُ أَكُفٌّ أَرْبَعٌ فَيَضْجَعُ فِي قَبْرِهِ فِي لَبْثٍ وضِيقِ جَدَثٍ فَذَهَبَتِ الْجِدَة، وانْقَطَعَتِ الْمُدَّةُ ورَفَضَتْهُ الْعُطَفَةُ وقَطَعَتْهُ اللُّطَفَةُ. لَا تُقَارِبُهُ الْأَخِلَّاءُ ولَا يُلِمُّ بِهِ الزُّوَّارُ ولَا اتَّسَقَتْ بِهِ الدَّارُ انْقَطَعَ دُونَهُ الْأَثَرُ واسْتُعْجِمَ دُونَهُ الْخَبَرُ، وبَكَّرَتْ وَرَثَتُهُ فَاقْتُسِمَتْ تَرِكَتُهُ، ولَحِقَهُ الْحُوبُ، وأَحَاطَتْ بِهِ الذُّنُوبُ فَإِنْ يَكُنْ قَدَّمَ خَيْراً طَابَ مَكْسَبُهُ وإِنْ يَكُنْ قَدَّمَ شَرّاً تَبَّ مُنْقَلَبُهُ. وَ كَيْفَ يَنْفَعُ نَفْساً قَرَارُهَا والْمَوْتُ قَصَارُهَا، والْقَبْرُ مَزَارُهَا فَكَفَى بِهَذَا وَاعِظاً». كَفَى يَا جَابِرُ امْضِ مَعِي. قَالَ يا جَابِرُ: فَمَضَيْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا الْقُبُورَ فَقَالَ يَا أَهْلَ التُّرْبَةِ ويَا أَهْلَ الْغُرْبَةِ أَمَّا الْمَنَازِلُ فَقَدْ سُكِنَتْ وأَمَّا الْمَوَارِيثُ فَقَدْ قُسِمَتْ وأَمَّا الْأَزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ. هَذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا فَمَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ». قَالَ يا جَابِرُ: ثُمَّ أَمْسَكَ عَنِّي مَلِيّاً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «وَ الَّذِي أَقَلَّ السَّمَاءَ فَعَلَتْ وسَطَحَ الْأَرْضَ فَدَحَتْ لَوْ أُذِنَ لِلْقَوْمِ فِي الْكَلَامِ لَقَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ثُمَّ قَالَ(ع): يَا جَابِرُ إِذَا شِئْتَ فَارْجِعْ»[٧].

ثم ان جابر بن عبد الله خاض إلى جانب الإمام معركة صفين[٨]، ولما انتهت المعركة حتى شد جابر رحاله متجها صوب المدينة، مسقط رأسه ليجدد عهده برسول الله، ويزور أقربائه وذوي رحمه. كان جار بن عبد الله الأنصاري مع ثلة من الأنصار ساروا إلى مدينتهم، وهناك ألقوا عصا الترحال بعد أن تزودوا الكثير من التعاليم التي نص عليها الإمام، وعلمها أمنه وهو يخوض الحروب ضد الناكثين والقاسطين، تماماً كما علمهم الإمام المنهاج الذي يسيرون عليه في معاركهم مع المسلمين الناكثين والقاسطين، والمعارك التي تنجم بين بعضهم البعض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. كان ابن عبد الله في المدينة وقد أضحى زعيما من زعماء الأنصار له الكلمة المسموعة ...

وفي ذات يوم ترامت إلى الأسماع إن جيشاً من قبل معاوية وبقيادة بسر يتجهون إلى المدينة... اقترب الجيش وحاصر مدينة رسول الله ثم دخل الجيش المدينة الآمنة من دون ان يلقى مقاومة من والي المدينة من قبل الإمام أبي أيوب الأنصاري[٩].

ارتقى بسر منبر رسول الله وتجمهر الناس بدافع الخوف، أو بدافع الفضول رمى بسر ببصره، والشرر يتطاير من عينيه، وطفق يتكلم وكان مطلع كلامه الشتيمة وسب الأنصار ثم أمر الناس ان يبايعوا للطاغية معاوية ثم مد يده وهرع الناس خوفاً، وتردد آخرون في الاستجابة لليد الممدودة إليهم.

بايع المترددون حيث لم يكن مجال للتردد.... وما ان انتهت البيعة وتصفيق الأيدي وإذا به يرمي بطرفه في جموع الناس ثم يفحصهم واحداً واحداً، فيفقد كبيراً من زعماء الأنصار يا ترى من هو هذا، فإذا بنا نراه وقد عقد بين حاجبيه، واكفهرت ملامحه القاسية، ورمى بنظره إلى بني سلمة قوم ابن عبد الله الأنصاري وزعيمهم، وكانوا حضروا المسجد حقنا لدمائهم، ودفعاً للهيب الجيش الواقف على أهبة الاستعداد ليسحق من يحاول الصمود امامه. نظر بسر إلى بني سلمة، وقال في نبرات الطاغية: ما لكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بن عبد الله، وكان ابن عبد الله قد توارى عن عيون الجيش، ولم يحضر المسجد فيمن حضر، ولم يبايع فيمن بايع، فبحث عنه قومه حتى وجدوه فقالوا له فى ضراعة: «ننشدك الله لما انطلقت معنا فبايعت، فحقنت دمك ودماء قومك، فإنك إن لم تفعل مقلت مقاتلينا، وسبيت ذرارينا».

ففكر ابن عبد الله في هذه البيعة التي يدعونه إليها إن الإمام لا يزال في قيد الحياة، وله على الامة وعلى أهل المدينة خاصة ميثاق البيعة، ولا يزال الميثاق قائماً. انه بايع الإمام فكيف ينقض ميثاق البيعة ببيعة أخرى جاهلية لم ينزل الله بها من سلطان. انها بيعة ضلالة. لا معدى له من حقن دماء قومه ولو مد يده لبيعة ضلالة، ولكن قبل أن يذهب إلى بسر دعه يستشير أم المؤمنين «أم سلمة»، فهي زوج رسول الله، ولها حكمتها ودرايتها في مثل هذه الملمات. دعه يذهب إليها ويستكشف رأيها علها تنير له الطريق، وتفتح امامه آفاق النفس بعد أن ضاقت ببسر وجيش الباغي ذرعاً.

كان جماعة ابن عبد الله ينتظرون قراره. رفع جابر رأسه وقال وتكاد الغصة تأخذ عليه مسار الكلمات: «استنظروني إلى الليل» ولما ان ضرب الليل رواقه على المدينة، وخفت الطرقات من المارة هرع ابن عبد الله ولبس من الليل جلباباً إلى أم المؤمنين «أم سلمة»، وهناك في بيتها القى إليها نبأ البيعة الضليلة، فقالت السيدة التي ناهزت الستين من ربيعها، وقد علمت من ذي قبل بأنباء البيعة الارهابية: «يا بني انطلق فبايع. أحقن دمك ودماء قومك، فإني قد أمرت ابني عمرو بن أبي سلمة، وأمرت ختني عبد الله بن زمعة – وكانت ابنتها عنده - أن يبايع، وإني لأعلم أنها بيعة ضلالة» [١٠].

وهكذا اثلجت «أم المؤمنين» صدر صاحبنا طالما ان ابن أخيها أمرته أن يذهب ويبايع، قلم لا يذهب هو، ومن البيعة كل هذه المكاسب: يحقن دمه، ويصون دماء قومه أن تراق من السيف المسلط ... ذهب وبايع ...

ثم أقام بسر بالمدينة أياماً واستخلف على أهلها أبا هريرة، وحذرهم الخلاف ثم خرج منها إلى مكة.

ثم ان ابن عبد الله الأنصاري أمضى أعوام حياته بعد استشهاد الإمام وفي غضون ثلاثين عاماً في التعليم والتثقيف، ونشر العلوم التي أخذها عن رسول الله، واقتبسها من الإمام حتى يقال عن ابن عبد الله الأنصاري: إنه أربعة انتهى إليهم علم الأنبياء وهم: سلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، و السيد الحميري، و يونس بن عبد الرحمن[١١].

وكانت لابن عبد الله حلقة كبيرة في مسجد رسول الله يتقاطر إليها طلبة العلم، ويتوافدون إليها من كل فج عميق، وكانت هذه الحلقة تعقد على مدار السنة الا إن تنجم بعض الاحداث التي تعيق الحلقة من مسيرتها الصاعدة وكانت هذه الحلقة ربما أمست حفلاً كبيراً في أيام موسم الحج حيث كان الحجاج يتوافدون إلى المدينة إلى زيارة ضريح رسول الله، فكانوا يتزودون من دروس ابن عبد الله الأنصاري لتكون هداياهم إلى ذويهم وأصدقائهم إذا رجعوا إلى بلدانهم وأقطارهم.

كان ابن عبد الله الأنصاري مهتما بهذه الحلقة لا يكاد يغيب عنها، يلقي فيها محاضرات في تفسير القرآن، ودروساً في الحديث والسنن، ودروساً في تعاليم الإمام. ومن خلال هذه الحلقة الدراسية كان ابن عبد الله ينافح عن الإمام، ويذود عن شخصيته العملاقة، وينشر تعاليمه وقضاياه الفكرية. هذا بعد إن شئت السلطة الحاكمة حملة شعواء ضد الإمام والإسلام.

كان ابن عبد الله ينشر هاتيك التعاليم وتلكم الأحاديث التي سمعها عن رسول الله المنوهة عن الإمام ومكانته وشخصيته ومؤهلاته الفذة، كان ينشرها في طريقة لا تصل إلى سمع السلطة، وعلى منهاج الهمس والاشارة، وعلى صورة مبطنة. وكان يشرح ظروف تلكم الأحاديث المشيدة بالإمام وملابساتها، وكان أمتع الدروس لدى التلامذة هي هاتيك الأحاديث الخاصة، وتلكم التعاليم، وذلك لأن السلطة كانت تناوئ الإمام، وتناوي تعاليمه الأمر الذي كان التلامذة يرهفون الأسماع إذا بلغ ابن عبد الله الأنصاري إلى هذه المقاطع في سياق دروسه، إذ يقال في المثل الشهير «إن الإنسان حريص على ما منع».

وفي ذات يوم سأله تلميذه أبو زبير المكي، وكانت الدعاية السياسية المناوئة للامام بلغت ذروتها الأمر الذي أثارت مسحة غائمة في ذهن البسطاء: «أخبرني أي رجل كان علي بن أبي طالب(ع)».

فقال ابن عبد الله وكان لا يزال يتمتع بنواظره، قال وهو يرفع حاجبيه وكانتا مرسلتين على عينيه ليرمق السائل في دهشة ويقول: «ذلك خير البشر، أما والله إن كنا لنعرف المنافقين على عهد رسول الله ببغضهم اياه».

إن المنافقين لم تمكنهم الظروف أن يجاهروا بالعداء لصاحب الرسالة محمد بن عبد الله(ص)، ولكنهم كانوا يستطيعون الغض من ابن عم رسول الله، وزوج ابنته الزهراء(س) حيث لم يكن هناك رادع اجتماعي زاخر، ومن هذا المنطلق تصدى الرسول نفسه لهذا الاعلام المعادي من الثلة المنافقة لابن عمه ورافع رايته الإمام علي بن أبي طالب(ع)، وكانت أحاديث الرسول المشيدة والمنوهة بالإمام يسمعها الصحب، ومنهم الشاب المتحمس جابر بن عبد الله الأنصاري فكان هو وجماعته يعرفون سمة المنافق ببغضه لامام المتقين، وجهره بهذه العضيهة.

وعن أبي الزبير المكي قال: رأيت جابر بن عبد الله الأنصاري يتوكأ على عصاه وهو يدور في سكك المدينة ومجالسهم، ويقول بصوت رفيع: «عَلِيٌّ خَيْرُ الْبَشَرِ فَمَنْ أَبَى فَقَدْ كَفَرَ». ثم يخاطب الأنصار قائلاً: «مَعَاشِرَ الْأَنْصَارِ أَدِّبُوا أَوْلَادَكُمْ عَلَى حُبِّ عَلِيٍّ(ع) فَمَنْ أَبَى فَلْيُنْظَرْ فِي شَأْنِ أُمِّهِ».

وإذا ما انتهت ساعات الدرس كان ابن عبد الله يرتاد منتدى الإمام الحسن(ع)، ويتزود من ثقافة الإمامة والإمام، ولما ان استشهد الحسن(ع) أضحى ابن عبد الله يرتاد منتدى الإمام الحسين، ويتشرب من ألوان المعرفة التي كان الحسين(ع) يشيعها في صحبه الأدنين، وحينما تسامع أهل المدينة ان الإمام الحسين(ع) استشهد على رمضاء كربلاء كان جابر بن عبد الله الأنصاري في المبادرين بل أول من زار الحسين وضريحه على أرض الشهادة والتضحية.

ثم أخذ ابن عبد الله الأنصاري يرتاد دار الإمام زين العابدين علي بن الحسين، ويبكي هناك ما أسعفه البكاء. ثم ينتهل من معين الإمام زين العابدين، ويحفظ أدعيته وابتهالاته إلى الله تعالى. ولما ان التحق الإمام زين العابدين بالرفيق الأعلى كان ابن عبد الله الأنصاري يلتقي بالإمام أبي جعفر محمد الباقر(ع)، وكان الإمام الباقر يشيد بالأنصاري ويثني عليه ثناءاً عاطراً، ويروي عنه، والأنصاري يومئذ كان قد بلغ الشيخوخة القصوى حيث توفى في عهد هذا الإمام العيلم(ع).

ولما كانت السلطة الحاكمة تعلم صلات ابن عبد الله الأنصاري بأهل البيت، وتعرف مدى منافحته عن الإمام الأمر الذي كان يلاقي من الحكام العنت والاضطهاد.

رأينا آنفاً كيف ان بسر اضطره إلى البيعة؟

وهذا الحجاج الطاغية يرسل إلى جابر بن عبد الله الأنصاري في ٧٤ ويستجيب ابن عبد الله، وقائده يقوده وقد فقد نواظره في آخر حياته، ويصل إلى الحجاج يهمس القائد في أذن الشيخ الكبير ابن عبد الله ويقول: هذا الحجاج، فيطرق ابن عبد الله ولا يحيه تحية الامارة، فيامر الحجاج وقد استشاط غضباً أن يختموا على يده، فيختمون على يده بخاتم نار، ويبقى طابعه. كل هذا بغية إذلاله، بغية إبعاد الجماهير والتلامذة عنه[١٢].

والحجاج لا يكتفي بصاحبنا الشيخ الصحابي العظيم بل ويرسل إلى صحابي آخر أنصاري يذود عن الإمام ويوالي أهل البيت، والصحابي الذائد هو سهل بن سعد الساعدي ثم يأمر جلاوزته أن يختموا في عنقه بالنار، وتبقى هذه الشارة في عنق سهل حتى يلحق بالرفيق الأعلى.

كان جابر بن عبد الله الأنصاري في طليعة الزائرين لضريح الإمام الحسين، ولم يمر على استشهاده سوى أسابيع، وإن دماء صحبه المراقة كانت لا تزال طرية على ثرى كربلاء.

كان ابن عبد الله الأنصاري في المدينة، وكان قد سمع برحلة الإمام الحسين باتجاه كربلاء، وود من كل كيانه لو استطاع أن يرافقه لولا عينيه الضريرتين.

مضت أسابيع من رحلة الإمام الحسين، وإذا به وهو في مسجده يسمع الناعي ينعى الحسين واستشهاد صحبه وأبناءه على أرض كربلاء، فيبكي، ويبكي ولكن البكاء لم تبلسم قلبه الجريح، ولا نفسه الهائمة الملتاعة الحيري، فيرى من الخير أن يرتاد ذلك الثرى الذي دارت فيه المعركة الرهيبة، فيأمر الشيخ الجليل ابن عبد الله الأنصاري، وقد كاد أن يبلغ الثمانين من سنيه الحافلة بإعداد الزاد والراحلة له ولقائده «عطية العوفي»، وصحب جابر جماعة من بني هاشم، وثلة من رجالات آل الرسول في رحلته هذه. كانت النوق تخب عبر الصحراء القاحلة وعلى إمتداد الجبال الجرداء السوداء تؤم مثوى الحبيب.

كان ابن عبد الله لا يكاد يرقأ له دمع أو يخف له نشيج. إنه الحسين بن علي ريحانة رسول الله، وابن الزهراء البتول. إنه استاذه وشيخه الأكبر وامامه المقتدى. أيقتل هكذا على مرأى ومسمع من المسلمين؟!.

ان الذكريات كانت تترى على قلب ابن عبد الله الأنصاري، ذكريات طفولة الحسين، ذكريات شبابه، ذكريات زواجه وتكوين أسرة، ذكريات رحلته من المدينة برفقة أبيه الإمام باتجاه عاصمة أبيه الجديدة، ذكريات عودة الحسين من العاصمة بعد استشهاد أبيه الإمام ذكريات الاجتماعات التي كان يعقدها الحسين، وكان هو - أي ابن عبد الله - يتصدر هذه الاجتماعات، ويصغي إلى حديث الحسين العذب كأنه نبرات رسول الله وحديثه. إنها ذكريات كثيرة كانت تطالع ابن عبد الله وهو في رحلته إلى كربلاء.

الحسين هذا أيستشهد على مرأى ومسمع من الملأ، ولا يحرك ساكناً، والأدهى من ذلك أن يكون على يد السلطة الطاغية التي تدعي خلافة المسلمين.

أنها الذكريات التي لا تكاد تنضب من ذهن وقلب ابن عبد الله.

وكل ذكرى كانت تثير شجونه، ويطلق عنان البكاء والنحيب لنفسه. كانت الرحلة من بدايتها إلى نهايتها على أرض المعركة دموع وذكريات.

ولما أن بلغ ابن عبد الله وقائده «العوفي» أرض المعركه ارتاد ابن عبد الله شاطئ الفرات، وهناك اغتسل ثم اتزر بازار، وارتدى بآخر ثم تطيب ب «السعد» نشرها على ملابسه وجسمه ثم سار ابن عبد الله باتجاه ضريح الحسين، ولم يكن يخطو خطوة الا ذكر الله سبحانه وتعالى حتى إذا دنا من الضريح قال للعوفي ويكاد النشيج والانفعالات النفسية تقطع عليه الكلمة، وتقطع عليه المسار، ويقع مغشياً عليه قبل بلوغ الضريح. قال ابن عبد الله للعوفي وقد دنا من الضريح: المسنيه.

قال العوفي: فالمسته إياه فخر على القبر مغشياً عليه، فبادرت إلى الماء فرششت عليه شيئاً فأفاق ثم طفق يقول: يا حسين يا حسين، يا حسين.

ثم قال: حبيب لا يجيب حبيبة.

ثم قال: «إني لك بالجواب، وقد شخبت أوداجك على أثباجك، وفرق بين بدنك ورأسك. أشهد أنك ابن خير النبيين، وابن سيد النقباء، وابن فاطمة سيدة النساء. وما لك لا تكون هكذا وقد غذتك كف سيد المرسلين، وربيت في حجر المتقين، ورضعت من ثدي الأيمان، وفطمت بالإسلام فطبت حياً وطبت ميتاً غير أن قلوب المؤمنين غير طيبة بفراقك، ولا شاكة في حياتك فعليك سلام الله ورضوانه، وأشهد أنك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا».

ثم جال يتلمس بيده حول الضريح وأضرحه أبناء الحسين، وأصحابه الذين ضحوا في سبيله، وقال وقد خنقته العبرة: «السلام عليكم أيتها الأرواح حلت بفناء الحسين(ع)، وأناخت برحله. أشهد أنكم أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر، وجاهدتم الملحدين، وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين».

ثم قال في صوت متهدج وقد غمره الفرح على ولائه لأهل البيت، وحبه الغامر لهم وفي نفس الوقت شعر أنه وأصحابه أول موكب يزور الحسين على مدار مواكب الزائرين. قال: «وَ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ لَقَدْ شَارَكْنَاكُمْ فِيمَا دَخَلْتُمْ فِيهِ».

أنه أحب الحسين، وأحب عقيدته، وعشق تضحيته، وتضحية أصحابه اذن هو وأصحابه من المؤيدين للحسين وأهدافه ومبادئه، فهو وأصحابه شريك للحسين وأصحابه في المسيرة والثواب.

قال «عطية» وقد سرت في نفسه الدهشة من كلمة ابن عبد الله الأنصاري، يا ترى كيف يكون هو - أي عطية - شريكاً للحسين وأصحابه في مسيرته الجهادية الفدائية، وعبر عن هذا الشعور بقوله: «فكيف ولم نهبط وادياً، ولم نعل جبلاً، ولم نضرب بسيف والقوم قد فرق بين رؤوسهم وأبدانهم، وأوتمت أولادهم، وأرملت أزواجهم».

نعم إن الحسين وأصحابه عانوا الرحلة، وتحملوا معانات الهبوط إلى وادي، والصعود نحو جبل. ثم إنهم رضوان الله عليهم قد جاهدوا واستشهدوا فخلفوا أيتاماً وايامي.

انهم جاهدوا في عالم المادة: ضربوا بالسيف، وطعنوا بالرمح وتحملوا الآلام. وفي نفس الوقت انهم جاهدوا في عالم النفس حيث ضغطوا على عاطفة الابوة، وعاطفة حب الاسرة، ولم يولوها أي اهتمام. ونعلم أن العاطفة التي تمتلك المرء أحياناً فلا تدعه يخطو خطوة واحدة تجاه الجهاد والنضال بل ولا تجاه رحلة قصيرة يبتعد عن بنيه وأسرته.

و هنا أخذ جابر بن عبد الله الأنصاري يشرح كلمته تلك، ويلقى الأضواء عليها بمدلول الوحي، قال في نبرات مطمئنة: يا عطية سمعت حبيبي رسول الله(ص) يقول: «يَا عَطِيَّةُ سَمِعْتُ حَبِيبِي رَسُولَ اللهِ(ص) يَقُولُ: مَنْ أَحَبَّ قَوْماً حُشِرَ مَعَهُمْ ومَنْ أَحَبَّ عَمَلَ قَوْمٍ أُشْرِكَ فِي عَمَلِهِمْ».

قال جابر: «وَ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً(ص) بِالْحَقِّ نَبِيّاً إِنَّ نِيَّتِي ونِيَّةَ أَصْحَابِي عَلَى مَا مَضَى عَلَيْهِ الْحُسَيْنُ وأَصْحَابُهُ».

إن نية الحسين وأصحابه هي إعلاء كلمة الله في الأرض على مختلف الأصعدة، وإن نية ابن عبد الله الأنصاري وأصحابه هي نفس نية الحسين(ع) وأصحابه وفي نفس الوقت فان ابن عبد الله كان يعتقد بامامة الإمام الحسين واتخذه قدوة في حياته وبعد استشهاده، وكذلك أصحاب ابن عبد الله الأنصاري كانوا على نفس المنهاج على نفس الخط.

كان الحديث دائراً بين ابن عبد الله والعوفي وإذا بالعوفي يرمق الافق البعيد فيلمح قافلة مقبلة باتجاه ضريح الإمام الشهيد، وأصحابه الشهداء، ولكن لم يستطع أن يتبين هوية أصحاب القافلة مما جعله يهتف ويقول: يا جابر هذا سواد قد طلع من ناحية الشام.

فتساءل جابر: يا ترى من هم أصحاب القافلة، أهم من العدو أو من أسرة الحسين ارتادت زيارته، فإن كان من العدو فعليه أن يبادر هو وأصحابه ويختبئوا في مكان الأمر الذي هتف بعبده قائلاً: «انطلق إلى هذا السواد وآتنا بخبره فإن كانوا من أصحاب عمر بن سعد، فارجع إلينا لعلنا نلجأ إلى ملجأ، وإن كان زين العابدين فأنت حر لوجه الله».

وهكذا طفق العبد يعدو وهو يأمل أن تكون القافلة هي أسرة الحسين الإمام الشهيد، ولكن ما أسرع إن رجع العبد والبشرى تلوح في قسمات وجهه إن أضحى حراً، وتلوح في نبرات كلماته حرارة ملتاعة، ويهتف بجابر وتكاد الدموع تطفر من عينيه: يا جابر قم واستقبل حرم رسول الله، هذا زين العابدين قد جاء بعماته وأخواته.

فقام جابر مشبوب المشاعر ملتاع الأحاسيس حزيناً باكياً يمشي القدمين، مكشوف الرأس، يتعثر في مشيته إلى أن دنا من زين العابدين(ع).

فقال الإمام زين العابدين علي بن الحسين(ع): «أَنْتَ جَابِرٍ؟» فقال: «نعم يابن رسول الله». فقال: «يَا جَابِرُ ههنا وَ اللهِ قُتِلَتْ، رِجَالِنَا، وَ ذُبِحَتْ أطفالنا، وَ سَبَيْتُ نِسَاءَنَا، وَ حُرْقَةَ خيامنا».

وأقام الموكب الرسالي، موكب آل محمد العزاء، وانضم إلى آل الرسول، وصحب الأنصاري نساء السواد من القرى المجاورة لأرض كربلاء، فبكوا وندبوا الحسين وأصحابه الشهداء صلوات الله عليهم، وعلى زائريهم ما سمر سمير، وما أم نجم نجماً.[١٣]

جابر الأنصاري في دمشق

وفي ذات يوم حاول أن يسافر ابن عبد الله الأنصاري من المدينة ومناخها المشبوب بالأوار، وينطلق باتجاه دمشق حيث الهواء المنعش، وحيث الأشجار المتهدلة الثمار، وحيث الماء السلسبيل البارد.

على هذا الاتجاه ركب راحلته وأخذت ناقته تحب في الصحراء الجرداء الملتهبة على أمل أن يصل إلى ظلال أشجار دمشق الوارفة، وحينما وصل الشيخ الكبير ابن عبد الله الأنصاري وقد جلله المشيب إلى دمشق أمضى برهة يتمتع من مناخ المدينة، ويلتقي برفاقه وأصدقائه حتى نضى عن نفسه وعثاء السفر، ومتاعب الطريق ثم رأى أن يسلم على الخليفة عله يبلغ بعض مطاليبه وحقوقه من بيت مال المسلمين الذي سيطر عليه الخليفة، فهو يمنح كما يحب لا كما تفرضه الشريعة الإسلامية.

ارتاد شيخنا الصحابي الكبير بلاط الخليفة ولكن الحاجب حجبه عن مواصلة مسيرته باتجاه الخليفة ثم ان الحاجب أبلغ الخليفة عن ابن عبد الله بعد ما سأله عن هويته، وحينما شعر الخليفة ان ابن عبد الله الأنصاري ارتاد بلاطه رأى أن يشعره بالذل، ويرميه بسهام الاهمال تماماً كما كان يفعله مع كل أنصاري مؤيد للإمام، ومنافح عنه فكان الأنصاري يرتاد البلاط على مدار الأيام فيقال له: إن الخليفة مشغول بكذا، أو ليس هو في القصر أو رحل إلى مكان كذا أو أنه شرب الدواء، وشعر الخليفة أنه قد أرهق الأنصاري، وأنه ربما ذهب ولم يعد إليه أبداً. في هذه اللحظة أشار على حاجبه بأن يدخل عليه الأنصاري إذا ارتاد بلاطه، وكالعادة ارتاد الانصاري البلاط وقد امتعض من هذا الاهمال والاستهانة بشأنه، وهو من كبار أصحاب رسول الله، وقرر مع نفسه إن الخليفة إذا حجبه هذه المرة فإنه سوف لا يعود إلى البلاط المشحون بالأحقاد.

أقبل الأنصاري حتى بلغ الباب الكبير للقصر وما ان لمحه الحاجب حتى احتفى به، وهلل في وجهه ثم دله في لطف إلى مقر الخليفة، وهناك ما ان وقع نظره على الخليفة وهو فوق عرشه تكاد اليتاه أن تملئان العرش كله، وبطنه أو شك أن بغطي ساحة الديوان معظمه.

قال الأنصاري في لهجة صارمة معبرة مخاطباً إياه باسمه لا بلقبه المغصوب المضطهد أعني «أمير المؤمنين»: يا معاوية أما سمعت رسول الله يقول: «من حجب الله ذا فاقة وحاجة حجبه الله يوم فاقته وحاجته».

ولم يكد يسمع معاوية هذا الخطاب باسمه لا بلقبه وهو المعتد بنفسه، الفخور بصولجانه، المنتشي بدماء المسلمين حتى غضب وحمى وطيس شأبوبه، وهتف بابن عبد الله الأنصاري يرد الحديث بالحديث: لقد سمعته يقول: «ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تردوا علي الحوض». ثم قال متهكماً ساخراً: «أفلا صبرت».

ترى أنه يقول «سمعته» ولم يجري على لسانه «سمعت رسول الله» لأن هذا اللقب العظيم يكرره الذي يوالي صاحب اللقب، ويعشق رسالته، ويضحي في سبيلها أما الذي حاربها بدءاً، وأسلم مكرها، وناضلها أخيراً كيف يمكنه التلفظ بهذا اللقب الذي يثير مشاعره، ويثير لواعج أشجانه عن أخيه القتيل، وخاله القتيل، وأمه الحاقدة الشهيرة ب «أكلت الأكباد».

وما ان سمع الأنصاري هذا الحديث حتى طفق يقول: ذكرتني ما نسيت ثم نهض مبادراً إلى خارج القصر ثم استقل ناقته ومضى حثيثاً والغضب الثائر يكاد ينسيه مجال طريقه واتجاه مرماه.

وحينما أضحى معاوية وحده فكر في «القصة» الأنفة فرأى ان الأنصاري جابر بن عبد الله زعيم الأنصار إذا ما بلغ يثرب، فإن أقل بادرة تكون منه هو التحريض ضده، واثارة حركة مناوئة له أو الهتاف في تصرفاته مما دعاه أن يرسل إلى ابن عبد الله الأنصاري بهدية مالية تقدر ب (٦٠٠) دينار. ولكن الأنصاري الذي كان مضطرم الأوار، والذي فكر لو انه تسلم الهدية من رسوله فإنها ستكتب حسنه - حسب تفكير الأنصاري - في صحيفة الأموي، ويثاب عليها، ومن هذا المنطلق الفكري امتنع من تسلم الهدية وردها بعنف وقال لرسول المال في نبرات غاضبة محتدمة وقد تذكر هوية معاوية ومن هي أسرته: «قل له يابن آكلة الأكباد لا وجدت في صحيفتك حسنة أنا سببها أبدا»[١٤].

كانت لجابر كما ذكرتها المعاجم ثلاث رحلات: رحلة إلى كربلاء كما رأينا، ورحلة أو رحلتان إلى الشام، ورحلة إلى مصر.

والتقى بعبد الملك بن مروان ودخل بلاطه فرحب به ابن مروان واحتفى به، فلما شاهد ابن عبد الله هذه الحفاوة، وذلك التكريم ظن أنه لو أسدى إلى عبد الملك نصيحة تعم أهل المدينة بالخير لتقبلها، وعمل بمضمونها مما حدى به أن يقول في حرارة: «يا أمير المؤمنين! هذه طيبة إن رأيت أن تصل أرحام أهلها، وتعرف حقهم».

ولكن عبد الملك ما ان سمع هذه النصحية حتى امتعض واكفهر وجهه، وأعرض عن ابن عبد الله الأنصاري، ولكن ابن عبد الله لم يكد يلح علي ابن مروان، ويكرر نصيحته، وهو لا يكاد يشعر بمشاعر عبدالملك أو يرى ملامحه وتجهمها حتى أندفع بعض الجالسين يهمس في أذن عبد الله يطلب منه أن يسكت، ويقلع عن نصيحته فسكت على مضض، ولما وخرج هو وأصحابه من البلاط تقدم قبيصة من ابن عبد الله وقال له: «إن هؤلاء القوم صاروا ملوكاً، وإنه لا يسمع إلا ما يوافقه، وقد أمر لك بخمسة آلاف درهم، فاستعن بها على زمانك». فقبلها جابر.

روى جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي(ص)، و الإمام أمير المؤمنين علي(ع)، و معاذ بن جبل، و عمار بن ياسر، و أبي حميد الساعدي، وغيرهم.

عن همام بن يحيى عن الكلبي في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ[١٥]. قال: يمحو من الرزق، ويزيد فيه، ويمحو من الأجل، ويزيد فيه. قال همام: فقلت للكلبي: من حدثك. قال: حدثني أبو صالح عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي(ص). قال جابر بن عبد الله الأنصاري: إن النبي(ص) قال في هذه الآية: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ[١٦]. هي الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له[١٧].

روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري أولاده:

  1. عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله الأنصاري
  2. عقيل بن جابر بن عبد الله الأنصاري
  3. محمد بن جابر بن عبد الله الأنصاري

وروى أيضاً عن جابر:

  1. الإمام أبو جعفر الباقر(ع).
  2. سعيد بن المسيب
  3. محمود بن لبيد
  4. أبو الزبير المكي
  5. عمرو بن دينار
  6. محمد بن عمرو بن الحسن
  7. محمد بن المنكدر
  8. أبو نضرة العبدي
  9. وهب بن كيسان
  10. سعيد بن منياء
  11. الحسن بن محمد بن الحنفية
  12. سعيد بن الحارث
  13. سالم بن أبي الجعد
  14. أيمن الحبشي
  15. الحسن البصري
  16. أبو صالح السمان
  17. سعيد بن أبي هلال
  18. سليمان بن عتيق
  19. عاصم بن عمر بن قتادة
  20. الشعبي
  21. عبد الله بن كعب بن مالك
  22. عبد الرحمن بن كعب بن مالك
  23. أبو عبد الرحمن الحبلي
  24. عبيد الله بن مقسم
  25. عطاء بن أبي رباح.
  26. عروة بن الزبي
  27. مجاهد
  28. القعقاع بن حكيم
  29. زيد الفقير واسمه سلمة بن عبد الرحمن.

وخلق كثير[١٨].[١٩]

وفاة جابر بن عبد الله الأنصاري

توفى جابر بن عبد الله الأنصاري عام ٧٨ وهو يومئذ ابن ٩٤ سنة، ويعني هذا أنه أسلم في ربيعه السادس عشر، وهو آخر الصحابة الذين شهدوا العقبة الثانية وفاة بالمدينة. قال ابن الأثير: «و هو آخر من مات بالمدينة ممن شهد العقبة»[٢٠].

وكان يحفى شاربه، ويخضب لحيته بالصفرة بعد أن غزاها المشيب، وأمست بيضاء ناصعة، وربما خضب لحيته وشعر رأسه بالصفرة علماً ان المنهج في ذلك العهد لدى القوم أن لا يحلقوا شعر هاماتهم الا في مناسك الحج أو ضرورة تلجأهم إلى حلق شعر رؤسهم، فكنت تراهم يطلقون الشعر مسترسلاً، وربما ظفروه جدائل أو يدعوه مسترسلاً إلى شحمة الأذن.[٢١]

عقبه

أبو الفضل الأنصاري من أبناء القرن السادس وهو من أحفاد صاحب الترجمة جابر بن عبد الله الأنصاري[٢٢].

وعلى هذا فإن زعم ابن سعد بأن جابر بن عبد الله الأنصاري «ليس له عقب» يكون متهافتاً[٢٣]. أو أن أبا الفضل الأنصاري الذي هو من علماء القرن السادس أخطأ في انتسابه إلى جابر بن عبد الله الأنصاري أو التبس على ابن الأثير الأمر.[٢٤]

مع أحاديث جابر

  1. «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ(ع) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص) مَنْ أَرْضَى سُلْطَاناً بِسَخَطِ اللَّهِ خَرَجَ مِنْ دِينِ اللَّهِ»[٢٥].
  2. «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وعَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ(ص) فَقَالَ: إِنَّ خَيْرَ نِسَائِكُمُ الْوَلُودُ الْوَدُودُ الْعَفِيفَةُ الْعَزِيزَةُ فِي أَهْلِهَا الذَّلِيلَةُ مَعَ بَعْلِهَا الْمُتَبَرِّجَةُ مَعَ زَوْجِهَا الْحَصَانُ عَلَى غَيْرِهِ الَّتِي تَسْمَعُ قَوْلَهُ وتُطِيعُ أَمْرَهُ وإِذَا خَلَا بِهَا بَذَلَتْ لَهُ مَا يُرِيدُ مِنْهَا ولَمْ تَبَذَّلْ كَتَبَذُّلِ الرَّجُلِ»[٢٦].
  3. «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وعَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص): أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِ نِسَائِكُمْ الذَّلِيلَةُ فِي أَهْلِهَا الْعَزِيزَةُ مَعَ بَعْلِهَا الْعَقِيمُ الْحَقُودُ الَّتِي لَا تَوَرَّعُ مِنْ قَبِيحٍ الْمُتَبَرِّجَةُ إِذَا غَابَ عَنْهَا بَعْلُهَا الْحَصَانُ مَعَهُ إِذَا حَضَرَ لَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ ولَا تُطِيعُ أَمْرَهُ وإِذَا خَلَا بِهَا بَعْلُهَا تَمَنَّعَتْ مِنْهُ كَمَا تَمَنَّعُ الصَّعْبَةُ عَنْ رُكُوبِهَا لَا تَقْبَلُ مِنْهُ عُذْراً ولَا تَغْفِرُ لَهُ ذَنْباً»[٢٧].
  4. «سَهْلُ بْنُ زِيَادٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ بَشِيرٍ الدَّهَّانِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) وعَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص): إِذَا حُمِلَ عَدُوُّ اللَّهِ إِلَى قَبْرِهِ نَادَى حَمَلَتَهُ أَ لَا تَسْمَعُونَ يَا إِخْوَتَاهْ أَنِّي أَشْكُو إِلَيْكُمْ مَا وَقَعَ فِيهِ أَخُوكُمُ الشَّقِيُّ أَنَّ عَدُوَّ اللَّهِ خَدَعَنِي فَأَوْرَدَنِي ثُمَّ لَمْ يُصْدِرْنِي وأَقْسَمَ لِي أَنَّهُ نَاصِحٌ لِي فَغَشَّنِي وأَشْكُو إِلَيْكُمْ دُنْيَا غَرَّتْنِي حَتَّى إِذَا اطْمَأْنَنْتُ إِلَيْهَا صَرَعَتْنِي وأَشْكُو إِلَيْكُمْ أَخِلَّاءَ الْهَوَى مَنَّوْنِي ثُمَّ تَبَرَّءُوا مِنِّي وخَذَلُونِي وأَشْكُو إِلَيْكُمْ أَوْلَاداً حَمَيْتُ عَنْهُمْ وآثَرْتُهُمْ عَلَى نَفْسِي فَأَكَلُوا مَالِي وأَسْلَمُونِي وأَشْكُو إِلَيْكُمْ مَالًا مَنَعْتُ مِنْهُ حَقَّ اللَّهِ فَكَانَ وَبَالُهُ عَلَيَّ وكَانَ نَفْعُهُ لِغَيْرِي وأَشْكُو إِلَيْكُمْ دَاراً أَنْفَقْتُ عَلَيْهَا حَرِيبَتِي وصَارَ سَاكِنُهَا غَيْرِي وأَشْكُو إِلَيْكُمْ طُولَ الثَّوَاءِ فِي قَبْرِي يُنَادِي: أَنَا بَيْتُ الدُّودِ أَنَا بَيْتُ الظُّلْمَةِ والْوَحْشَةِ والضَّيْقِ. يَا إِخْوَتَاهْ فَاحْبِسُونِي مَا اسْتَطَعْتُمْ واحْذَرُوا مِثْلَ مَا لَقِيتُ فَإِنِّي قَدْ بُشِّرْتُ بِالنَّارِ وبِالذُّلِّ والصَّغَارِ وغَضَبِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ وَا حَسْرَتَاهْ عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ويَا طُولَ عَوْلَتَاهْ- فَمَا لِي مِنْ شَفِيعٍ يُطاعُ ولَا صَدِيقٍ يَرْحَمُنِي فَلَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً- فَأَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»[٢٨].
  5. «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ(ع) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص): مَنْ أَرْضَى سُلْطَاناً بِسَخَطِ اللَّهِ خَرَجَ مِنْ دِينِ اللَّهِ»[٢٩].
  6. «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ فُلَيْحِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: واللَّهِ إِنِّي لَجَالِسٌ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وعِنْدَهُ وُلْدُهُ إِذْ جَاءَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ أَبِي جَعْفَرٍ(ع) فَخَلَا بِهِ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص) أَخْبَرَنِي أَنِّي سَأُدْرِكُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ يُكَنَّى أَبَا جَعْفَرٍ فَإِذَا أَدْرَكْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ قَالَ ومَضَى جَابِرٌ ورَجَعَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع) فَجَلَسَ مَعَ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع) وإِخْوَتِهِ فَلَمَّا صَلَّى الْمَغْرِبَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع) أَيَّ شَيْءٍ قَالَ لَكَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص) قَالَ إِنَّكَ سَتُدْرِكُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِيَ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ يُكَنَّى أَبَا جَعْفَرٍ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ هَنِيئاً لَكَ يَا بُنَيَّ مَا خَصَّكَ اللَّهُ بِهِ مِنْ رَسُولِهِ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ بَيْتِكَ لَا تُطْلِعْ إِخْوَتَكَ عَلَى هَذَا فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً كَمَا كَادُوا إِخْوَةُ يُوسُفَ لِيُوسُفَ(ع)»[٣٠].
  7. «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) قَالَ: إِنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ آخِرَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(ص) وكَانَ رَجُلًا مُنْقَطِعاً إِلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وكَانَ يَقْعُدُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص) وهُوَ مُعْتَجِرٌ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ وكَانَ يُنَادِي يَا بَاقِرَ الْعِلْمِ يَا بَاقِرَ الْعِلْمِ فَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ- جَابِرٌ يَهْجُرُ فَكَانَ يَقُولُ: لَا واللَّهِ مَا أَهْجُرُ ولَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص) يَقُولُ: إِنَّكَ سَتُدْرِكُ رَجُلًا مِنِّي اسْمُهُ اسْمِي وشَمَائِلُهُ شَمَائِلِي يَبْقُرُ الْعِلْمَ بَقْراً فَذَاكَ الَّذِي دَعَانِي إِلَى مَا أَقُولُ: قَالَ: فَبَيْنَا جَابِرٌ يَتَرَدَّدُ ذَاتَ يَوْمٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ إِذْ مَرَّ بِطَرِيقٍ فِي ذَاكَ الطَّرِيقِ كُتَّابٌ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ يَا غُلَامُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ شَمَائِلُ رَسُولِ اللَّهِ(ص) والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ يَا غُلَامُ مَا اسْمُكَ قَالَ: اسْمِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ ويَقُولُ بِأَبِي أَنْتَ وأُمِّي أَبُوكَ رَسُولُ اللَّهِ(ص) يُقْرِئُكَ السَّلَامَ ويَقُولُ ذَلِكَ. قَالَ: فَرَجَعَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ إِلَى أَبِيهِ وهُوَ ذَعِرٌ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ لَهُ يَا بُنَيَّ وقَدْ فَعَلَهَا جَابِرٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ الْزَمْ بَيْتَكَ يَا بُنَيَّ فَكَانَ جَابِرٌ يَأْتِيهِ طَرَفَيِ النَّهَارِ وكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ وَا عَجَبَاهْ لِجَابِرٍ يَأْتِي هَذَا الْغُلَامَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وهُوَ آخِرُ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(ص) فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَضَى عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)، فَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ يَأْتِيهِ عَلَى وَجْهِ الْكَرَامَةِ لِصُحْبَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ(ص). قَالَ: فَجَلَسَ(ع) يُحَدِّثُهُمْ عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى فَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَا رَأَيْنَا أَحَداً أَجْرَأَ مِنْ هَذَا. فَلَمَّا رَأَى مَا يَقُولُونَ حَدَّثَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص) فَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَا رَأَيْنَا أَحَداً قَطُّ أَكْذَبَ مِنْ هَذَا يُحَدِّثُنَا عَمَّنْ لَمْ يَرَهُ فَلَمَّا رَأَى مَا يَقُولُونَ حَدَّثَهُمْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ فَصَدَّقُوهُ وكَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَأْتِيهِ فَيَتَعَلَّمُ مِنْهُ»[٣١].
  8. «مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ظَرِيفٍ وعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: قَالَ أَبِي لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ- إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَمَتَى يَخِفُّ عَلَيْكَ أَنْ أَخْلُوَ بِكَ فَأَسْأَلَكَ عَنْهَا فَقَالَ لَهُ جَابِرٌ أَيَّ الْأَوْقَاتِ أَحْبَبْتَهُ فَخَلَا بِهِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ فَقَالَ لَهُ يَا جَابِرُ أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّوْحِ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي يَدِ أُمِّي فَاطِمَةَ(س) بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صوَ مَا أَخْبَرَتْكَ بِهِ أُمِّي أَنَّهُ فِي ذَلِكَ اللَّوْحِ مَكْتُوبٌ فَقَالَ جَابِرٌ أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنِّي دَخَلْتُ عَلَى أُمِّكَ فَاطِمَةَ ع فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص) فَهَنَّيْتُهَا بِوِلَادَةِ الْحُسَيْنِ ورَأَيْتُ فِي يَدَيْهَا لَوْحاً أَخْضَرَ ظَنَنْتُ أَنَّهُ مِنْ زُمُرُّدٍ ورَأَيْتُ فِيهِ كِتَاباً أَبْيَضَ شِبْهَ لَوْنِ الشَّمْسِ فَقُلْتُ لَهَا بِأَبِي وأُمِّي يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صمَا هَذَا اللَّوْحُ فَقَالَتْ هَذَا لَوْحٌ أَهْدَاهُ اللَّهُ إِلَى رَسُولِهِ صفِيهِ اسْمُ أَبِي واسْمُ بَعْلِي واسْمُ ابْنَيَّ واسْمُ الْأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِي وأَعْطَانِيهِ أَبِي لِيُبَشِّرَنِي بِذَلِكَ قَالَ جَابِرٌ فَأَعْطَتْنِيهِ أُمُّكَ فَاطِمَةُ ع فَقَرَأْتُهُ واسْتَنْسَخْتُهُ فَقَالَ لَهُ أَبِي فَهَلْ لَكَ يَا جَابِرُ أَنْ تَعْرِضَهُ عَلَيَّ قَالَ نَعَمْ فَمَشَى مَعَهُ أَبِي إِلَى مَنْزِلِ جَابِرٍ فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مِنْ رَقٍ فَقَالَ يَا جَابِرُ انْظُرْ فِي كِتَابِكَ لِأَقْرَأَ أَنَا عَلَيْكَ فَنَظَرَ جَابِرٌ فِي نُسْخَةٍ فَقَرَأَهُ أَبِي فَمَا خَالَفَ حَرْفٌ حَرْفاً فَقَالَ جَابِرٌ فَأَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنِّي هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي اللَّوْحِ مَكْتُوباً: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ*- لِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ ونُورِهِ وسَفِيرِهِ وحِجَابِهِ ودَلِيلِهِ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَظِّمْ يَا مُحَمَّدُ أَسْمَائِي واشْكُرْ نَعْمَائِي ولَا تَجْحَدْ آلَائِي إِنِّي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا قَاصِمُ الْجَبَّارِينَ ومُدِيلُ الْمَظْلُومِينَ ودَيَّانُ الدِّينِ إِنِّي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَمَنْ رَجَا غَيْرَ فَضْلِي أَوْ خَافَ غَيْرَ عَدْلِي عَذَّبْتُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ فَإِيَّايَ فَاعْبُدْ وعَلَيَّ فَتَوَكَّلْ إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ نَبِيّاً فَأُكْمِلَتْ أَيَّامُهُ وانْقَضَتْ مُدَّتُهُ إِلَّا جَعَلْتُ لَهُ وَصِيّاً وإِنِّي فَضَّلْتُكَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وفَضَّلْتُ وَصِيَّكَ عَلَى الْأَوْصِيَاءِ وأَكْرَمْتُكَ بِشِبْلَيْكَ وسِبْطَيْكَ حَسَنٍ وحُسَيْنٍ فَجَعَلْتُ حَسَناً مَعْدِنَ عِلْمِي بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ أَبِيهِ وجَعَلْتُ حُسَيْناً خَازِنَ وَحْيِي وأَكْرَمْتُهُ بِالشَّهَادَةِ وخَتَمْتُ لَهُ بِالسَّعَادَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ مَنِ اسْتُشْهِدَ وأَرْفَعُ الشُّهَدَاءِ دَرَجَةً جَعَلْتُ كَلِمَتِيَ التَّامَّةَ مَعَهُ وحُجَّتِيَ الْبَالِغَةَ عِنْدَهُ بِعِتْرَتِهِ أُثِيبُ وأُعَاقِبُ أَوَّلُهُمْ عَلِيٌّ سَيِّدُ الْعَابِدِينَ وزَيْنُ أَوْلِيَائِيَ الْمَاضِينَ وابْنُهُ شِبْهُ جَدِّهِ الْمَحْمُودِ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ عِلْمِي والْمَعْدِنُ لِحِكْمَتِي سَيَهْلِكُ الْمُرْتَابُونَ فِي جَعْفَرٍ الرَّادُّ عَلَيْهِ كَالرَّادِّ عَلَيَّ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأُكْرِمَنَّ مَثْوَى جَعْفَرٍ ولَأَسُرَّنَّهُ فِي أَشْيَاعِهِ وأَنْصَارِهِ وأَوْلِيَائِهِ أُتِيحَتْ بَعْدَهُ مُوسَى فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ حِنْدِسٌ- لِأَنَّ خَيْطَ فَرْضِي لَا يَنْقَطِعُ وحُجَّتِي لَا تَخْفَى وأَنَّ أَوْلِيَائِي يُسْقَوْنَ بِالْكَأْسِ الْأَوْفَى مَنْ جَحَدَ وَاحِداً مِنْهُمْ فَقَدْ جَحَدَ نِعْمَتِي ومَنْ غَيَّرَ آيَةً مِنْ كِتَابِي فَقَدِ افْتَرَى عَلَيَّ وَيْلٌ لِلْمُفْتَرِينَ الْجَاحِدِينَ عِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ مُوسَى عَبْدِي وحَبِيبِي وخِيَرَتِي فِي عَلِيٍّ وَلِيِّي ونَاصِرِي ومَنْ أَضَعُ عَلَيْهِ أَعْبَاءَ النُّبُوَّةِ وأَمْتَحِنُهُ بِالاضْطِلَاعِ بِهَا يَقْتُلُهُ عِفْرِيتٌ مُسْتَكْبِرٌ يُدْفَنُ فِي الْمَدِينَةِ الَّتِي بَنَاهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ- إِلَى جَنْبِ شَرِّ خَلْقِي حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَسُرَّنَّهُ بِمُحَمَّدٍ ابْنِهِ وخَلِيفَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ ووَارِثِ عِلْمِهِ فَهُوَ مَعْدِنُ عِلْمِي ومَوْضِعُ سِرِّي وحُجَّتِي عَلَى خَلْقِي لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ بِهِ إِلَّا جَعَلْتُ الْجَنَّةَ مَثْوَاهُ وشَفَّعْتُهُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ وأَخْتِمُ بِالسَّعَادَةِ لِابْنِهِ عَلِيٍّ وَلِيِّي ونَاصِرِي والشَّاهِدِ فِي خَلْقِي وأَمِينِي عَلَى وَحْيِي أُخْرِجُ مِنْهُ الدَّاعِيَ إِلَى سَبِيلِي والْخَازِنَ لِعِلْمِيَ الْحَسَنَ وأُكْمِلُ ذَلِكَ بِابْنِهِ محمد رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ عَلَيْهِ كَمَالُ مُوسَى وبَهَاءُ عِيسَى وصَبْرُ أَيُّوبَ فَيُذَلُّ أَوْلِيَائِي فِي زَمَانِهِ وتُتَهَادَى رُءُوسُهُمْ كَمَا تُتَهَادَى رُءُوسُ التُّرْكِ والدَّيْلَمِ فَيُقْتَلُونَ ويُحْرَقُونَ ويَكُونُونَ خَائِفِينَ مَرْعُوبِينَ وَجِلِينَ تُصْبَغُ الْأَرْضُ بِدِمَائِهِمْ ويَفْشُو الْوَيْلُ والرَّنَّةُ فِي نِسَائِهِمْ أُولَئِكَ أَوْلِيَائِي حَقّاً بِهِمْ أَدْفَعُ كُلَّ فِتْنَةٍ عَمْيَاءَ حِنْدِسٍ وبِهِمْ أَكْشِفُ الزَّلَازِلَ وأَدْفَعُ الْآصَارَ والْأَغْلَالَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ:" قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَالِمٍ قَالَ أَبُو بَصِيرٍ لَوْ لَمْ تَسْمَعْ فِي دَهْرِكَ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ لَكَفَاكَ فَصُنْهُ إِلَّا عَنْ أَهْلِهِ»[٣٢].
  9. «مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ(س) وبَيْنَ يَدَيْهَا لَوْحٌ فِيهِ أَسْمَاءُ الْأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِهَا فَعَدَدْتُ اثْنَيْ عَشَرَ آخِرُهُمُ الْقَائِمُ(ع) ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ مُحَمَّدٌ وثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ عَلِيٌّ»[٣٣].
  10. «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ السَّرِيِّ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع) قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص) مَرَّ بِنَا ذَاتَ يَوْمٍ ونَحْنُ فِي نَادِينَا وهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ وذَلِكَ حِينَ رَجَعَ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَوَقَفَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ فَرَدَدْنَا(ع) ثُمَّ قَالَ مَا لِي أَرَى حُبَّ الدُّنْيَا قَدْ غَلَبَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى كَأَنَّ الْمَوْتَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى غَيْرِهِمْ كُتِبَ وكَأَنَّ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى غَيْرِهِمْ وَجَبَ وحَتَّى كَأَنْ لَمْ يَسْمَعُوا ويَرَوْا مِنْ خَبَرِ الْأَمْوَاتِ قَبْلَهُمْ سَبِيلُهُمْ سَبِيلُ قَوْمٍ سَفْرٍ عَمَّا قَلِيلٍ إِلَيْهِمْ رَاجِعُونَ بُيُوتُهُمْ أَجْدَاثُهُمْ ويَأْكُلُونَ تُرَاثَهُمْ فَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ [أَ] مَا يَتَّعِظُ آخِرُهُمْ بِأَوَّلِهِمْ لَقَدْ جَهِلُوا ونَسُوا كُلَّ وَاعِظٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وآمَنُوا شَرَّ كُلِّ عَاقِبَةِ سُوءٍ ولَمْ يَخَافُوا نُزُولَ فَادِحَةٍ وبَوَائِقَ حَادِثَةٍ طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ خَوْفُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ خَوْفِ النَّاسِ طُوبَى لِمَنْ مَنَعَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ إِخْوَانِهِ طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وزَهِدَ فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ رَغْبَةٍ عَنْ سِيرَتِي ورَفَضَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ تَحَوُّلٍ عَنْ سُنَّتِي واتَّبَعَ الْأَخْيَارَ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ بَعْدِي وجَانَبَ أَهْلَ الْخُيَلَاءِ والتَّفَاخُرِ والرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا الْمُبْتَدِعِينَ خِلَافَ سُنَّتِي الْعَامِلِينَ بِغَيْرِ سِيرَتِي طُوبَى لِمَنِ اكْتَسَبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَالًا مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ فَأَنْفَقَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وعَادَ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ طُوبَى لِمَنْ حَسُنَ مَعَ النَّاسِ خُلُقُهُ وبَذَلَ لَهُمْ مَعُونَتَهُ وعَدَلَ عَنْهُمْ شَرَّهُ طُوبَى لِمَنْ أَنْفَقَ الْقَصْدَ وبَذَلَ الْفَضْلَ وأَمْسَكَ قَوْلَهُ عَنِ الْفُضُولِ وقَبِيحِ الْفِعْلِ»[٣٤].
  11. «ابْنُ مَحْبُوبٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سَدِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا إِذَا مَرُّوا بِرَسُولِ اللَّهِ حَوْلَ الْبَيْتِ طَأْطَأَ أَحَدُهُمْ ظَهْرَهُ ورَأْسَهُ هَكَذَا وغَطَّى رَأْسَهُ بِثَوْبِهِ لَا يَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص) فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ[٣٥]»[٣٦].[٣٧]

المراجع والمصادر

  1.   السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ج٢

الهوامش

  1. طبقات ابن سعد ٣: ٥٧٤.
  2. الاستيعاب ٢: ٣٣٣.
  3. الاستيعاب ٢: ٣٣١-٣٣٣.
  4. غزا الرسول(ص) بنفسه ٢١ غزوة.
  5. الأليل: الأتين والثكل.
  6. الشرجع. النعش أو الجنازة الطويلة.
  7. مصباح البلاغة ١: ٢٦٥، وتحف العقول وأمالي الطوسي المجلس السابع ومطالب السؤل والأرشاد.
  8. الاستيعاب ١: ٢٢٢، أسد العانة ١: ٢٥٦.
  9. و كان الجيش مؤلفاً من ثلاثة آلاف جندي. يراجع: الكامل لابن الأثير حوادث سنة ٤٠، أعيان الشيعة ٥: ١٤٥.
  10. تاريخ الطبري ٥: ١٣٩- ١٤٠.
  11. فهرست الطوسي ٣٦٦ يونس بن عبد الرحمن من الفقهاء، ومن أصحاب الإمام الرضا ثامن ائمة أهل البيت(ع).
  12. أسد الغابة ٢: ٣٦٦.
  13. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ٦٤-٨٢.
  14. مروج الذهب ٣: ٣١٩ تحقيق شارل بلا – ط: بيروت ١٩٧٠.
  15. سورة الرعد: ٣٩.
  16. سورة يونس: ٦٤.
  17. طبقات ابن سعد: ٣: ٥٧٤.
  18. تهذيب التهذيب:
  19. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ٨٢-٨٧.
  20. أسد الغاية ١: ٢٥٦، الاستيعاب ١: ٢٢٢.
  21. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ٨٧.
  22. الكامل لأبن الأثير: ٥٤٥، ط: دار صادر - بيروت.
  23. يراجع طبقات ابن سعد: ٣: ٥٧٤.
  24. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (كتاب)|موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ٨٨.
  25. الكافي ٢: ۵:٣٧٣ باب من أطاع المخلوق في معصية الخالق.
  26. الكافي ۵: ١:٣٢۴ باب خير النساء.
  27. الكافي ۵: ۱:۳۷۵ باب شرار النساء.
  28. الكافي ٣: ٢:٢٣٣ باب ان الميت يمثل له ماله وولده.
  29. الكافي ۳: ۵:۲۷۳ باب من اطاع المخلوق في معصية الخالق.
  30. الكافي ۱: ۴:٣٠۴ باب الإشارة والنص على علي بن الحسين(ع).
  31. الكافي ۱: ۴۶۹: ۲ باب مولد أبي جعفر محمد بن علي(ع).
  32. الكافي ١: ۵٢٧ : ٣ باب ما جاء في الاثني عشر والنص عليهم(ع).
  33. الكافي ١: ۵٣٢ : ٩ باب ما جاء في الاثني عشر والنصر عليهم(ع).
  34. الكافي ٨: ۱۶۸: ۱۹۰.
  35. سورة هود: ۵.
  36. الكافي: ۸: ۱۴۴:١۱۵ حديث.
  37. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص 89-97.