نفي الجهة والمكان عن الله

أدلة نفي الجهة عن الله تعالى

1.الجهة لا تعقل إلاّ في المكان، والمكان ـ كما سيثبت لاحقاً ـ منفي عنه تعالى[١].

2.الشيء الذي يكون في جهة لا يخلو من حالتين:

الأولى: يكون لابثاً في تلك الجهة.
الثانية: يكون متحرّكاً عن تلك الجهة.
فيكون الشيء في كلتا الحالتين غير منفك عن الحوادث.
وكلّ ما لا ينفك عن الحوادث، فهو حادث.
ولكن الله ـ كما سيثبت لاحقاً ـ منزّه عن الحوادث[٢].

3.الذات الموجودة في جهة معيّنة تكون محدودة في إطار تلك الجهة، وبما أنّ الله منزّه عن الحدّ، فلهذا يكون منزّهاً عن الوجود في جهة معيّنة.

ولهذا قال الإمام علي(ع): «من أشار إليه فقد حدّه»[٣].

4.الذات الموجودة في جهة معيّنة تكون مفتقرة إلى تلك الجهة. وبما أنّ الله منزّه عن الافتقار، فلهذا يكون منزّهاً عن الوجود في جهة معيّنة[٤].

5.الذات الموجودة في جهة معيّنة تكون غير موجودة في الجهة الأخرى، فإذا كان الله تعالى في جهة، فسيلزم خلوّه عن سائر الجهات، وهذا باطل.[٥]

سبب رفع الأيدي نحو السماء في الدعاء

1. قال الإمام علي(ع): «إذا فرغ أحدكم من الصلاة، فليرفع يديه إلى السماء، ولينصب في الدعاء».

فسأله أحد الأشخاص: يا أميرالمؤمنين أليس الله في كلّ مكان؟

قال(ع): «بلى».

قال: فلمَ يرفع يديه إلى السماء؟

فقال(ع): «أو ما تقرأ ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ[٦]فمن أين يطلب الرزق إلاّ من موضع الرزق، وموضع الرزق وما وعد الله السماء»[٧].

2. سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع): ما الفرق بين أن ترفعوا أيديكم إلى السماء وبين أن تخفضوها نحو الأرض؟

قال(ع): «ذلك في علمه وإحاطته وقدرته سواء، ولكنّه عزّ وجلّ أمر أولياءه وعباده برفع أيديهم إلى السماء نحو العرش؛ لأنّه جعله معدن الرزق»[٨].[٩]

تفسير بعض الآيات القرآنية بعد معرفة استحالة إثبات الجهة لله تعالى

1.قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ[١٠]،المقصود من الفوقية هنا التعالي والعظمة والهيمنة في القوّة والقدرة[١١]، وليس المقصود الفوقية الحسيّة، ومن الشواهد القرآنية على الفوقية غير الحسيّة قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ[١٢]

2.قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ[١٣]، أي: إنّ الأعمال الصالحة تصعد إلى الملائكة الكرام حفظة الأعمال الذين مسكنهم في السماء، ولهذا نُسب هذا الصعود إليه تعالى[١٤].

3.قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ[١٥] أي: أءمنتم من الله الذي يوجد في السماء ملائكته الموكّلون بإنزال العذاب عليكم متى ما يشاء[١٦].

4.قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ[١٧]، أي: يخافون ربّهم أن ينزل عليهم العذاب من فوقهم[١٨].[١٩]

أدلة تنزيه الله عن وجوده في مكان

  1. يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء،[٢٠]. سئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع): هل يجوز أن نقول: إنّ الله عزّ وجلّ في مكان؟ فقال(ع): «سبحان الله وتعالى عن ذلك، إنّه لو كان في مكان لكان محدَثاً؛ لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان، والاحتياج من صفات المُحدَث لا من صفات القديم»[٢١].
  2. إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين:
الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل.
الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود. فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان[٢٢].[٢٣]

أحاديث لأهل البيت(ع) حول تنزيه الله تعالى عن الوجود في مكان

  1. قال الإمام علي(ع): «... إنّ اللّه جلّ وعزّ أيّن الأين فلا أين له، وجلّ عن أن يحويه مكان...»[٢٤].
  2. قال الامام علي(ع): «كان الله ولا مكان»[٢٥].
  3. قال الإمام جعفر بن محمّد(ع): «ولا يوصف [ عزّ وجلّ ] بكيف ولا أين...، كيف أصفه بأين وهو الذي أيّن الأين حتّى صار أيناً، فعرفت الأين بما أيّنه لنا من الأين...»[٢٦].
  4. سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع): أين كان ربّنا قبل أن يخلق سماءً أو أرضاً؟ فقال(ع): «أين سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان»[٢٧].[٢٨]

معنى نسبة بعض الأماكن إلى الله تعالى

1. ورد في معنى قول إبراهيم(ع): ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ[٢٩]

ومعنى قول موسى(ع): ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى[٣٠]
وقوله عزّ وجلّ: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ[٣١]
وغيرها من الآيات القرآنية التي تدل بظاهرها على وجود مكان لله تعالى[٣٢].
قال الإمام علي بن الحسين زين العابدين(ع): «.. إنّ الكعبة بيت الله فمن حجّ بيت الله فقد قصد إلى الله. والمساجد بيوت الله، فمن سعى إليها فقد سعى إلى الله وقصد إليه. والمصلّي مادام في صلاته فهو واقف بين يدي الله جلّ جلاله... وإنّ لله تبارك وتعالى بقاعاً في سماواته، فمن عُرج به إليها، فقد عرج به إليه، ألا تسمع الله عزّ وجلّ يقول: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ[٣٣] ويقول عزّ وجلّ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ»[٣٤][٣٥]

2. سئل الإمام موسى بن جعفر الكاظم(ع): لأيّ علّة عرج الله بنبيه(صلى الله عليه وآله) إلى السماء، ومنها إلى سِدرَة المنتهى، ومنها إلى حجب النور، وخاطبه وناجاه هناك، والله لا يوصف بمكان؟

فقال(ع): »إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان، ولا يجري عليه زمان، ولكنّه عزّ وجلّ أراد أن يشرّف به ملائكته وسكّان سماواته ويكرمهم بمشاهدته، ويريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه، وليس ذلك على ما يقول المشبّهون، سبحان الله وتعالى عما يشركون«[٣٦].[٣٧]

معنى وجود الله في كلّ مكان

  1. قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): »هو في كلّ مكان، وليس هو في شيء من المكان بمحدود...«[٣٨].
  2. قال الإمام علي(ع): »... هو في كلّ مكان بغير مماسة ولا مجاورة، يحيط علماً بما فيها، ولا يخلو شيء منها من تدبيره...«[٣٩].
  3. قال الإمام علي(ع): »لم يحلُل في الأشياء فيقال هو فيها كائن. ولم ينأ عنها فيقال هو عنها بائن. ولم يخل منها فيقال أينَ. ولم يقرب منها بالالتزاق. ولم يبعد عنها بالافتراق. بل هو في الأشياء بلا كيفية[٤٠].
  4. سئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع): فهو [ عزّ وجلّ ] في كلّ مكان؟ أليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض؟! وإذا كان في الأرض كيف يكون في السماء؟! فقال(ع): «إنّما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل عن مكان، واشتغل به مكان، وخلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه. فأمّا الله العظيم الشأن المَلِك الديّان فلا يخلو منه مكان، ولا يشتغل به مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان»[٤١].
  5. عن محمّد بن نعمان قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن قول الله عزّ وجلّ: { وهو الله في السماوات وفي الأرض } [ الأنعام: 3 ] قال(ع): «كذلك هو في كلّ مكان». قلت: بذاته. قال(ع): «ويحك! إنّ الأماكن أقدار، فإذا قلت: في مكان بذاته، لزمك أن تقول: في أقدار وغير ذلك، ولكن هو بائن من خلقه، محيط بما خلق علماً وقدرة وإحاطة وسلطاناً وملكاً... لا يبعد منه شيء، والأشياء له سواء علماً وقدرة وسلطاناً وملكاً وإحاطة»[٤٢].[٤٣]

المراجع والمصادر

  1.   علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام)

الهوامش

  1. انظر: مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج الخامس، البحث الرابع، ص 204.
  2. انظر: نهج الحق وكشف الصدق، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المبحث الرابع، ص57، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث التوحيد، كونه تعالى ليس في جهة من الجهات، ص 227 ـ 228.
  3. نهج البلاغة، الشريف الرضي: خطب أميرالمؤمنين(ع)، خطبة (1 )، ص 14.
  4. انظر: قواعد العقائد، نصيرالدين الطوسي: الباب الثاني، الصفات السلبية، ص 69. كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الثاني، الصفات السلبية، ص 215 ـ 216. الباب الحادي عشر، العلامة الحلّي: الفصل الثالث، الصفة الثانية، البحث الثاني، ص 52.
  5. علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، ص88.
  6. سورة الذاريات، الآية 22.
  7. علل الشرائع، الشيخ الصدوق: ج 2، باب 50: العلّة التي من أجلها ترفع اليدين في الدعاء إلى السماء، ح1، ص 344.
  8. التوحيد، الشيخ الصدوق، باب 36، ح 1، ص 242.
  9. علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، ص87-88.
  10. سورة الأنعام، الآية 18.
  11. انظر: اللوامع الإلهية، مقداد السيوري، اللامع الثامن، المرصد الأوّل، النوع الثاني، ص 185.
  12. سورة الأعراف، الآية 127.
  13. سورة فاطر، الآية 10.
  14. انظر: كنز الفوائد، أبو الفتح الكراجكي: ج 2، فصل: من الكلام في أنّ الله تعالى لا يجوز أن يكون له مكان، ص 106.
  15. سورة الملك، الآية 16.
  16. انظر: المنقذ من التقليد، سديدالدين الحمصي: ج 1، القول في نفي التشبيه عنه تبارك وتعالى، ص 108.
  17. سورة النحل، الآية 50.
  18. انظر: اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع الثامن، المرصد الأوّل، النوع الثاني، ص 185.
  19. علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، ص88-89.
  20. انظر: النكتب الاعتقادية، الشيخ المفيد: الفصل الأوّل، ص 29. قواعد العقائد: نصيرالدين الطوسي، الباب الثاني، الصفات السلبية، ص 69. قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الرابعة، الركن الثاني، البحث الرابع، ص 71. الباب الحادي عشر، العلاّمة الحلّي: الفصل الثالث: الصفات السلبية، الصفة الثانية، ص 52.
  21. التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 28، ح11، ص174 .
  22. انظر: كنز الفوائد، أبو الفتح الكراجكي: ج 2، فصل: من الكلام في أنّ الله تعالى لا يجوز أن يكون له مكان، ص 104. إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث التوحيد، استحالة التحيّز للباري تعالى، ص 227.
  23. علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، ص114.
  24. بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي، ج 57، باب 1، ح 63، ص 83 .
  25. الإرشاد، الشيخ المفيد: ج 1، باب الخبر عن أميرالمؤمنين(ع) فصل: في ذكر مختصر من قضائه(ع)في إمارة أبي بكر، ص 201.
  26. الكافي، الشيخ الكليني: ج 1، كتاب التوحيد، باب النهي عن الصفة...، ح 12، ص 103 ـ 104. التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 8، ح 14، ص 111 ـ 112.
  27. الكافي، الشيخ الكليني: ج 1، كتاب التوحيد، باب الكون والمكان، ح 5، ص 89 ـ 90. التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 28، ح 4، ص 170.
  28. علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، ص115.
  29. سورة الصافات، الآية 99.
  30. سورة طه، الآية 84.
  31. سورة الذاريات، الآية 50.
  32. من قبيل قوله تعالى في قصّة عيسى ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِسورة النساء، الآية 158. راجع: بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج 3، كتاب التوحيد، باب 14، ح 17، ص 321.
  33. سورة المعارج، الآية 4.
  34. سورة فاطر، الآية 10.
  35. التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 28، ح 8، ص 172 ـ 173.
  36. التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 28، ح 5، ص 170.
  37. علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، ص115-116.
  38. المصدر السابق: باب 44، ح 1، ص 303.
  39. الإرشاد، الشيخ المفيد: ج 1، باب: الخبر عن أميرالمؤمنين(ع)، فصل: في ذكر مختصر من قضائه(ع)في إمارة أبي بكر، ص 201.
  40. التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 2، ح 34، ص 77.
  41. التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 36، ح 3، ص248.
  42. المصدر السابق: باب 9، ح 15، ص 128 ـ 129.
  43. علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، ص116-118.