الألفة في نهج البلاغة
التعريف
الأُلفَة: الصداقة والمؤانسة، أو الاتحاد والانسجام، أو اجتماع مع التئام، يقال: ألّفتُ بين القوم، ويقال: ألِف المكان يألَفُهُ ألفاً: إذا أحبّه ولم يَطبْ نفساً بفراقه، والإلفة: المرأة تألفها وتألفك. وعند السالكين هي ميلان القلب إلى المألوف.
من وصيّته(ع) لأصحابه: «فَالْزَمُوا كُلَّ أمْرٍ لَزِمَتْ الْعِزَّةُ بِهِ شَأْنَهُمْ... وَوَصَلَتِ الْكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُمْ؛ مِنَ الاجْتِنَابِ لِلْفُرْقَةِ، وَاللُّزُومِ لِلْأُلْفَةِ»[١]. أي المحبّة والاُنس.
ومن موعظته(ع) بحال الاُمم الماضية: «فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ في آخِرِ أُمُورِهِمْ، حِينَ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ، وَتَشَتَّتَتِ الْأُلْفَةُ»[٢]. أي الوفاق والالتئام والاجتماع.
ومن هذا القبيل قوله(ع): «فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَبَنِي إِسْحَاقَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ(ع)... لَيَالِيَ كَانَتِ الْأَكَاسِرَةُ وَالْقَيَاصِرَةُ... يَحْتَازُونَهُمْ عَنْ رِيفِ الْآفَاقِ... فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً مَسَاكِينَ... لَايَأْوُونَ إِلَى جَنَاحِ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بِهَا، وَلَا إِلَى ظِلِّ أُلْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا»[٣].[٤]
الألفة وعواملها وآثار خيرها
في نهج الإمام (ع) عنها حديث مستفيض، فقد عرض لنجاح النبي (ص) وسلم الباهر وانجازه المعجز في إقامتها واقتلاع الأحقاد والضغائن والإحن والتباين من القلوب، كما أبان عمَّا يحمله في قلبه من خلق يجهد أن يحمل عليه ولاته، ويشيعه بین عامّة الرعية والأمة.
والحديث المستفيض والعرض الطويل مبثوث في كلمه في مواطن عدة، تلتقي مجتمعة في عنوان البحث، نلملم طرفاً منها ونماذج.
الله مؤلف الأشياء وعاقد القلوب على الألفة
ماء السماء: «حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا وَتَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا أَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمعِهِ وَتَبَايُنِ قَزَعِهِ»[٥].
«كَمَا تَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ يُؤَلَّفُ اللهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَیْنِ»[٦].
وفي غيره مما خلق: «فَسُبْحَانَ الَّذِي بَهَرَ الْعُقُولَ عَنْ وَصْفِ خَلْقٍ جَلَّاهُ لِلْعُيُونِ فَأَدْرَكَتْهُ مَحْدُوداً مُكَوَّناً وَمُؤَلَّفاً مُلَوَّناً وَأَعْجَزَ الألْسُنَ عَنْ تَلْخِيصِ صِفَتِهِ وَقَعَدَ بِهَا عَنْ تَأْدِيَةِ نَعْتِهِ»[٧].
«ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ وَالْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ وَالْجُمُودَ بِالْبَلَلِ وَالْحَرُورَ بِالصَّرَدِ مُؤَلَّفٌ بَیْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا مُقَارِنٌ بَیْنَ مُتَبَايِنَاتِهَا مُقَرَّبٌ بَیْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا مُفَرَّقٌ بَیْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا»[٨].
«فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِیمَا عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هَذِهِ الْأُلْفَةِ الَّتِي يَنْتَقِلُونَ فِي ظِلَّهَا وَيَأْوُونَ إلى كَنَفِهَا بِنِعْمَةٍ لا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الَمخْلُوقِنَ لَهَا قِيمَةً لِأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ كُلَّ ثَمَنٍ وَأَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ»[٩].
«وَأَعْظَمُ مَا افتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللهُ سُبْحَانَهُ لِكُلًّ عَلَى كُلًّ فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِأُلْفَتِهِمْ وَعِزّاً لِدِينِهِمْ»[١٠].
الرسول الأعظم (ص) وسلم ونجاحه في تأليف القلوب
«دَفَنَ اللهُ بِهِ الضَّغَائِنَ وَأَطْفَأَ بِهِ الثَّوَائِرَ أَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً وَفَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً»[١١].
«فَانْظُرُوا إلى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ حِینَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ وَجَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ أُلْفَتَهُمْ كَيْفَ نَشَرَتِ النَّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا»[١٢].
«فَلَمَّ اللهُ بِهِ الصَّدْعَ وَرَتَقَ بِهِ الْفَتْقَ وَأَلَّفَ بِهِ الشَّمْلَ بَیْنَ ذَوِي الأرْحَامِ بَعْدَ الْعَدَاوَةِ الْوَاغِرَةِ فِي الصُّدُورِ وَالضَّغَائِنِ الْقَادِحَةِ فِي الْقُلُوبِ»[١٣].
الإمام والألفة هدياً وهداية
وقد كشفت الأحداث والخطوب الجسام عمَّا يحمله قلبه من تعلق بجمع الكلمة، ونبذ الاختلاف والفرقة، فهو- سلام الله عليه- القائل:
«لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَیْرِي وَوَ اللهِ لأسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ المُسْلِمِينَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلاّ عَلَيَّ خَاصَّةً الْتِمَاساً لِأَجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ وَزُهْداً فِيمَاَ تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَزِبْرِجِهِ»[١٤].
وذلك في معترك الحكم والخلافة وأوج الصراع والنزاع، وهو القائل في محنته وبلاء الأمة بإفرازات حرب صفین الضروس وما آل إليه أمر التحكيم، والهياج والتخبط في تلكم العواصف، ومكاره الشدائد:
أ- «فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَغَیَّرَ كَثِیرٌ مِنْهُمْ عَنْ كَثِیرٍ مِنْ حَظَّهِمْ فَمَالُوا مَعَ الدُّنْيَا وَنَطَقُوا بِالْهَوَى وَإِنَّي نَزَلْتُ مِنْ هَذَا الأمْرِ مَنْزِلاً مُعْجِباً اجْتَمَعَ بِهِ أَقْوَامٌ أَعْجَبَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ وَأَنَا أُدَاوِي مِنْهُمْ قَرْحاً أَخَافُ أَنْ يَكُونَ عَلَقاً وَلَيْسَ رَجُلٌ فَاعْلَمْ أَحْرَصَ عَلَى جَمَاعَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (ص) وسلم وَأُلْفَتِهَا مِنَّي أَبْتَغِي بِذَلِكَ حُسْنَ الثَّوَابِ وَكَرَمَ الَمآبِ وَسَأَفِي بِالَّذِي وَأَيْتُ عَلَى نَفْسِيِ»[١٥].
«وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَیْرْ الَخْلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ وَآثَامِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ وَلا آثِماً عَلَى إِثْمِهِ أُولَئِكَ أَخَفُّ عَلَيْكَ مَئُونَةً وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً وَأَقَلُّ لِغَیْرِكَ إِلْفاً»[١٦].
ب- «وَلا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالَحِةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاجْتَمَعَتْ بِهَا الْأُلْفَةُ وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ»[١٧].
وقال (ع): «قُلُوبُ الرَّجَالِ وَحْشِيَّةٌ فَمَنْ تَأَلَّفَهَا أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ»[١٨].
فالقلوب وإن كانت متقلبة، تقسو وتتنمر، ولكن مروضها بتألفها، ومربيها بالإحسان إليها، وتحمل شدتها، والتغافل عن جهالاتها، فإنها بالتالي تسكن إليه وتقبل عليه، وربما ضرعت بین يديه.
| أحسنْ إلى الناسِ تستعبدْ قلوبَهُمُ | فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ |
«التَّوَدُّدُ نِصْفُ الْعَقْلِ»[١٩].
عبر الدهر وعِظَةُ الأمم
«فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ الأمْلاءُ مْجُتَمِعَةً وَالأهْوَاءُ مُؤْتَلِفَةً وَالْقُلُوبُ مُعْتَدِلَةً وَالأيْدِي مُتَرَادِفَةً وَالسُّيُوفُ مُتَنَاصِرَةً وَالْبَصَائِرُ نَافِذَةً وَالْعَزَائِمُ وَاحِدَةً أَ لَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً فِي أَقْطَارِ الأرَضِینَ وَمُلُوكاً عَلَى رِقَابِ الْعَالَمِینَ فَانْظُرُوا إلى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ حِینَ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ وَتَشَتَّتَتِ الْأُلْفَةُ وَاخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ وَالأفْئِدَةُ وَتَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِنَ وَتَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِینَ وَقَدْ خَلَعَ اللهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ وَسَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نِعْمَتِهِ وَبَقِيَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ فِيكُمْ عِبَراً لِلْمُعْتَبِرِينَ»[٢٠].
«فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَبَنِي إِسْحَاقَ وَبَنِي إِسْرَائِيل فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَال َالأحْوَالِ وَأَقْرَبَ اشْتِبَاهَ الأمْثَالِ... لا يَأْوُونَ إلى جَنَاحِ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بِهَا وَلا إلى ظِلَّ أُلْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزَّهَا»[٢١].
«افْتَرَقُوا بَعْدَ أُلْفَتِهِمْ وَتَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَی سَيَجْمَعُهُمْ لِشَرَّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ»[٢٢].
الدين والاستقامة عاملا ائتلاف واختلاف
«فَإِنَّا كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْأُلْفَةِ وَالْجَمَاعَةِ فَفَرَّقَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَمْسِ أَنَّا آمَنَّا وَكَفَرْتُمْ وَالْيَوْمَ أَنَّا اسْتَقَمْنَا وَفُتِنْتُمْ وَمَا أَسْلَمَ مُسْلِمُكُمْ إِلا كَرْهاً وَبَعْدَ أَنْ كَانَ أَنْفُ الإسْلامِ كُلُّهُ لِرَسُولِ اللهِ (ص) وسلم حِزْباً»[٢٣].
ويؤرخ هذا الكتاب للقبيلین المختلفین جاهلية وإسلاماً، فكان الإيمان قائماً والاستقامة ماثلة في حزب الله النجباء، شيبة الحمد وشيخ الأباطح وأفذاذ بني هاشم وسراتهم، وكان الكفر والزيغ والافتتان قد أناخت بحزب الشيطان الطلقاء والعتاة المردة من عبد شمس وأمية، كشيخ السوءات صخر أبي سفيان بن حرب، ومن نسل، والتفّ بحبله من حاشية وبطانة.
وإنه التحديد الدقيق والتحليل العميق، فما أسلم من أسلم! عن رغبة وحب للإسلام وإنا ألجأته الظروف القاهرة فلم يجد عن إظهار الإسلام بُداً، فأيُّ إسلام هذا؟! أجل إنه الاستسلام والرضوخ للأمر الواقع الذي لا محيص عن الإذعان لإملاءاته.
هذا وقد جاء نصرالله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجاً.[٢٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ٢٣٠.
- ↑ خطبة ٩١/ ١٣٢.
- ↑ خطبة ١٦٦/ ٢٤١.
- ↑ خطبة ١٦٥/ ٢٣٨.
- ↑ خطبة ١٨٦/ ٢٧٣.
- ↑ خطبة ١٩٢/ ٢٩٨- ٢٩٩.
- ↑ خطبة ٢١٦/ ٣٣٣.
- ↑ خطبة ٩٦/ ١٤١.
- ↑ خطبة ١٩٢/ ٢٩٨.
- ↑ خطبة ٢٣١/ ٣٥٣.
- ↑ خطبة ٧٤/ ١٠٢.
- ↑ خطبة ٧٨/ ٤٦٥- ٤٦٦.
- ↑ خطبة ٥٣/ ٤٣٠.
- ↑ خطبة ٥٣/ ٤٣١.
- ↑ خطبة ٥٠/ ٤٧٧.
- ↑ خطبة ١٤٢/ ٤٩٥.
- ↑ خطبة ١٩٢/ ٢٩٧.
- ↑ خطبة ١٩٢/ ٢٩٨.
- ↑ خطبة ١٦٦/ ٢٤٠- ٢٤١.
- ↑ خطبة ٦٤/ ٤٥٤.
- ↑ محسن علي المعلم، الأخلاق من نهج البلاغة، ص ٤٤٩ - ٤٥٤.