الألفة

من إمامةبيديا

التعريف

الاُلفة مصدر، وتعني: ضمّ شيء إلى شيء آخر، وفي هذا يقول ابن فارس: الهَمزَةُ وَاللّامُ وَالفاءُ أصلٌ واحِدٌ يَدُلُّ عَلى انضِمامِ الشَّيءِ إلَى الشَّيءِ، وَالأَشياءِ الكَثيرَةِ أيضا... ألِفْتُ الشَّيءَ آلَفُهُ، والاُلفَةُ مَصدَرُ الاِئتِلافِ... وكُلُّ شيءٍ ضَمَمتَ بَعضَهُ إلى بَعضٍ فَقَد ألَّفتَهُ تَأليفا.[١]

ويقول الراغب في سبب تسمية الألْف: وَالأَلفُ العَدَدُ المَخصوصُ، وسُمِّيَ بِذلِكَ لِكَونِ الأَعدادِ فيهِ مُؤتَلَفَةَ، فَإِنَّ الأعدادَ أربَعَةٌ: آحادٌ، وعَشَراتٌ، ومِئاتٌ، واُلوفٌ، فَإِذا بَلَغَتِ الأَلْفَ فَقَدِ ائتَلَفَت، وما بَعدَهُ يَكونُ مُكَرَّرا.[٢]

فبناءً على ما تقدّم، تأتي الاُلفة والتّأليف تارةً بالمعنى المادّي؛ كاصطفاف أجزاء المجموعة جنبا إلى جنب، وتارةً بالمغزى المعنويّ؛ كاجتماع القلوب.[٣]

الاُلفة في القرآن والحديث

إنّ هذه المفردة وردت في القرآن والحديث تارةً بمعنى التأليف المادّيّ، كقوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً[٤]

وتارةً اُخرى بمعنى التأليف المعنويّ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ[٥]. وما نتناوله هنا هو المعنى الثاني.[٦]

أهمّيّة الاُلفة

إنّ تأليف القلوب من أهمّ الأولويّات التربويّة والسياسيّة في المدرسة الإسلاميّة، يصف القرآن الكريم ما حصل من تأليف قلوب المسلمين إبّان عصر الرسالة بعد أن كانوا أعداءً، وإحلال روح الاُخوّة بينهم، أنّها من نِعَم الله الّتي منّ بها سبحانه على المجتمع الإسلاميّ الأوّل، ووهبت لهم ببركة البعثة النبويّة.

يقول أمير المؤمنين عليّ (ع) بشأن أهميّة هذه النِّعمة: «فَإِنَّ اللهَ سُبحانَهُ قَدِ امتَنَّ عَلى جَماعَةِ هذِهِ الاُمَّةِ فيما عَقَدَ بَينَهُم مِن حَبلِ هذِهِ الاُلفَةِ الَّتي يَنتَقِلونَ في ظِلِّها، ويَأوونَ إلى كَنَفِها، بِنِعمَةٍ لا يَعرِفُ أحَدٌ مِنَ المَخلوقينَ لَها قيمَةً؛ لِأَنَّها أرجَحُ مِن كُلِّ ثَمَنٍ، وأجَلُّ مِن كُلِّ خَطَرٍ، وَاعلَموا أنَّكُم صِرتُم بَعدَ الهِجرَةِ أعرابا، وبَعدَ المُوالاةِ أحزابا، ما تَتَعَلَّقونَ مِنَ الإِسلامِ إلّا بِاسمِهِ، ولا تَعرِفونَ مِنَ الإِيمانِ إلّا رَسمَهُ»[٧].[٨].[٩]

منهج الإسلام في تأليف القُلوب

إنّ تأليف القلوب ـ وبالخصوص المتنافرة ـ عمل فيه مشقّة ما بعدها مشقّة، وقد يُصبح أحيانا متعذّرا، لذا فإنّ الإمام عليّا (ع) يقول في هذا الصّدد: «إزالَةُ الرَّواسي أسهَلُ مِن تَأليفِ القُلوبِ المُتَنافِرَةِ» [١٠]

والمنهج الإسلامي يتّجه في تأليف القلوب إلى إزالة موانع الاُلفة في المرحلة الاُولى، ثمّ توفير الأجواء اللَازمة لتحقّقها في المرحلة التالية[١١]:

مكافحة الموانع

موانع الاُلفة هي ذاتها موانع المحبّة والاُخوّة؛ كالحسد، والحقد، والكِبْر، وسوء الخُلُق، وذكر عيوب الآخرين و... [١٢].

إنّ هذه الموانع ذات جذور تمتدّ إلى دائرة وساوس الشيطان والأهواء النفسيّة في الإنسان، وقد تنشأ عن الجهل وسوء التدبير، كما روي في مسألة زواج الصغار: إذا زُوِّجوا وهُم صِغارٌ لَم يَكادوا يَتَأَلَّفوا.[١٣]

ولمكافحة الموانع، قرّر الإسلام حظر كلّ ما يحول دون الاُلفة والمحبّة، أو يؤدّي إلى البغضاء والعداوة والفرقة. وإذا اتّفق أن انقطع حبل الاُلفة بين مسلمَينِ لسبب من الأسباب، فلا يحقّ لهما أن يتهاجرا أكثر من ثلاثة أيّام[١٤]، فالإسلام فرض عليهما العودة، لقول الرسول (ص): «لا هِجرَةَ فَوقَ ثَلاثٍ»[١٥].[١٦]

تهيئة الأجواء للانسجام الروحي

إنّ مبدأ الاُلفة واجتماع القلوب في نظام الخليقة هو تناسبها وتعارفها، وما تذكره النصوص الدينيّة بشأن سببيّة الله سبحانه في الاُلفة بين البشر، إنّما تعني هذا المفهوم. يقول الإمام عليّ (ع): «إنَّ النُّفوسَ إذا تَناسَبَت ائتَلَفَت» [١٧]

ومن هنا؛ فالإسلام لا يكتفي بإزالة موانع الاُلفة فحسب، بل يمهّد الأرضيّة تجاه سيادة مبدأ التآلف الروحيّ والانسجام النفسيّ في معظم أحكامه السياسيّة والأخلاقيّة والعمليّة.

على هذا الأساس، فإنّ ما يؤكّده الإسلام بشأن الاقتداء بالنماذج الإنسانيّة السامية في الحياة ـ وخاصّة أهل بيت رسول الله (ص) ـ ورعاية حقوق الأفراد، وحسن المعاشرة، وإبراز مشاعر الحبّ، والوفاء، والإحسان، والتقارب السببيّ، واجتناب التكلّف في العلاقات... إنّما يتّجه إلى توفير الأجواء اللّازمة للانسجام النفسيّ، وتقوية أواصر الاُلفة والمحبّة بين الناس.

إنّ تأكيد الإسلام على أداءِ الصلاة جماعةً خمس مرّات في الليل والنهار، له دلالته على الاهتمام بائتلاف المجموعات البشريّة في الأحياء المختلفة للمدينة، وكذلك اجتماع أهل كلّ مدينة مرّة في الاُسبوع لأداء صلاة الجمعة، له عطاؤه في خلق روح الاُلفة على مستوى أوسع.

وأوسع من ذلك اجتماع أهل المدينة ومشارفها في العيدين على صعيدٍ مكشوف؛ لكي ينهلوا من روح الصلاة ومن إرشادات الخطيب، ممّا يؤكّد اُلفتهم ووحدتهم.

والأهمّ من كلّ ذلك أنّه يتوجّب على المسلمين ـ إذا استطاعوا ـ أن يؤمّوا بيت الله الحرام مرّة في العمر، متحرّرين من كلّ فارق وتمايز، مرتدين لباسا موحّدا خاليا من أيّ زينةٍ وبهرجةٍ، مردّدين نداء التوحيد في إطار أداء مناسك الحجّ العباديّة السياسيّة، فيوثّقوا ببركة كلمة التوحيد وحدة كلمتهم على صعيد الاُمّة الإسلاميّة بجميع أصقاعها.

يشير المرحوم الفيض الكاشاني إلى دور صلاة الجماعة والجمعة والعيدين ومؤتمر الحجّ العظيم في خلق روح الاُلفة بين أبناء الاُمّة الإسلاميّة، ويقول: يتبيّن من ذلك للَّبيب الفطن أنّ غرض الشارع من جميع التكاليف الشرعيّة، تحصيل هذا النوع من الاُلفة الّتي تستطيع أن تستحفظ كلّ نظام العالم، ولهذا قال بعض الحكماء: إنّ دعوة الأنبياء ـ كما هي من جهة العلم تستهدف إثبات توحيد الخالق ونفي الأنداد عنه ـ هي من الناحية العمليّة تعود إلى تحقيق الوحدة.[١٨]

وبإيجاز، إنّ الاُلفة والانسجام مسألة ذات ارتباط وثيق بالإسلام والإيمان؛ إذ إنّ «المُؤمِنُ إلفٌ مَألوفٌ»[١٩]، وكلّما اقترب المجتمع الإسلامي من الوئام ووحدة الكلمة، اقترب من واقع الحياة الإسلاميّة، وكلّما افترقت قلوب أبناء المجتمع أكثر، ازداد ابتعاد ذلك المجتمع عن هويّته الإسلاميّة.[٢٠]

أهمّ بَركاتِ الاُلفة

إنّ بركات الاُلفة والوئام في الحياة الفرديّة والعائليّة والسياسيّة والاجتماعيّة لا تُحصى، لكنّ أبرزها ـ والتي تعتبر ممهّدة لأنواع البركات الماديّة والمعنويّة ـ هي: العزّة، وانتصار الحقّ، وسيادة العدالة السياسيّة والاجتماعيّة.

ففي الخطبة القاصعة للإمام عليّ (ع) يفصّل الحديث عن هذه البركة، وبنظرة تاريخيّة تحليليّة هامّة يرى أنّ ما حقَّقه دعاة الحقّ من انتصار وعزّة وسيادة إنَّما يعود إلى ما بينهم من اُلفة ووحدة كلمة، وما اُصيبوا به من هزائم وذلّة وضعف إنّما كان بسبب ما حلّ بهم من فرقة واختلاف. ثمّ يشير إلى ما حقّقه الإسلام من انتصار بقيادة النبيّ الأعظم (ص)، فيقول: «فَانظُروا إلى مَواقِعِ نِعَمِ اللهِ عَلَيهِم حينَ بَعَثَ إلَيهِم رَسولاً، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طاعَتَهُم، وجَمَعَ عَلى دَعوَتِهِ اُلفَتَهُم، كَيفَ نَشَرَتِ النِّعمَةُ عَلَيهِم جَناحَ كَرامَتِها، وأسالَت لَهُم جَداوِلَ نَعيمِها، وَالتَفَّتِ المِلَّةُ بِهِم في عَوائِدِ بَرَكَتِها، فَأَصبَحوا في نِعمَتِها غَرِقينَ، وفي خُضرَةِ عَيشِها فَكِهينَ» [٢١]

من هنا كانت أهمّ مسؤوليّات قادة الثقافة ورجال السياسة في المجتمعات الإسلاميّة، التخطيط لتقارب القلوب وتآلفها أكثر فأكثر.

لقد كان رسول الله (ص) نفسه يعير أهمّية فائقة لهذا الأمر، حتّى جاء في الرواية: «كانَ رَسولُ اللهِ (ص) يُـقبِلُ بِوَجهِهِ وحَديثِهِ عَلى أشَرِّ القَومِ؛ يَتَأَلَّفُهُم بِذلِكَ»[٢٢]

ومتى ما أنفذ رجلاً إلى قوم، كانت إحدى توصياته الأكيدة أن يسعى لتأليف القلوب. وقد واصل الإمام عليّ (ع) هذا الطريق حتّى قال: «ولَيسَ رَجُلٌ ـ فَاعلَم ـ أحرَصَ عَلى جَماعَةِ اُمَّةِ مُحَمَّدٍ (ص) واُلفَتِها مِنّي» [٢٣].[٢٤]

المراجع والمصادر

  1. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة

الهوامش

  1. معجم مقاييس اللغة: ج ١ ص ١٣١ «ألف»، وانظر أيضا: كتاب العين مادّة «ألف».
  2. مفردات ألفاظ القرآن: ص ٨٢.
  3. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٣، ص ٢٤٥.
  4. سورة النور، الآية ٤٣.
  5. سورة آل عمران، الآية ١٠٣.
  6. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٣، ص ٢٤٦.
  7. نهج البلاغة: الخطبة ١٩٢، بحار الأنوار: ج ١٤ ص ٤٧٤ ح ٣٧.
  8. نهج البلاغة: الخطبة ١٩٢، بحار الأنوار: ج ١٤ ص ٤٧٤ ح ٣٧.
  9. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٣، ص ٢٤٦.
  10. مطالب السؤول: ص ٢٣٤؛ نثر الدرّ: ج ١ ص ٣٢٢ وليس فيه «المتنافرة»، بحار الأنوار: ج ٧٨ ص ١١ ح ٧٠.
  11. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٣، ص ٢٤٧.
  12. راجع: المحبّة في الكتاب والسنّة: ص ٨٥ (موانع المحبّة).
  13. الكافي: ج ٥ ص ٣٩٨ ح ١ عن هشام بن الحكم.
  14. راجع: المحبّة في الكتاب والسنّة: ص ٤٦ (النهي عن الهجران فوق ثلاثة أيّام).
  15. الكافي: ج ٢ ص ٣٤٤ ح ٢ عن هشام بن الحكم عن الإمام الصادق (ع).
  16. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٣، ص ٢٤٧.
  17. غرر الحكم: ج ٢ ص ٤٩٠ ح ٣٣٩٣، عيون الحكم والمواعظ: ص ١٤٩ ح ٣٢٧٠.
  18. ده رساله فيض كاشانى (بالفارسيّة): ص ٢٠٨ (رسالة «اُلفت نامه» ).
  19. مسند الشهاب: ج ١ ص ١٠٨ ح ١٢٩، المعجم الأوسط: ج ٦ ص ٥٨ ح ٥٧٨٧ وفيه «يألف» بدل «إلف مألوف»، تاريخ دمشق: ج ٨ ص ٤٠٤ ح ٢٢٥٤ بزيادة «لا يؤلف» بعد «لا يألف» وكلّها عن جابر، كنز العمّال: ج ١ ص ١٤٢ ح ٦٧٩؛ الكافي: ج ٢ ص ١٠٢ ح ١٧ عن عبد الله بن ميمون القداح عن الإمام الصادق عن الإمام عليّ عليهماالسلام وفيه «ولا يؤلف» بدل ذيله، تنبيه الخواطر: ج ٢ ص ٢٥ نحوه، بحار الأنوار: ج ٦٧ ص ٣٠٩ ح ٤١.
  20. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٣، ص ٢٤٨-٢٤٩.
  21. نهج البلاغة: الخطبة ١٩٢، بحار الأنوار: ج ١٤ ص ٤٧٢ ح ٣٧.
  22. الشمائل المحمّدية: ص ١٨٦ ح ٣٣٩ عن عمرو بن العاص.
  23. نهج البلاغة: الكتاب ٧٨، بحار الأنوار: ج ٧٠ ص ٢٠٣ ح ٨.
  24. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٣، ص ٢٤٩-٢٥٠.