الأُذُن في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

التعريف

«الأُذُن» أو «الأُذْن»: عضو السمع في الإنسان والحيوان، وتطلق على بطانة الرجل، وعلى الرجل الذي يُصَدِّق كل ما يسمع ويقبل كلّ أحد كأنّ جملته أُذُن سامعة[١]، وجمعه آذان، نحو قوله تعالى: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا[٢]. إشارة إلى جهلهم، لا إلى عدم سمعهم.

وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ[٣]. أي هو أذْن خير يستمع إلى ما هو خير لكم وهو الوحي[٤].

قال(ع) في الأهواء والميول المنحرفة: «وَمَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى (أعْمَى) بَصَرَهُ، وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ، فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ، وَيَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ»[٥]. وفيه إشارة إلى جهله.

ومن وصفه(ع) للحكمة: «وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحِكْمَةِ الَّتِي هِيَ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ الْمَيِّتِ، وَبَصَرٌ لِلْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ، وَسَمْعٌ لِلْأُذُنِ الصَّمَّاءِ»[٦].

أي أنّ التعامل بحكمة، وتدبّرَ الاُمور بعقل وعلم، تستلزم سلامة القلب والسمع والبصر.

إنّ حسن التقسيم، وترابط كلماتها، وحسن تنسيقها، والطباق بين الحياة للقلب الميت، والبصر للعين العمياء، والسمع للأُذن غير السميعة، كلّه يعتمد على الإيقاع المسجوع بين «العَمْيَاءِ» و«الصَّمَّاءِ» بهدف إبراز الفكرة والتأكيد لها.

ومن أمره(ع) بإحضار القلوب لدى السماع: «فَاسْمَعُوا أيّها الناسُ، وَعُوا وَأَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا (تَفْقَهُوا)»[٧].

في «آذَان القلوب» استعارة؛ لأنّ الإنسان يسمع الكلام باُذن الرأس، كما يفهم مغزى الكلام بأُذن القلب إذا أراد القلب التفهّم والإدراك. وقيل: آذان القلوب مجاز عن علمها بأحوالهم التي من شأنها أن تسمع؛ إطلاقاً لاسم السبب على المسبّب.

ومن بيانه(ع) لأصناف الناس: «اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ تُبْصِرُ إِلَّا فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً، أَوْ غَنِيَّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً، أَوْ بَخِيلاً اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللهِ وَفْراً، أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً؟!»[٨].

بين «وَفْرَاً» و«وَقْرَاً» جناس مصحّف يلاحق ايقاع السجع في «فَقْراً» و«كُفْراً» لإبراز مزية صحة التقسيم في التعبير عن إداء معانيها بدقّة ووضوح.

ومن وصفه(ع) لرسول الله(ص): «طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَأَحْمَى مَوَاسِمَهُ، يَضَعُ ذلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ؛ مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ، وَ آذَانٍ صُمٍّ مُتَتَبّعٌ بِدَوائِهِ مَواضِعَ الغَفْلَةِ وَمَوَاطِنَ الحَيْرَةِ»[٩].

استعار لفظ «الطبيب» للرسول الأكرم(ص) لأنّه كافح مساوئ الجاهلية، كمعالجة الأطبّاء لأمراض الأبدان، وذكر الدوّار ترشيح للاستعارة، ورشّحها أيضاً بقوله(ع): «قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ» أي أتقنها وأبعدها عن الفساد؛ لتقبل أنوار العلم والهداية والمواعظ والحجج والنصائح. وقد يكون في المعنى الكلّي استعارة تمثيلية.

وفيه فن تناسب الأطراف - أحد أقسام مراعاة النظير - وهو أن يبتدئ المتكلم كلامه بمعنى، ثم يختتم الكلام بما يناسب أوله في المعنى أو في اللفظ. فقوله(ع): «مُتَتَبّعٌ بِدَوائِهِ» يناسب قوله: «دَوَّارٌ بِطِبِّهِ» وقوله(ع): «مَواضِعَ الغَفْلَةِ» و«مَوَاطِنَ الحَيْرَةِ» يناسب قوله: «مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ وَآذَانٍ صُمٍّ».

ومن عظته(ع) بالأموات: «لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ أَبْصَارُ الْعِبَرِ، وَسَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ الْعُقُولِ»[١٠].

استعير كلّ من «الأبصار» و«الآذان» لما يتصوّر من طرق الإدراك للعبر والعقول، فكلّ من العبر والعقول استعارة مكنيّة.

وقال(ع) مشيراً إلى فضائله: «وَلَوْلَا مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ، لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةً، تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا تَمُجُّهَا آذَانُ السَّامِعِينَ»[١١].

يقال: هذا كلام تمجُّهُ الأسماع، أي تقذفه وتستكرههُ، إنما هو على سبيل الاستعارة من مجّ الشراب [١٢]. ولا تمجها آذان السامعين، أي لا تلفظها ولا تستكرهها.

ومن تحذيره(ع) من الشيطان: «وَحَذَّرَكُمْ عَدُوّاً نَفَذَ في الصُّدُورِ خَفِيّاً، وَنَفَثَ في الآذَانِ نَجِيّاً، فَأَضَلَّ وَأَرْدَى»[١٣].

وقع التوازن بين كلمتي «خَفِيَّاً» و«نَجِيَّاً»؛ أي في الصدور خافياً، وفي الآذان مناجياً. ولا يخفى ما في العبارة من حسن وجمال، فلو استعمل الإمام كلمة «مناجياً» بدلاً من «نَجِيّاً» لما كان لها ذلك الوقع الموسىقي، ولما أدّت الأثر الذي ينشده الإمام[١٤].

ومن حديثه(ع) عن صفات المتقين: «فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا في أُصُولِ آذَانِهِمْ»[١٥]. أي في أعماقِ آذانِهم، كناية عن شدّة صوتها.[١٦]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج۱

الهوامش

  1. الكشاف، ج٢، ص٢٧٥.
  2. سورة الأنعام، الآية ٢٥.
  3. سورة التوبة، الآية ٦١.
  4. مجمع البيان، ج٣، ص٦٩.
  5. نهج البلاغة، الخطبة ١٠٩.
  6. نهج البلاغة، الخطبة ١٣٣.
  7. نهج البلاغة، الخطبة ١٨٧.
  8. نهج البلاغة، الخطبة ١٢٩.
  9. نهج البلاغة، الخطبة ١٠٨.
  10. نهج البلاغة، الخطبة ٢٢١.
  11. نهج البلاغة، الكتاب ٢٨.
  12. اقرب الموارد، مادّة: (مَجّ).
  13. نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.
  14. أبنية المشتقّات في نهج البلاغة، ص٩٣.
  15. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٣.
  16. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ١٥٩-١٦١.