الإيمان بالمعاد

من إمامةبيديا

دور الإيمان بالمعاد في حياة الإنسان

الإنسان موجود له غاية وهدف، فوراء أعماله الاختيارية غايات وأهداف خاصة. كما أنّ نوع تفكيره في هذه الأهداف له دور أساسي في رسم الخطوط الكلية لحياته، ولاشك أنّ أعلى أهداف كل إنسان هو الوصول إلى جوهرة السعادة، إلا أنّ البشر اختلفوا في فهم السعادة، فمن يرى انحصار حياته بالحياة الدنيوية وأنّ الموت هو نهاية وجوده فإنه يجد سعادته محدودة بهذا العالم، أما من يؤمن أنّ الموت هو ولادة جديدة ويعتقد بالحياة الخالدة بعد الموت فإنّ له تصور آخر للسعادة.

نعم، إنّ من يؤمن بالآخرة فإنه يدرك أنّ سعادته الحقيقية وكماله النهائي يتعلّق بفلاحه الأخروي، من هنا يدرك أنّ عليه العيش في هذه الحياة بحيث يصل في الأخير إلى السعادة الأخروية. هكذا إنسان يرى أنّ الدنيا مزرعة الآخرة ويعتقد أنّ الثواب النهائي لكل أعماله سيحصل عليه يوم القيامة. المعتقِد بالمعاد يرى الدنيا وسيلة وليست هدفاً وأنه لا قيمة ذاتية للحياة الدنيوية، بل هي جسر يجب أن نمرّ منه بسلام حتى نضع أقدامنا في عالم الآخرة.

ينبغي القول أنّ الاعتقاد بالمعاد وعالم الآخرة، يكون له أثر في الحياة الدنيا عندما يقترن بالاعتقاد بوجود علاقة بين الدنيا والآخرة، أي: أن يدرك الإنسان آثار أفكاره ونتائج أعماله التي سيجدها في الحياة الأخرى ويدرك أنّ سعادته وشقائه الأبديين هما استمرار لنفس الطريق الذي اختاره في الدنيا. لكن إذا لم يلتفت إلى العلاقة بين سعادته الأخروية وعقائده وأعماله في الدنيا فإنه لن يكون لإيمانه بالمعاد وعالم الآخرة ذلك التأثير المهم في اختياره لطريقة حياته.

إنّ إيمان الإنسان بالمعاد والحياة بعد الموت المقترن بالاعتقاد بوجود علاقة بين الدنيا والآخرة له دور مهم جداً في سلوك الإنسان الفكري والعملي، ومن هنا نشاهد اختلاف حياة المعتقدين بالمعاد عن حياة المنكرين له، وبالالتفات إلى هذا الدور الأساسي فإنّ العقل يُلزم الإنسان بالتأمّل في كيفية الحياة الأخروية والتحقيق في هذه المسألة بالاستفادة من المصادر الموجودة.

إنّ أهمية مسألة المعاد تصل إلى حدّ أنّ من يشك فيها أيضاً لا يجد نفسه غير محتاج إلى التفحص والتحقيق فيها؛ لأنّ مجرد احتمال وقوع المعاد وإن كان ضعيفاً إلا أنه خطير، وقوة أهمية المحتمَل (وقوع المعاد) تجعل العاقل يهتم إهتماماً جاداً بالتحقيق فيه.[١]


المعاد وتهذيب النفس

إنَّ الاعتقاد بالمعاد له أثر كبير على الإنسان وتهذيب النفس الإنسانية من خلال العمل الصالح والإقبال على الطاعات التي تنجيه من عذاب يوم القيامة، لأنَّ كل عملٍ يقوم به يكون له أثر على النفس ظاهراً وباطناً، فعندما يحاول المرء أنْ يهذب سلوكه ويحسن من باطنه، ويكرر تلك الأعمال فإنه سيؤدي إلى أنْ يصبح ذلك الفعل ملكة.

و الملكة صفة راسخة في الشخصية لاتزول بسهولة، فهي صفة باطنية يرمز إليها في الجانب الظاهري برمز من الحيوان، فإنَّ الله تبارك وتعالى خلق أعضاء الحيوانات على حسب الدواعي والأغراض النفسانية لها.

والملكات عند الإنسان يعبر عنها بصورة برزخية وتترجم هذه الملكة بصورة حيوان من الحيوانات التي لها جسم كامل ورمز لتلك الملكة، لذلك فالإنسان الواعي المسؤول يحاول أنْ يتخلص من الرذائل تدريجياً ويهذب نفسه، لأنه يعرف بأنه سيحشر بصورة الملكات التي استقرت فيه، وإذا استطاع أنْ يخفيها في الدنيا ولكن في الآخرة لايمكنه ذلك، قال تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلً [٢]، يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [٣]، فلايستطيع الإنسان يومئذ أنْ يخفي شيئاً من حقيقته.

فحينما نتحدث عن الحشر وصور الحيوانات نتحدث عن الظاهر والباطن فالإنسان له شخصية ظاهرية ولكن شخصيته الباطنية هي المهمة، وإنما يحشر الإنسان على الصورة الباطنية التي عليها لا على الصورة الظاهرة لأنَّ الصورة الظاهرة لا قيمة لها.

لذا نرى أنَّ صدر المتألهين الشيرازي يتحدث عن سر حشر الطوائف المختلفة أو أفراد مختلفين يوم القيامة مع الصور الحيوانية، فيقول: كل فرقة وكل طائفة تحشر على صورة الصفة أو الغاية الباطنية التي كان الجهد وكل السعي في الدنيا مبذولاً من أجل تحصيلها، ويستدل بقوله تعالى قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا [٤]، فالشاكلة عبارة عن الطينة التي جُبِل الإنسان عليها ولكن الله تبارك وتعالى علم بمَنْ يسلك طريق الهداية ويتفاعل مع هذا اللون من التهذيب والجهد للتخلص من الصفات الرذيلة الموجودة فيه.

وقد روي عن النبي(ص): «يُحْشَرُ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّهُ ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَحَبَّ أَحَدُكُمْ حَجَراً لحشر مَعَهُ »، فإذا كان حب المرء متمحضاً في ذات الله تبارك وتعالى وفي رسول الله(ص) وما دعا إليه من الفضل والخير والثواب، وفي أهل البيت(ع) حشر معهم، أما إذا كان حب المرء متمحضاً في أمور دنيوية من مال والسلطان والغرائز واللذائذ فيحشر المرء مع مَنْ أحب![٥]

المراجع والمصادر

  1. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية
  2. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي

الهوامش

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٤٢-٥٤٤.
  2. الإسراء: ٨٤
  3. الطارق: ٩
  4. الإسراء: ٨٤.
  5. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٣٠٦-٣٠٧.