البرهان في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

تمهيد

«البرهان»: الحجة الفاصلة البينة، والشاهد، والعلامة، والأمارة، أو هي عملية استدلال تهدف إلى تأكيد صدق أو كذب فكرة. والبرهان مصدر: بَرَه يَبرَهُ: إذا ابيض، سميت به الحجة؛ لنصوع دلالتها على المطلوب، ومنه أبرَهَ: إذا أتى بالبرهان، أو من: البره: وهو القطع، ومنه: البُرهة؛ وهي القطعة من الزمان، وسميت به الحجة؛ لأن بها تقطع دعوى الخصم، أو من البَرهنة؛ بمعنى البيان.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ[١].

وهو رسول الله(ص) وما جاء به من البينات من ربه، وعبر عنه(ص) بذلك؛ لما معه من المعجزات الباهرات الشاهدات بصدقه.

وقال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ[٢]. أي دليلكم وحجتكم[٣].

وفي الحديث: «الصدق برهان» والمراد به الحجة والدليل.

قال(ع) في وصف فضل الإسلام: «فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ وَثِيقُ الْأَرْكَانِ رَفِيعُ الْبُنْيَانِ مُنِيرُ الْبُرْهَانِ مُضِي‏ءُ النِّيرَانِ عَزِيزُ السُّلْطَانِ مُشْرِفُ الْمَنَارِ مُعْوِذُ الْمَثَارِ»[٤].

بين: «الْأَرْكَانِ» و«الْبُنْيَانِ» و«النِّيرَانِ» و«السُّلْطَانِ» سجع متواز، وكذلك الحال بين «الْمَنَارِ» و«الْمَثَارِ»[٥]، فقد رتبت ضمن فقرات متناسقة مترابطة تتناسب مع قوة التصوير، وتفاعل كلماتها، وبراعة تأليفها، فاشتركت في هذا التوازي أكثر من دالة، فكانت دالة الكنايات المتلاحقة من أكثر الدلالات وضوحا؛ ف «رَفِيعُ الْبُنْيَانِ» كناية عن علو شأن الإسلام، ورفعة قدره على سائر الأديان، و«مُضِي‏ءُ النِّيرَانِ» كناية عن كون أنواره لا تخفى على أحد، و«مُشْرِفُ الْمَنَارِ» كناية عن علو قدر أئمته(ع) وانتشار فضلهم، والهداية بهم.

وكذلك تمثلت في الصور الخيالية، كالاستعارة في «وَثِيقُ الْأَرْكَانِ» لابتنائه على أدلة محكمة، وأصول متقنة، و«عَزِيزُ السُّلْطَانِ» لبيان أن حجته قوية، أو أن سلطنته عالية على سائر الأديان و«مُعْوِذُ الْمَثَارِ» لعجز الناس عن إزعاجه وإثارته؛ لقوته وثباته. وقال بعضهم: أي يعجز الخلق إثارة دفائنه وما فيه من كنوز الحكمة، ولا يمكنهم استقصاؤها. وروى بعضهم: «معوز المثال» باللام؛ أي يعجز الخلق عن الإتيان بمثله[٦].

ومن حديثه(ع) عن وصف بديع خلقة الخفاش: «وَ مِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ... هَذِهِ الْخَفَافِيشِ... وَ كَيْفَ عَشِيَتْ أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ نُوراً تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا وَ تَتَّصِلُ بِعَلَانِيَةِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفِهَا»[٧]. أي بظهور دليل الشمس، والمراد بدليلها: نورها.

ومن حديثه(ع) عن فضل القرآن الكريم: «وَ شُعَاعاً لَا يُظْلِمُ ضَوْءُهُ وَ فُرْقَاناً لَا يُخْمَدُ بُرْهَانُهُ وَ تِبْيَاناً لَا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ»[٨].

«الفرقان»: ما يفرق به بين الحق والباطل، «لَا يُخْمَدُ»: لا ينطفئ، «تِبْيَاناً»: بيانا وايضاًحا، و«فُرْقَاناً لَا يُخْمَدُ بُرْهَانُهُ»: أي أنه الفاصل بين الحق والباطل، وبراهينه لا يمكن إبطالها، أو تعطيلها؛ لأنها براهين مطابقة للعقل[٩].

وفيه ثلاث جمل خبرية متوازنة متجانسة، جسد من خلالها قدسية القرآن الكريم وجلاله، وزاد من وضوحها قوة التصوير في إبانة المعنى وإظهاره؛ إذ استعار لفظ الشعاع والظلمة والخمود ملاحظة لشبه البرهان بالنار في الإضاءة، فنسب إليه وصفها، كما استعار لفظ البنيان لما انتظم من الكتاب، ورسخ في القلوب، ورشح بذكر الأركان؛ لاستلزام البنيان لها.[١٠]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج۲

الهوامش

  1. سورة النساء: ١٧٤.
  2. سورة الأنبياء: ٢٤.
  3. بصائر ذوي التمييز، ج٢، ص٢٤٢.
  4. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٨.
  5. و بين «الْمَنَارِ» و«الْمَثَارِ» جناس مصحف إضافة إلى السجع المتوازي.
  6. بحار الأنوار، ج٦٥، ص٣٤٧.
  7. نهج البلاغة، الخطبة ١٥٥.
  8. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٨.
  9. شرح النهج، الموسوي، ج٣، ص٤١٣.
  10. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ١٧٧.