التأني

من إمامةبيديا
(بالتحويل من التأنّي)

التعريف

التأنّي لغةً

كلمة «التأنّي» مشتقّة من مادّة «أني»، وتدلّ على أربعة معانٍ: البط ء، المدّة من الزمان، وإدراك الشيء وظرف من الظروف.

يقول ابن فارس: الهَمزَةُ وَالنّونُ وما بَعدَهُما مِنَ المُعتَلِّ. لَهُ أُصولٌ أربَعَةٌ: البُط ءُ وما أشبَهَهُ مِنَ الحِلمِ وغَيرِهِ، وساعَةٌ مِنَ الزَّمانِ، وإدراكُ الشَّيءِ، وظَرفٌ مِنَ الظُّروفِ.[١]

و«التأنّي» هنا بالمعنى الأوّل، يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي في هذا المجال: الأَنى مِنَ الأَناةِ وَالتُّؤَدَةِ... ويُقالُ: إنَّهُ لَذو أناةٍ، إذا كانَ لا يَعجَلُ فِي الاُمورِ، أي: تَأنّى فَهُوَ آنٍ، أي مُتَأَ نٍّ... وَالأَناةُ الحِلمُ، وَالفِعلُ: أنِيَ وتَأَنـّى وَاستَأنى، أي تَثَبَّتَ... ويُقالُ لِلمُتَمَكِّثِ فِي الأَمرِ: المُتَأَنـّي، وفِي الحَديثِ «آذَيتَ وآنَيتَ» أي أخَّرتَ المَجيءَ وأبطَأتَ.[٢]

وعلى هذا، فإن «التأنّي» و«التؤدة» و«التثبّت» و«التمكث» و«الأناة» تستخدم في اللغة في مقابل «العجلة» وبمعنى البط ء في الأعمال. [٣]

التأنّي من منظار الكتاب والسنّة

لم تستخدم كلمة «التأنّي» في القرآن الكريم، ولكنّنا يمكن أن ندرك حُسن هذه الصفة من منظار هذا الكتاب السماوي، من خلال ذمّه المتكرّر للطرف المقابل لها، أي «العجلة». وأمّا في روايات أهل البيت (ع) فقد ورد الحثّ على التأنّي في الأقوال والأفعال وبتعابير مختلفة، نظير: «التأنّي» و«التثبّت» و«التؤدة» و«الأناة» في مقابل العجلة، خصوصا في الاُمور الهامّة. ويمكن تصنيف هذه الأحاديث كالتالي:

  1. التأنّي، إلهية: الملاحظة الاُولى التي تستحق الاهتمام في بيان فضل صفة «التأنّي» هي أنّ هذه الصفة، من صفات أفعال الله الحكيم، بمعنى أنّ خالق العالم كان بإمكانه أن يخلق العالم في أقلّ من طرفة عين، إلّا أنّ حكمته اقتضت أن يخلقه في ستّة مراحل، وعلى هذا فإنّ من حِكَم الخلق التدريجي للعالم، هي تعليم المخلوقات التأنّي في الأفعال. كما أنّ الله لا يعجل في عقاب المفسدين، بل يمهلهم عسى أن يعودوا إلى رشدهم ويكفّوا عن الإفساد على إثر عوامل اليقظة التي يضعها في مسار حياتهم، وهو أيضا درس آخر للمسؤولين السياسيين، الثقافيين والقضائيين كي يقتدوا بالله ـ سبحانه ـ لبناء المجتمع المثالي في التعامل مع المفسدين.
  2. التأنّي، صفة الأنبياء (ع): الأنبياء أولى الناس بأن يجسّدوا في أفعالهم الصفات الإلهية كي يتبعهم الآخرون أيضا.
  3. التأنّي، من جنود العقل: من الملاحظات المثيرة للتأمّل أنه عُدّ «التأنّي» من جنود العقل، وعُدّ الطرف المقابل له وهو «العجلة» من جنود الجهل، وهذا يعني أنّ الإنسان بحاجة إلى هذه الصفة لتأمين مصالحه المادّية والمعنوية، ولذلك فإنّ الله تعالى يحبّ أن يتأنّى الإنسان في أقواله وأفعاله ؛ كي يتمتّع بمصالحها وبركاتها.
  4. بركات التأنّي: وردت الإشارة في روايات أهل البيت (ع) إلى بركات مختلفة لخصلة «التأنّي»، وسوف نذكرها في الفصل الثالث، ولكنّ أهمّ بركاتها دون شكٍ هي الأمن من المزالق. وبإمكان الإنسان من خلال التمرّن على «التأنّي» والتأمّل والتفكّر، أن يحدّ من انزلاقاته الفكرية والسلوكية، ويؤمّن عبر ذلك راحته ورخاء حياته المادّية والمعنوية، ولذلك فإنّ العقل والتدبير وعلوّ الهمّة يدعو أيضا الإنسان إلى هذه الصفة، بالإضافة إلى الإيمان والوصايا الأكيدة التي قدّمها أئمّة الدين فيما يتعلّق بهذه الصفة.
  5. التأنّي المذموم: وأمّا الملاحظة الأخيرة، فهي أنّ حكمة التأنّي في الأعمال، تأخير القيام بها بهدف التمييز بين الحسن والسيِّئ منها، والأداء الصحيح للأعمال الصالحة في الفرصة المناسبة. وبناءً على ذلك، فإذا ما تمّ تحديد كون العمل حَسنا وكانت الفرصة مناسبة للقيام به، فإنّ التأنّي لا يكون غير مستحسن فحسب، بل يكون مذموما أيضا، كما روي عن الإمام علي (ع): «مِنَ اَلْخُرْقِ اَلْمُعَاجَلَةُ قَبْلَ اَلْإِمْكَانِ وَ اَلْأَنَاةُ بَعْدَ اَلْفُرْصَةِ».

ولذلك فقد أوصت روايات أهل البيت (ع) بعدم التأنّي في القيام بالأعمال الصالحة، خاصّة التواجد في جبهات القتال، والجهاد، وصلاة الجماعة، ودفن الأموات. [٤]

المراجع والمصادر

  1. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة

الهوامش

  1. معجم مقاييس اللغة: ج ١ ص ١٤٠.
  2. ترتيب كتاب العين: ص ٥٨.
  3. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٧، ص ١١.
  4. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٧، ص ١٢-١٤.