الحياء في نهج البلاغة
تمهيد
«لا إيمان كَالْحيَاءِ وَالصَّبْرِ»[١].
وهو خلق كريم في ذاته، حاكٍ عن سمات من يتصف به.
ومن الطبيعي أن يكون اتصاف الخلق بالجمال، مادام منطلقاً من مركزه، متحركاً في فلكه، غیر خارج عن دائرته، فإذا ما اختلفت الأحوال، وتبدلت الأوضاع، تغیرت أساليب العمل، وحملت على معالجة الحاضر، بما يصلحه.
وفي هدي إمام الحكماء ونهج سيد الأولياء مايبصرنا سواء السبيل، ويبصّرنا ويهدينا النجدين، ويحملنا على الجادة.
وعلى نسق ما جرينا عليه من تتبع كلماته وإشاراته، واقتفاء خطواته أينما توجه، وحيثما قصد.
مقياس الانضباط الدقيق
«واحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يُعْمَلُ بِهِ في السَّرَّ، ويُسْتَحَى مِنْهُ في العَلانِيَةِ»[٢].
وهنا يسبق التأمل، ويُعمل الفكر قبل الإقدام على العمل، بل ويبدأ النظر في ذات الفعل أولاً فإن كان مما لايصح أن يقدم عليه فليبق طي الكتمان وإن جاز فعله جهراً وممارسته علناً فشأنه به سراً، فليس ثمة ما يُخشى لو أزيح الستر وانكشف الغطاء.
هذا ومن شأن مايتخفى منه أن يظهر على صفحة الوجه وفلتات اللسان، واطلاع ذوي الفضول على العورات.
والعاقل الناظر أملك بفعله قبل أن يفعله، وبعد ذلك يفلت الزمام من يده، فيبقى قلقاً والقلق يساوره ويعاوده مترقباً راجياً أن لا يطلع على أمره أحد.
والحق إنه الميزان الدقيق، والمقياس الحساس، والانضباط عنوان اكتمال خلائق عقلية ونفسية وحفظ تجارب واستيعاب عبر.
العاصم من العيب
- «مَنْ كَسَاهُ الْحَيَاءُ ثَوْبَهُ لَمْ يَرَ النَّاسُ عَيْبَهُ»[٣]. تمثل الخلق الباطني سياجاً يحوط الجسم ويلفه برباطه الوثيق فلا يبدر من جارحة انفلات، فالزمام قد أخذ بأطرافها، هيمنةٌ آسرة، لطفت الجوانح فخضعت الجوارح، فلا يرى الناظرون إلا كساء البهاء وجلباب الحياء.
- «مَنْ كَثُرَ كَلامُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ وَمَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ»[٤]. فثمة سلسلة مهالك، ومسالك مزالق، يتيه سالكها، فلا توصله إلا إلى الهاوية، ولا تقذفه إلا إلى النار.
فتراكم الأخطاء تغشي مرتكبها ظلمةً وريناً ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾[٥].
فلا يستشعر الخشية، فيقل الحياء ويستمرئ الذنب وهو معنى قلة الورع فيؤول أمره ميتاً قلبه، وإن كان في عداد الأحياء.
مواطن لا حياء فيها
التعلم
«وَلا يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الشَّيْءَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ»[٦]. فالجهل مردٍ، ومفتاح العلم المسألة والتعلم، وما التخبط والضلال إلا بترك العلم والمعرفة، والإنسان لم يولد عالماً، فحياؤه بقاؤه جاهلاً «مَنْ رَقَّ وَجْهُهُ رَقَّ عِلْمُهُ»[٧] فلابد له من رفع نقيصته، وبلوغه كماله من التزود بما يرفع ذلك ويرقيه إلى مايليق به.
هذا ومسائل الاعتقاد والفقه والحلال والحرام وخیر الخصال وشر الأفعال، معارف شتى يسعد فيها المرء ويشقى فلا مناص له من الإحاطة بها والولوج إليها من أبوابها، وليس ثمة إلا العلم، فإذا منعه منه الحياء، فقد حرم نفسه الكمال، وتاه في غياهب الجهل والضلال، وعاش يرفل في الفقر مكابداً «وَلا فَقْرَ كَالْجَهْلِ»[٨].
القول بغير علم
«وَلا يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ لا أَعْلَمُ»[٩].
فقد ظن السائل بالمسؤول خیراً، فإن أجابه بجهل فقد خان الله وأضل عبدالله، وحكى بذلك نفسية خسيسة وعرض نفسه للهلكة والمؤاخذة «مَنْ تَرَكَ قولَ (لا أدري) أُصِيْبَتْ مَقاتِلُهُ»[١٠].
وهنا مظهر الشجاعة وغلبة النفس، بحط الكبرىاء، وعنوان الإيمان بالصدق، ومدعاة لنيل فضيلة العلم، وشرف المعرفة، بتعلم مالا يعلم.
إعطاء القليل
«لا تَسْتَحِ مِنْ إِعْطَاءِ الْقَلِيلِ فَإِنَّ الْحِرْمَانَ أَقَلُّ مِنْهُ»[١١]. وهي تربية للنفس على البذل مما يجد قلياً وكثیراً، وإبعادها عن الشح، والاستجابة لدعوة الشيطان «الشيطان يعدكم الفقر». فإن مقابل الإعطاء والبذل المنع والحرمان، وهما أسوء حالاً، وأشد ضرراً من إعطاء القليل فإنه نافع للمعطي والآخذ.
مواطن تحصيل الخير
«قُرِنَتِ الْهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ وَالْحَيَاءُ بِالْحِرْمَانِ»[١٢].
فمن مواطن ذلك الحياء الحائل دون المسألة والعلم وهكذا في كل موارد الحياة مما ينبغي فيها الإقدام، فالإحجام مانع من نيلها وإدراك خيرها، فهي من صور الحياء المذموم.
ومما يستحي منه: الفرار من الزحف
«وَاسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرِّ فَإِنَّهُ عَارٌ فِي الأَعْقَابِ وَنَارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ»[١٣].
فالحياء هنا رذيلة النفس، وخور العزائم، وضعف الإيمان، والرغبة في الدنيا الفانية، والزهد في الحياة الباقية، يورث شر العاقبة في الأعقاب، فيعیّرون بخلال آبائهم، وربما ورثوها أبناءهم، ويورث الحسرة والندامة بعذاب الجحيم يوم القيامة، فياله من سوء باء، عار حاضر وعذاب آجل.
ومن حياء أمير المؤمنين وبالغ زهده
«وَاللهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا وَلَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ أَ لا تَنْبِذُهَا عَنْكَ فَقُلْتُ اغْرُبْ عَنِّي فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يْحَمَدُ الْقَوْمُ السُرَّى»[١٤].
وكان فصلاً ختامياً لخطبة جليلة عرض فيها الإمام (ع) زهد الأنبياء الكرام مما خبره من أمرهم، ووقف عليه وعايشه من سیرة خاتمهم سيد المرسلين- (ص) وعليهم أجمعین- ثم ذكر عظيم منة الله لديه حيث أنعم عليه بنبيه سلفاً يتبعه، وقدوة يهتدي بهداه، وقائداً يطأ عقبه ويقتفي خطاه.
ثم ختمه بطرف من سیرته عُني منها بالحديث عن ملبسه، كما تحدث في موطن آخر عن مطعمه.
وزهد الإمام قناعة الواجد، لا وضع الفاقد، فهو التواضع الجم، والخلق الكريم في مواساته لأضعف رعيته، ومشاركته لهم في مكاره الدهر، وتلكم خلاله وخصاله على ذلكم النسيج الفريد.
ومن يزهد في الإمرة والحكم والسلطان فيراها عفطة عنز وأقل من بقل وأذل من نعل فليس منه ذلك بعجيب، وإن كان كل شأنه العجيب الغريب، حتى إنه ليستحي من راقع مدرعته، وليس هو إلا أحد أولاده أو من يشرّف بخدمته.[١٥]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ خطبة ١١٣/ ٤٤٨.
- ↑ خطبة ٦٩/ ٤٥٩.
- ↑ خطبة ٢٢٣/ ٥٠٨.
- ↑ خطبة ٣٤٩/ ٥٣٦.
- ↑ سورة المطففين، الآية ١٤.
- ↑ خطبة ٨٢/ ٤٨٢.
- ↑ عن أبي عبد الله الصادق (ع). الكافي٢/ ١٠٦.
- ↑ خطبة ٥٤/ ٤٧٨.
- ↑ خطبة ٨٢/ ٤٨٢.
- ↑ خطبة ٨٥/ ٤٨٢.
- ↑ خطبة ٧٦/ ٤٧٩.
- ↑ خطبة ٢١/ ٤٧١.
- ↑ خطبة ٦٦/ ٩٧.
- ↑ خطبة ١٦٠/ ٢٢٩.
- ↑ محسن علي المعلم، الأخلاق من نهج البلاغة، ص ٣٥٨.