الخير والشر في علم الكلام
تعريف الخير والشر
هناك كثير من التعقيدات فيما يتعلق بتحليل وتعريف الخير والشر على المستوى المفهومي والمنطقي. حيث يستحيل تعريف بعض المفاهيم البديهية، من قبيل: مفهوم الوجود والعلم، حيث يُكتفى في تعريفها بالتعريف اللفظي أو ما يُعرف بشرح الاسم فقط. ذلك بادر أهل الفن إلى تعريف هذين المفهومين الجوهريين من خلال نوعين من أنواع التعريف وهما: (التعريف الماهوي، والتعريف المصداقي)، حيث مختصر تعريفهما على النحو الآتي:
التعريف الماهوي للخير والشر
- تساوق الخير والوجود: عمد الحكماء المتقدّمون، وتبعهم الفلاسفة المسلمون إلى تعريف الخير والشر بالوجود والعدم ببيان أن الوجود مساوق للخير، أما الشر فهو عدم محض.
- الخير وجود مطلوب: هناك من عرّف الخير بأنّه وجود مطلوب يتمناه الناس فإن أنصار هذه الرؤية لا يعتبرون ذات الوجود خيراً من دون أخذ مصلحة الإنسان بنظر الاعتبار، بل يرون أن خير الوجود رهن بالمطلوبية والرغبة. خلافاً للرؤية الأولى التى تعدُّ ذات الوجود خيراً من دون لحاظ اقترانه بأيّ أمر آخر. ويمكن لنا أن نتوصل إلى هذه الرؤية من خلال التعاريف الآتية:
- قال أرسطوطاليس: «كل الفنون، وكل الأبحاث العقلية المرتبة وجميع أفعالنا وجميع مقاصدنا الأخلاقية يظهر أن غرضها شيء من الخير يرغب في بلوغه، وهذا هو ما يجعل تعريفهم للخير تاماً؛ إذ قالوا: إنه هو موضوع جميع الآمال»[١].
- وقال ابن سينا: «فالخير في الجملة هو ما يتشوّقه كل شيء في حدّه، ويتمّ به، وجوده والشرّ لا ذات له بل هو إما عدم جوهر أو عدم صلاح لحال الجوهر، فالوجود خيرية، وكمال الوجود خيرية الوجود»[٢].
- وقال صدر المتألهين: «إن الخير ما يتشوّقه كل شيء ويتوخّاه، ويتمّ به قسطه من الكمال الممكن في حقّه ... والشرّ أمر عدمي؛ ... ولأجل ذلك قالت الحكماء: إن الشرّ لا ذات له بل هو أمر عدمي، إما عدم ذات ذات أو عدم كمال ذات[٣]. وفي الحقيقة فإن نفس الوجود مع ملاحظة النفع الذي يوصله إلى الآخرين (الإنسان)، يقع مطلوباً، ويتصف بالخير.
- الخير والشر المعقول الثاني الفلسفى: طبقاً للنظريتين الآنفتين، كان بإمكاننا في الأقل أن نعثر على مصداق الخير في ضمن عنوان الوجود، غاية ما هنالك أننا في النظرية الأولى نجد صرف الوجود الخارجي كافياً في العثور على الخير. وأما فى النظرية الثانية، فإن وجود الخير يكون منوطاً بالطلب، واشتياق الطالب . ورغبته وأما طبقاً للنظرية الثالثة فليس لأيّ واحد من مفاهيم الخير والشر من مصداق في الخارج، وليس لهما ما بإزاء في العالم الخارجي. وإنما غاية ما يمكن لنا الحصول عليه هو العثور على منشأ اتصافهما في الخارج، مثل سائر المعقولات الفلسفية من قبيل: الإمكان والوجوب والعلية. وعليه فإن رؤية الوجود بما هو وجود لا تتصف بالخير أو الشر[٤].[٥]
الفصل بين الخير والشر الواقعي والخير والشر الظاهري
إن المراد من «الخير» في هذه الدراسة، هو الوجود المطلوب والنافع والملائم للمصلحة الواقعية.
و«الشرّ» هو الأمر المضرّ بالنسبة إلى الإنسان ومصلحته الواقعية.
وبعبارة أخرى: علينا أن نحذر من الخلط بين الخير الواقعي والخير الظاهري، كما يتعيّن علينا أن لا نخلط بين الشرّ الواقعي والشر الظاهري. فقد يبدو الشيء في الوهلة الأولى خيراً ومرغوباً ومحبوباً، ولكنه يثبت بعد التأمّل والرؤية الواقعية أن العكس هو الصحيح.
من باب المثال: الشخص المريض الذي يُبدي رغبة عارمة في تناول طعام لا يُناسبه في النظرة الأولى قد يبدو أكله لذلك الطعام أمراً مطلوباً ومن الخير، وذلك بالنظر إلى رغبة المريض في تناول هذا الطعام، ولكن عندما ندقق في التبعات والآثار السلبية التى سوف تترتب على تناول الطعام من تفاقم المرض، سيتحوّل هذا الخير الظاهري إلى شرّ واقعي. وكذلك العكس أيضاً، بمعنى أن الأمر قد يبدو شرّاً في الوهلة الأولى من قبيل تناول الدواء المرّ، بيد أنه عندما يتمّ التدقيق في آثاره الإيجابية على المريض، لن يشك عاقل عند ذلك في أن هذا الدواء المرّ هو الخير الواقعي والحقيقي. من هنا فإن المناط في اتصاف الفعل بالخير أو الشر، إنما يكون بلحاظ واعتبار جميع جوانب الفعل وأبعاده، وعليه لا ينبغي الاستعجال في وصف الفعل بالخير أو الشر.
وبعبارة أخرى: يجب الفصل بين الخير والأمر المناسب، وبين الشر والأمر غير المناسب؛ إذ ربّما يكون الأمر مناسباً، ولكنه لا يكون خيراً حقيقياً، كما قد يبدو الأمر غير مناسب ولكنه يكون خيراً حقيقياً وعليه يمكن القول في تعريف الخير والشر: «إن الخير هو الأمر الذي يكون في مآله خيراً على الإنسان، وينتهي لمصلحة الإنسان ومنفعته والشر هو الأمر الذي يعود على الإنسان بالضرر، بحيث يكون ضرره أكثر من منافعه الظاهرية». ولكن يجب اعتبار الشر من خلال الرؤية الفلسفية الثاقبة من خلال الضرر المترتب عليه إلا أن المنفعة الظاهرية التي توجب ظهور الشر، لا تكون شرّاً في نفسها، وإنما تكون شرّاً؛ لأنها تمهّد الأرضية للشر.
وبعبارة أخرى: إن النظرية الثانية مع إمعان النظر في كلمة «مطلوب» أو «مبغوض» قابلة للقبول بمعنى أن الخير هو الأمر الوجودي المطلوب في ظرف الواقع، بحيث أنه رغم عدم رغبة المرء به في المرحلة الظاهرية، ولربما كان مبغوضاً له، إلا أنه عند انكشاف الواقع والعلم بالحقيقة سيغدو مطلوباً ومحبوباً ومرغوباً لذلك الفرد، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الشر أيضاً. وبذلك تخرج الخيرات والشرور الظاهرية عن تعريف الخير والشر. وهناك آيات تدلّ على هذا التعريف أيضاً، من قبيل قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[٦]، وقوله تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾[٧].[٨]
التعريف المصداقي للشر
اشتمل التعريف الماهوي للخير والشر على بعض النواقص، فقد صار أكثر الفلاسفة الغربيين إلى الاستغناء عن التعريف، الماهوي واستبداله بالتعريف المصداقي.
لا يخفى على أهل الفن أننا في التعريف المصداقي لمفهوم ما، بدلاً من العمل على ضمّ عدد من المفاهيم إلى بعضها، ووضع حدٍّ ورسم لها، نعمل على توظيف مصداق المفهوم، وذلك من خلال هذين الطريقين:
- الإشارة إلى المصاديق (التعريف الإشاري).
- تسمية المصاديق (التعريف الاسمي).
من باب المثال: يمكن لنا تعريف الشخص الذي لم يسبق له أن رأى الثلج من خلال الإشارة إلى نفس الثلج، أو أن نسمي البلدان الواقعة ضمن الشرق الأوسط أو الشرق الأدنى أو الشرق الأقصى للشخص الذي لا يعلم البلدان الواقعة في ضمن هذه الحدود الجغرافية.
وفيما يأتي نشير إلى بعض مصاديق الشر، وذلك على النحو الآتي:
- الشرّ الميتافيزيقي: الشر الذي يشمل جميع أجزاء العالم الإمكاني -الأعم من عالم المادة والمجرّدات - وسبب هذا الشر هو المحدودية في عالم الإمكان بالقياس إلى عدم محدودية الله. وقد عبّر الفلاسفة المسلمون عن هذا النوع من الشر بعدم الكمال المطلق. إنّ هذا النوع من الشر في عالم المادة يتحقق بسبب المحدودية الكبيرة، ومن ثَمَّ فقدان مزيد من الكمال، بحيث إنّ بعض الفلاسفة يذهبون إلى القول بتركّب المادّة من جزئين وهما: «الشر» و«الخير»، إذ يكون الشرِّ على شكل هيولى، والخير على شكل صورة المادة[٩].
- الشر الطبيعي: يطلق هذا النوع من الشر على الشرور الطبيعية في العالم من قبيل الزلازل والبراكين والأمراض والآلام وما إلى ذلك.
- الشر الأخلاقي: وهو عبارة عن الشرور التي تصدر عن الإنسان بإرادته واختياره من قبيل الذنوب والأفعال القبيحة.
وقد ذكر صدر المتألهين في شرح أصول الكافي أربعة مصاديق للشر، وهي:
- الأمور العدمية من قبيل الفقر والموت.
- الشر الإدراكي من قبيل الألم والحزن والجهل المركّب.
- الشرور الأخلاقية والأفعال القبيحة والسيّئة من قبيل: القتل والزنا.
- مبادئ الشرور الأخلاقية التي هي عبارة عن الملكات الرذيلة من قبيل الشهوة والغضب والبخل والمكر[١٠].[١١]
التقييم
من خلال التعمّق والتدقيق في مصاديق الشرور الطبيعية من قبيل: السيول والزلازل والبراكين والجروح التي تصيب أجساد الناس، ندرك أن جميع هذه الشرور تعود في حقيقتها إلى أنها تؤدّى إلى الحزن والألم والاستياء الذي يصيب الناس بفعل تداعيات هذه الأمور من باب المثال: إن أموراً من قبيل: السيل إنما يُعدُّ شرّاً؛ لأنه يحطم الممتلكات ويقضي أحياناً على على الأحبة من الناس وإلا فإن السيول والزلازل والبراكين إذا لم تؤد إلى هذه الأمور المأساوية وهذه الكوارث، لما عدها الإنسان من الشرور المنافية للعدالة الإلهية.
وإذا ولد للشخص طفل متخلف ذهنياً أو مات له عزيز، فإن ذلك سيؤدّي به إلى الحزن والألم، وذلك لأن الإنسان بطبيعته عندما ينظر إلى ولده المريض أو يفقد شخصاً أثيراً على قلبه، فإنه سيقع تحت وطأة الحزن ويستشعر الألم بكل وجوده، ولولا هذا الشعور لما أحسّ بالألم أبداً ولتجاوز المسألة بكل بساطة، ولما وصف هذه الأمور بالشر. إذن فالشر الحقيقي في هذا النوع من الأمور هو الحزن والألم النابع من جبلّة الإنسان وفطرته. وبعبارة أخرى لو لم يشعر الإنسان بالألم والحزن عند رؤيته شخصاً يصارع المرض أو عند وفاة عزيز،عليه فإن الشر هنا سوف يقتصر على المبتلى بالمرض ولا يطال الآخرين، إلا أن ملاك الشرور عند المريض أو المشرف على الموت هو الشعور بالألم والوجع الجسمي والروحي ويبدو أن هذا الأمر لبداهته لا يحتاج إلى مزيد من الشرح والتوضيح.
وعليه فإن ملاك جميع الشرور يعود إلى الشعور بالحزن والألم، وأما سائر الأمور التي تتصف بالشر، فإنها في الحقيقة تشكل موجبات «الشر»، لا أنها تكون شرّاً في واقعها، وإنما يكون شرّها تبعياً وبالعرَض.
وقد أدرك الفخر الرازي هذه الحقيقة بشكل دقيق، إذ يقول: «اعلم أن الناس لا يريدون بلفظ الشر في العرف المشهور إلا الألم أو ما يكون مؤدّياً إليه»[١٢].
أما في الشر الأخلاقي، فلا تكون شرور النفس وذات الأعمال شرّاً في ذاتها، بل إنما يطلق عليها الشر لاعتبارات وجهات أخرى.
أما الشر الميتافيزيقي، فيعود إلى عدم وجود الكمال المطلق والخالص وكما تقدّم أن ذكرنا فإن هذا الشر مطبق على عالم الإمكان من جميع انحئه وإن عدم هذا الشر في العالم مساوق لعدم خلق عالم الإمكان من الاساس وعليه فإن هذا النوع من الشر خارج عن دائرة البحث، ولم يتعرّض له أحد حتى الآن، حيث لم يستشكل على ذلك أحد بالقول: لماذا خلق عالم الإمكان محدوداً ومتناهياً.
من هنا فإن النواة المركزية للشبهات في العدل الإلهي تدور حول الشر الطبيعي والشر الأخلاقي. [١٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ أرسطو طاليس، علم الأخلاق إلى نيقوماخوس، ج ١، ص ١٦٧ - ١٦٨، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٠٨.
- ↑ ابن سينا الإلهيات من كتاب الشفاء، المقالة الثامنة، الفصل السادس: أبو نصر الفارابي التعليقات ٢٧ و٧٧؛ ابن سينا النجاة ص ٢٢٩.
- ↑ صدر المتألهين، الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة، ج ٧، ص ٥٨، دار المحجة البيضاء؛ الميرداماد، القبسات، ص ٤٢٨.
- ↑ انظر: محمد تقي مصباح يزدي، آموزش فلسفه (دروس في الفلسفة)، ج ٢، ص ٢٢٤. لم يقدم سماحته تعريفاً دقيقاً للخير والشر، فإنه في تعليقته على نهاية الحكمة بعد أن اعتبر الخير والشر معلولان للقياس ونسبة الأشياء إلى بعضها ومطابقتها أو عدم مطابقتها الرغبة واشتياق الإنسان إلا أنه في نهاية المطاف يُعيد الخير والشر إلى ملاك الأمر الوجودي والعدمي ويستنتج من ذلك أن الخير لا يختص بالكائنات الشاعرة، بل يشمل جيع الكائنات، وهذا التعريف لا يتطابق مع اعتبار الشر من المعقول الثاني الفلسفي. (انظر: محمد تقي مصباح يزدي، تعليقة على نهاية الحكمة، رقم: ٤٥٤).
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢١٦.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٩.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣٩.
- ↑ انظر أرسطو طاليس متافزيك (الميتافيزيقا) الفصل العاشر الكتاب الثاني عشر ص ٤١١، نقله إلى الفارسية: شرف الدين خراساني؛ محمد بن أحمد بن بن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، ص ١٧٢١.
- ↑ انظر: : صدر المتألهين شرح أصول الكافي، إعداد وتصحيح محمد خواجوي، كتاب العقل والجهل، ص ٤١٤ (الطبعة القديمة).
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٤١.
- ↑ الفخر الرازي شرح الإشارات، ج ٢، ص ٨٠.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٤٢.