العجلة في علم الأخلاق

من إمامةبيديا

تمهيد

«العجلة» ما يضادّ التّأنّي ومعناها كما في المفردات: طلب الشّىء قبل أوانه.

وغالباً تصاحب الحمق، بمعنى انّ ما يترتّب عليها من الاعمال يصدر من غير تفكّر وتعقلّ فلذا انّ القرآن نقل عمّن يرضى بالعاجلة من الآخرة انّهم قالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ[١]

وانّها صفة مذمومة تترتّب عليها آثار مذمومة. وكلّ من الصّفة وما تترتّب عليها من الآثار سمّيت بالعجلة، كما انّ لفظة العجلة كثيراً ما تستعمل في غير هذا المعنى وهو التّقدم اي العاجل مقابل الآجل، فهو ليس بمذموم كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ[٢]

وقوله تعالى: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ[٣]

وقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ[٤]

وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ[٥]

ونظيرها في القرآن والرّوايات والاستعمالات كثير جدّاً.

وهذه الرّذيلة نظير الحسد والكبر موجودة في غالب الافراد إلّا الاوحدى منهم وكانّ الإنسان عجين بها.

قال تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ[٦]

وقال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا[٧]

وهذه الآية الشّريفة تدلّ على انّ العجلة تستجلب الشرّ، فكانّ الشّرّ خير للمستعجل فيطلبه، كما وقد تشير إلى انّ التعجيل في الأمر يوجب أن يذر الآخرة ويأخذ الدّنيا الدّنيّة.

قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ[٨]

وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا[٩]

وقال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا[١٠] وفي هذه الآيات إشارة إلى انّ من يذر الآخرة ويأخذ الدّنيا يكون عجولًا، فلذا سميت الدّنيا فيها بالعالجلة.

ومن المعلوم انّ من يتأنّى في الأمر ويطلب الشّىء في وقته لا يطلب لذّته في الدّنيا، لانّ متاعها قليل، بل ليس متاعها أزيد من ظاهر.

قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ[١١]

نعم من كان عجولا يرضى بالحياة الدّنيا من الآخرة.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ[١٢]

وجملة القول إن العجول يذر مقام اللّقاء ولا يطلب الكمال والبقاء ويأخذ الفناء ويصرف عن ملك لا يبلى إلى دار الغرور وملك لا يبقى، ويشتغل باللّذات الفانية عن اللّذات الباقية حتّى يخاطب يوم القيامة بقوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ[١٣]

والحاصل انّ العجلة من تسويلات الشّيطان وانّها عنانه ولبئس العنان، فلذا روى: «انّه أوصى جنوده بان يأتوا بنى ادم من قبل العجلة».[١٤]

المسارعة والمسابقة إلى الخيرات

قد اشتهر انّ العجلة في الخيرات ليست بمذمومة، وقد استدّل بآيات وروايات منها:

قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ[١٥]

وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ[١٦]

وعن الصّادق (ع): «مَنْ هَمَّ بِشَيْءٍ مِنَ اَلْخَيْرِ فَلْيُعَجِّلْهُ فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِيهِ تَأْخِيرٌ فَإِنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَظْرَةً» [١٧]

وقوله رسول الله(ص): «إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ مِنَ اَلْخَيْرِ مَا يُعَجَّلُ»[١٨]

ولكن هذا خطأ واضحٌ، لانّ التّعجيل في أمور الخير هو عدم تأخيره عن وقته وعدم تفويت الفرصة، لا طلب الشّيئ في غير وقته ومن غير تفكّر فيه حتّى يصير من مصاديق العجلة فيكون مذموماً. ورواية الصّادق (ع) المذكورة في الكافي الشّريف كالصّريح فيما ذكرنا.

فالعجلة مطلقاً مذمومة في الخير كانت أو في الشّرّ، وكلّما زادت في شدّتها زادت في ذمّها. فالعجلة المذمومة في الخيرات نظير إقامة الصلوات قبل وقتها لا المسارعة إلى الخيرات. فالتسابق إلى الصّلوة في وقتها ممّا اكّد عليه في الإسلام غاية التأكيد، وليست من العجلة المذمومة، بل انّها خير يقع في محلّه.

والظّاهر انّ هذا الخطأ ناش من اللفظ، وقد مرّ في اوّل البحث. وانّ العجلة كثيراً ما تستعمل ويراد منها التّقدّم مقابل التّأخرّ، وذلك المعنى ليس بمذموم والعجلة المذمومة غيره.

وليس بينهما وحدة ولا اشتراك إلّا لفظاً.

والحاصل انّ العجلة في أمور الخير بمعنى ايقاع الخير في محلّه بلا تأخير خير، لانّه ربّما يندم عليه فيتركه، وربّما ينسى ويأخذ الشّيطان نصيبه منه، وربّما يمنعه مانع فيفوت عنه الفرصة. فلذا اكّد القرآن والرّوايات على تعجيل الخيرات وعدم تأخيرها. وهي ليست بالعجلة المذمومة، لانّها كما مرّ تعريفها، هي طلب الشّىء في غير أوانه، فهي مذمومة ملكة كانت أو عملًا، قولًا كانت أو فعلًا حركة كانت أو سكوناً.[١٩]

المراجع والمصادر

  1. حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية ج ١

الهوامش

  1. سورة الملك، الآية ١٠.
  2. سورة طه، الآية ١١٤.
  3. سورة الكهف، الآية ٥٨.
  4. سورة النحل، الآية ١.
  5. سورة الذاريات، الآية ٥٩.
  6. سورة الأنبياء، الآية ٣٧.
  7. سورة الإسراء، الآية ١١.
  8. سورة القيامة، الآية ٢٠-٢١.
  9. سورة الإنسان، الآية ٢٧.
  10. سورة الإسراء، الآية ١٨-٢٠.
  11. سورة الروم، الآية ٧.
  12. سورة التوبة، الآية ٣٨.
  13. سورة الأحقاف، الآية ٢٠.
  14. حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج١، ص ٤٦٣.
  15. سورة آل عمران، الآية ١٣٣.
  16. سورة البقرة، الآية ١٤٨.
  17. أصول الكافي، ج ٢، باب تعجيل فعل الخير، ص ١٤٣، ح ٩.
  18. أصول الكافي، ج ٢، باب تعجيل فعل الخير، ص ١٤٢، ح ٤.
  19. حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج١، ص ٤٦٥.