العفو في نهج البلاغة
تمهيد
وهو خلق من أخلاق الله الكريمة، وصفاته العالية، وجدير بالعبد التخلق بأخلاق الرب.
وقد تناول الإمام (ع) هذا الخلق في جملة من أطرافه، فلنتربَّ على نهج الإمام وهديه.
الله سبحانه وتعالى
«يَعْفُو بِحِلْمِ»[١]، «الَّذِي عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَفَا»[٢].
«فَإِنَّ اللهَ تَعَالَی يُسَائِلُكُمْ مَعْشَرَ عِبَادِهِ عَنِ الصَّغِیرَةِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَالْكَبِیرَةِ وَالظَّاهِرَةِ وَالَمسْتُورَةِ فَإِنْ يُعَذَّبْ فَأَنْتُمْ أَظْلَمُ وَإِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ»[٣].
ومما قاله عن البصرة: «المُحْتَبَسُ فِيهَا بِذَنْبِهِ وَالْخَارِجُ بِعَفْوِ اللهِ»[٤].
«وَتَمَثَّلْ فِي حَالِ تَوَلَّيكَ عَنْهُ إِقْبَالَهُ عَلَيْكَ يَدْعُوكَ إلى عَفْوِهِ وَيَتَغَمَّدُكَ بِفَضْلِهِ وَأَنْتَ مُتَوَلًّ عَنْهُ إلى غَیْرِهِ فَتَعَالَی مِنْ قَوِيًّ مَا أَكْرَمَهُ!»[٥].
«وَلَكِنَّ اللهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ وَيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمجَاهِدِ وَيَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمكَارِهِ إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَإِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ وَلِيَجْعَلَ ذَلِكَ أَبْوَاباً فُتُحاً إلى فَضْلِهِ وَأَسْبَاباً ذُلُلاً لِعَفْوِهِ»[٦].
وقال لمالكٍ واليه: «فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وَتَرْضَی أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَوَالِي الأمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ وَاللهُ فَوْقَ مَنْ وَلاّكَ»[٧].
«فَإِنَّهُ لا يَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ وَلا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ»[٨].
ونستخلص من هذه النصوص:
- إن منطلق العفو الحلم والكرم فهو- سبحانه- حليم لا يغضب فيعفو وكريم لا يؤاخذ على الجريرة.
- القوي الرحيم الرب الكريم، يتمرد عليه عبده ويعرض عنه وهو- تعالى- يقبل عليه ويدعوه.
- يمحص عباده بالبلاء حتى تشملهم النعماء ويعمهم العفو والرضاء.
- الميزان الدقيق فكما يرجو المذنب عفو ربه فليكن منه ذلك إذا وَلِيَ غیره.
وليجعل نفسه دائماً مقياساً، فكما لا غنى به عن عفو ربه ورحمته، فليكن منه شأن لذلك الرعية المقصر، وأعظم بذلك ميزاناً، وأجلَّه مقياساً.
الإمام مؤدب بآداب ربه
قيل إنه خطب بعد مقتل عثمان في أول خلافته: «وَقَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ مِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً كُنْتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَیْرَ مَحْمُودِينَ وَلَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ وَمَا عَلَيَّ إِلا الْجُهْدُ وَلَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ»[٩].
«يَقُولُ مَتَى أَشْفِي غَيْظِي إِذَا غَضِبْتُ أَ حِینَ أَعْجِزُ عَنِ الاِنْتِقَامِ فَيُقَالُ لِي لَوْ صَبَرْتَ أَمْ حِینَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيُقَالُ لِي لَوْ عَفَوْتَ»[١٠].
ومن كتاب له (ع) إلى أهل البصرة: «وَقَدْ كَانَ مِنِ انتشار حَبْلِكُمْ وَشِقَاقِكُمْ مَا لَمْ تَغْبَوْا عَنْهُ فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ وَرَفَعْتُ السَّيْفَ عَنْ مُدْبِرِكُمْ وَقَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ»[١١].
وقال (ع) لما ضربه ابن ملجم- لعنه الله-: «إِنْ أَبْقَ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي، وَإِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي، وَإِنْ أَعْفُ فَالْعَفْوُ لِي قُرْبَةٌ وَهُوَ لَكُمْ حَسَنَةٌ، فَاعْفُوا، أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ»[١٢].
وقال صلوات الله عليه لما سبه الخارجي- لعنه الله-: «وذلك أَنَّهُ (ع) كَانَ جَالِساً فِي أَصْحَابِهِ فَمَرَّتْ بِهِمُ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ فَرَمَقَهَا الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقَالَ (ع): إِنَّ أَبْصَارَ هَذِهِ الْفُحُولِ طَوَامِحُ وَإِنَّ ذَلِكَ سَبَبُ هِبَابَهِا فَإِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إلى امْرَأَةٍ تُعْجِبُهُ فَلْيُلامِسْ أَهْلَهُ فَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ كَامْرَأَتِهِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ: قَاتَلَهُ اللهُ، كَافِراً مَا أَفْقَهَهُ، فَوَثَبَ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَالَ (ع): رُوَيْداً إِنَّمَا هُوَ سَبٌّ بِسَبًّ، أَوْ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ»[١٣].
حمل ولاته على هديه
«فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدَّينِ وَإِمَّا نَظِیرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ وَيُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وَتَرْضَی أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَوَالِي الأمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ وَاللهُ فَوْقَ مَنْ وَلاكَ وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَابْتَلاكَ بِهِمْ وَلا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لَحِرْبِ اللهِ فَإِنَّهُ لا يَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ وَلا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ وَلا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ وَلا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ وَلا تُسْرِعَنَّ إلى بَادِرَةٍ وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً»[١٤].
حلية المتقين
«يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ»[١٥].
وشكر القدرة وزكاتها:
«إذَا قَدَرْتَ عَلَی عَدُوَّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ»[١٦].
«أَوْلَي النَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَی الْعُقُوبَةِ»[١٧].
«وَالْعَفْوُ زَكَاةُ الظَّفَرِ»[١٨].
وهكذا قرأنا الإمام (ع) في كَلِمِهِ، ورويناه في سیرته، في ذاته، ووصيته لولاته وكافة رعيته.
أجل وقفنا على ملكة الكمال وكمال الملكة، اتسعتا فوسعتا الأحداث الجسام والخطوب العظام، وتلكم رحمة الله الواسعة وقدرته الجامعة تمثلتا وتجسدتا في الإمام العظيم.
ووقفنا على السر ومحور الأمر ألا وهو النظر إلى المولى تبارك وتعالى في عموم لطفه وكريم عطفه، فهو- جلّ وعلا- مبدأ الفيض والإحسان وغاية الإفضال والامتنان.
فطوبى لعبدٍ اتخذ إلهه رباً مؤدَّباً فتخلق بأخلاقه، وتحلى بجمال صفاته، وتقمص أبراد آلائه.
هذا وقد كان من ختام دعاء يلجأ فيه إلى الله ليهديه إلى الرشاد: «اَللَّهُمَّ اِحْمِلْنِي عَلَى عَفْوِكَ وَ لاَ تَحْمِلْنِي عَلَى عَدْلِكَ»[١٩].[٢٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ خطبة ١٦٠/ ٢٢٤.
- ↑ خطبة١٩١/ ٢٨٣.
- ↑ خطبة٢٧/ ٣٨٣.
- ↑ خطبة١٣/ ٥٦.
- ↑ خطبة٢٢٣/ ٣٤٤.
- ↑ خطبة١٩٢/ ٢٩٤.
- ↑ خطبة٥٣/ ٤٢٨.
- ↑ خطبة٥٣/ ٤٢٨.
- ↑ خطبة١٧٨/ ٢٥٧.
- ↑ خطبة١٩٤/ ٥٠٣- ٥٠٤.
- ↑ خطبة٢٩/ ٣٨٩.
- ↑ خطبة٢٣/ ٣٨٧.
- ↑ خطبة٤٢٠/ ٥٥٠.
- ↑ خطبة٥٣/ ٤٢٧- ٤٢٨.
- ↑ خطبة١٩٣/ ٣٠٥.
- ↑ خطبة١١/ ٤٧٠.
- ↑ خطبة٥٢/ ٤٧٨.
- ↑ خطبة٢١١/ ٥٠٦.
- ↑ خطبة ٢٢٧/ ٣٥٠.
- ↑ محسن علي المعلم، الأخلاق من نهج البلاغة، ص ٤٥٥ - ٤٦٠.