المباهلة عند أهل السنة
التعريف
«المباهلة» في اللغة: من باهله مباهلة لعن كل منهما الآخر وابتهل إلى الله: ضرع إليه، وبهله بهلا: لعنه ومنه قول أبي بكر: من ولي من أمر الناس شيئاً فلم يعطهم كتاب الله فعليه بهلة الله[١] أي لعنته، وباهل بعضهم بعضا: اجتمعوا فتداعوا فاستنزلوا لعنة الله على الظالم منهم وفي أثر ابن عباس: من شاء باهلته أنه ليس للأمة ظهار[٢].
ولا يخرج معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي[٣].[٤]
الحكم الإجمالي
المباهلة في الفرائض
ذكر بعض الفقهاء في باب الفرائض مسألة سميت بالمباهلة وهي: زوج وأم وأخت لأبوين أو لأب حكم فيها سيدنا عمر بن الخطاب في زمن خلافته بالعول بل قيل: إنها أول فريضة أعيلت في زمن عمر فخالفه فيها ابن عباس بعد وفاته وكان ابن عباس صغيرا فلما كبر أظهر الخلاف بعد موت عمر وجعل للزوج النصف وللأم الثلث وللأخت ما بقي ولا عول حينئذ فقيل له: لم لم تقل هذا لعمر؟ فقال: كان رجلا مهابا فهبته ثم قال: إن الذي أحصى رمل عالج عددا لم يجعل في المال نصفا ونصفا وثلثا، ذهب النصفان بالمال فأين موضع الثلث؟ ثم قال له علي: هذا لا يغني عنك شيئا لو مت أو مت لقسم ميراثنا على ما عليه الناس من خلاف رأيك. قال: فإن شاءوا فلندع أبناءنا وأبناءهم ونساءنا ونساءهم وأنفسنا وأنفسهم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين[٥] فسميت المباهلة لذلك[٦].
مشروعية المباهلة
قال ابن عابدين: المباهلة بمعنى الملاعنة مشروعة في زماننا[٧] وقد وردت المباهلة في الأصل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾[٨] حيث نزلت هذه الآيات بسبب وفد نجران حين لقوا نبي الله فسألوه عن عيسى فقالوا: كل آدمي له أب فما شأن عيسى لا أب له[٩] وروي أنه عليه الصلاة والسلام لما دعا أسقف نجران والعاقب إلى الإسلام قالوا: قد كنا مسلمين قبلك فقال: كذبتما منع الإسلام منكما ثلاث: قولكما اتخذ الله ولدا، وسجودكما للصليب، وأكلكما الخنزير، قالا: من أبو عيسى؟ فلم يدر ما يقول فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾[١٠] إلى قوله ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ فدعاهم النبي إلى المباهلة فقال بعضهم لبعض: إن فعلتم اضطرم الوادي عليكم نارا. . فإن محمدا نبي مرسل ولقد تعلمون أنه جاءكم بالفصل في أمر عيسى فقالوا أما تعرض علينا سوى هذا؟ فقال: الإسلام أو الجزية أو الحرب فأقروا بالجزية وانصرفوا إلى بلادهم على أن يؤدوا في كل عام ألف حلة في صفر وألف حلة في رجب فصالحهم رسول الله على ذلك بدلا من الإسلام[١١].
قال العلماء: وفي هذه الآيات دحض لشبه النصارى في أن عيسى إله أو ابن الإله كما أنها من أعلام نبوة النبي لأنه لما دعاهم إلى المباهلة أبوا ورضوا بالجزية بعد أن أعلمهم كبيرهم العاقب: أنهم إن باهلوه اضطرم عليهم الوادي نارا ولم يبق نصراني ولا نصرانية إلى يوم القيامة ولولا أنهم عرفوا يقينا أنه نبي ما الذي كان يمنعهم من المباهلة؟ فلما أحجموا وامتنعوا عنها دل على أنهم قد كانوا عرفوا صحة نبوته بالدلائل المعجزات وبما وجدوا من نعته في كتب الأنبياء المتقدمين[١٢].[١٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ قول أبي بكر الصديق: «من ولي من أمر الناس شيئاً. . .». أخرجه ابن قتيبة في غريب الحديث (١ / ٥٧٠) .
- ↑ أثر ابن عباس: «من شاء باهلته. . .». أخرجه البيهقي في السنن (٧ / ٣٨٣) .
- ↑ المصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن، والمعجم الوسيط، وتفسير القرطبي ٤ / ١٠٤.
- ↑ الموسوعة الفقهية، ج٣٦، ص ٥٧.
- ↑ أثر ابن عباس المذكور ملفق من عدة روايات، في مصنف عبد الرزاق (١٠ / ٢٥٤ - ٢٥٨)، وسنن البيهقي (٦ / ٢٥٣) .
- ↑ مغني المحتاج ٣ / ٣٣، والقليوبي ٣ / ١٥٢، والمغني لابن قدامة ٦ / ١٩١، وانظر حاشية ابن عابدين ٥ / ٥٠١.
- ↑ ابن عابدين ٢ / ٥٤١، ٥٨٩.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٥٩-٦١.
- ↑ حديث: «وفد نجران حين لقوا نبي الله . . .». أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦ / ٤٦٩ - ط. دار المعارف) من حديث قتادة مرسلا.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٥٩.
- ↑ تفسير القرطبي ٤ / ١٠٢، ١٠٤، وأحكام القرآن للجصاص ٢ / ١٤، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٣٦٠. والحديث أورده السيوطي في الدر المنثور (٢ / ٢٢٩) بلفظ مقارب وعزاه إلى ابن سعد وعبد بن حميد من حديث الأزرق بن قيس مرسلا.
- ↑ تفسير القرطبي ٤ / ١٠٢، ١٠٤، وأحكام القرآن للجصاص ٢ / ١٤، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٣٦٠. والحديث أورده السيوطي في الدر المنثور (٢ / ٢٢٩) بلفظ مقارب وعزاه إلى ابن سعد وعبد بن حميد من حديث الأزرق بن قيس مرسلا.
- ↑ الموسوعة الفقهية، ج٣٦، ص ٥٧-٥٨.