تأبير النخل في علم الكلام

المقدمة

يقول أحد الكتاب المعاصرين: إنّ النبي يجتهد في شؤون الزراعة والطب اجتهاد غيره يخطئ ويصيب وليس شرعاً، ولذا قال في تأبير النخل: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُم».

ففي الصحيحين انّ النبي (ص) مرّ بقوم يلقحونه، فقال: «لو لم تعملوا لصلح» قال: فخرج شيصاً [١] فمرّ بهم، فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأُمور دنياكم».

أقول: إنّ النبي (ص) أفضل الخليقة وأفضل من أبينا آدم أبي البشر، وقد علّمه سبحانه الأسماء قال سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ[٢].

قال صاحب المنار في تفسير تلك الآيات: أودع في نفسه علم جميع الأشياء من غير تحديد ولا تعيين، فالمراد من الأسماء المسمّيات عبّر عن المدلول بالدليل لشدّة الصلة بين المعنى واللفظ الموضوع له - إلى أن قال: - علّم الله آدم كلّ شيء، ولا فرق في ذلك بين أن يكون له هذا العلم في آن واحد، أو في آونة متعدّدة، والله قادر على كلّ شيء.

ولأجل تلك المكانة جعله الله خليفة في الأرض، وأمر الملائكة بالسجود له.[٣] فإذا كانت هذه مكانة آدم ومنزلته من حيث العلم بحقائق الأشياء وأسرار الكون، فكيف بأفضل الخليقة محمد (ص) فهل من المعقول أن لا يقف على ما وقف عليه أبونا آدم؟!

فالقرآن الكريم هو المهيمن على الكتب السماوية، فليكن مهيمناً على كلّ المأثورات المعزوَّة إلى النبي (ص) قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ[٤] وعلى ضوء ذلك، فكل ما نُسب إلى النبي (ص) من الجهل بأسرار الطبيعة ورموزها، فهو موضوع على لسانه فضلاً عن جهله بأبسط الأُمور وأوضحها التي يعرفها صبيان العرب.

ولنتناول بعض الأحاديث في هذا الصدد مع النقد والتعليق عليها:

روى مسلم، «عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ (ص) بِقَوْمٍ عَلَى رُؤُوسِ النَّخْلِ فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ - أي يأخذون شيئاً أو فروعاً من طلع النخل الذكر ويضعونه في طلع الأنثى - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (ص) مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا. قَالَ: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ (ص) بِذَلِكَ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ عز وجل»[٥]

وروى عن رافع بن خديج، قال: «قَدِمَ نَبِيُّ اَللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ اَلْمَدِينَةَ وَ هُمْ يُؤَبِّرُونَ اَلنَّخْلَ فَقَالَ مَا تَصْنَعُونَ قَالُوا كُنَّا نَصْنَعُهُ قَالَ لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْراً مِنْهُ فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ ثِمَارُهَا قَالَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ﴿ْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ[٦] إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ» [٧]

والعجب أنّ مسلماً النيسابوري مؤلف الصحيح ذكر الحديث في باب أسماه ب‌ «وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره (ص) من معايش الدنيا على سبيل الرأي» نحن نعلّق على الحديث بشيء بسيط، ونترك التفصيل إلى القارئ.

أوّلاً: نفترض أنّ النبي (ص) لم يكن نبياً، ولا أفضل الخليقة، ولا من أنزل عليه الكتاب والحكمة، ولا من وصفه الله سبحانه بالخلق العظيم، بل كان عربياً صميماً ولد في أرض الحجاز، وعاش بين ظهراني قومه وغيرهم في الحضر والبادية، وقد توالى سفره إلى الشام، وكل من هذا شأنه يقف على أنّ النخيل لا يثمر إلاّ بالتلقيح، فما معنى سؤاله ما يصنع هؤلاء؟! فيجيبونه بقولهم: إنّهم «يلقحونه» أفيمكن أن يكون هذا الشيء البسيط خفياً على النبي؟!

ثانياً: كيف يمكن للنبي النهي عن التلقيح الذي هو سنّة من سنن الله أودعها في الطبيعة، وقال سبحانه: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا[٨] ومع ذلك فكيف يقول: «ما أظن يغني ذلك شيئاً»؟!

ثالثاً: انّ الاعتذار الوارد في الرواية يسيء الظن بكل ما يخبر به عن الله بلسانه ويخرج من شفتيه، والأسوأ من ذلك ما نسب إليه من الاعتذار بقوله: «وإذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أكذب على الله عزّ وجلّ»، لأنّ فيه تلميحاً إلى أنّه - والعياذ بالله - يكذب في مواضع أُخر.

فلو كانت الرواية ونظائرها مصدراً للعقيدة، فسيعقبها جهل النبي (ص) بأبسط السنن الجارية في الحياة، فهل يصح التفوّه بذلك؟!.[٩]

المراجع والمصادر

  1.   جعفر السبحاني، موسوعة طبقات الفقهاء

الهوامش

  1. يقال: شيّصت النخلة: فسدت وحملت الشيص، وهو تمر رديء
  2. سورة البقرة، الآية ٣١-٣٣.
  3. المنار: ١ / ٢٦٢ - ٢٦٥.
  4. سورة المائدة، الآية ٤٨.
  5. مسلم، الصحيح: ١٥ / ١٢٥ و١٢٦، الباب ٣٨، كتاب الفضائل.
  6. سورة الكهف، الآية ١١٠.
  7. مسلم، الصحيح: ١٥ / ١٢٥ و١٢٦، الباب ٣٨، كتاب الفضائل.
  8. سورة فاطر، الآية ٤٣.
  9. جعفر السبحاني، موسوعة طبقات الفقهاء، ج١، ص ١٢٦ - ١٢٩.