حادثة الإفك
لا يوجد موضوع ذو صلة - لا يوجد مدخل ذو صلة - لا يوجد سؤال ذو صلة
تمهيد
يرى أكثر المحدثين المفسرين أنّ القصة ترتبط بالسيدة عائشة زوجة الرسول (ص)، ويذكرون أحداثاً لا يتلاءم بعضها مع عصمة الرسول الأعظم (ص) ولذا لا يمكن القبول بها[١] بينما يذهب آخرون إلى المعني فيها هو مارية القبطية زوجة رسول الله (ص) وأُمّ إبراهيم.
ففي رواية البخاري التي نقلها عن السيدة عائشة، ما يتنافى بقوة مع عصمة النبي (ص)،لاَنّها تكشف عن أنّه وقع (ص) فريسة بأيدي الشائعات الكاذبة إلى درجة أنّه غيّر سلوكه تجاه السيدة عائشة، بعد أن شكّ في عفافها وشاور أصحابه في أمرها.[٢] إنّ مثل هذا الموقف مع شخص برئ لا يوجد أي دليل على تهمته، لا يتنافى فقط مع مقام العصمة النبوية، بل حتى مع مقام المؤمن العادي. كما أنّ الآية ١٢ و١٤ من سورة النور توبخ أُولئك الذين وقعوا فريسة الشائعات وظنوا السوء، ممّا يعني أنّ هذا العتاب والتوبيخ كان يعم الرسول (ص) أيضاً لو صحت رواية البخاري هذه. ولذا فإنّه يُرفض كلّ الرواية المذكورة في شأن النزول الذي يتناقض مع عصمة الرسول (ص) .
وأمّا بالنسبة لرواية البخاري الأخرى بشأن النزول، والتي ينقلها عن عائشة ومفادها: أنّه حدث شجار وصدام بين الأوس والخزرج أمام الرسول (ص) حينما كان يخطب على المنبر، فاتّهموا بعضهم بعضاً بسبب قضية الإفك، حتى أشار عليهم (ص) بالسكوت فهدّأهم حتى انصرفوا، فهي كذلك لا تتناسب مع أحداث التاريخ الصحيح، إذ أنّ سعد بن معاذ رئيس الأوس كان قد توفّي قبل حادثة الإفك، التي جرت وقائعها بعد أحداث معركة بني قريظة، وقد صرح بذلك البخاري نفسه في صحيحه[٣] في باب معركة الأحزاب وبني قريظة، فكيف يمكن أن يحضر مجلس النبي (ص) ويجادل سعد بن عبادة في قضية الإفك التي وقعت بعد أحداث بني قريظة بعدّة شهور؟
ولذا فمن المهم أن نعرف أنّ حزب النفاق حاول أن يزلزل النفوس بإلقاء التهمة والبهتان إلى إمرأة صالحة ذات مكانة وأهمية في المجتمع الإسلامي. وقد فسر قوله تعالى: ﴿الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾[٤] بأنّ الذي تحمل القسط الأكبر من هذه العملية الخبيثة هو: عبد الله بن أبي فهو الذي قاد هذه العملية الرخيصة الخطرة، كما صرحت بذلك السيدة عائشة نفسها.[٥] فقد كان «عبد الله بن أُبي» يعمل بتجارة الجواري ويضعهن تحت تصرف الرجال للزنا بهن، فيجني أرباحاً طائلة من وراء هذه التجارة البغيضة، حتى بعد انتشار الإسلام في المدينة. ولما كان يكرههن على البغاء، واشتكت إحدى نسائه من ذلك، فقد نزلت الآية الكريمة تشجب عمله الدنيء: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[٦] وعندما حدث العداء بينه وبين ابنه بعد واقعة بني المصطلق، عمد إلى فعل كلّ ما يشفي غليله ويذهب غيظه، كترويج الشائعات الكاذبة انتقاماً من المجتمع الإسلامي، ليعمل على بلبلة الرأي العام ويشغله بالتوافه من القضايا، ويصرفه عن القضايا المهمة والمصيرية، إذ أنّ سلاح الشائعات يعتبر من الأسلحة المدمرة، وتستخدم في تشويه سمعة الأفراد الصالحين والمجتمع أيضاً.
أمّا الرواية الأخرى، فترى أنّ المقصود من الآية مارية القبطية، حيث اتهم فردٌ يدعى «جريح» بعد وفاة ابنها «إبراهيم» بأنّه هو والد إبراهيم وليس النبي (ص) فأرسل (ص) الإمام علياً ليقتله، فصعد جريح إلى نخلة خوفاً من علي(ع) وفتكه به، فتعقّبه عليُّ، فرمى بنفسه من فوقها فبدت عورته، فإذا ليس له ما للرجال ولا له ما للنساء، فرجع علي (ع) إلى النبي (ص) فأخبره بما رأى، فقال النبي (ص): «اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي صَرَفَ عَنَّا اَلسُّوءَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ»[٧] وجميع هذه الروايات ضعيفة فلا يمكن القبول بها في شأن نزول آيات الإفك.[٨]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ الدر المنثور: ٥/ ٢٤.
- ↑ صحيح البخاري: ٦/ ١٠٢، تفسير سورة النور.
- ↑ صحيح البخاري: ٥/ ١١٣.
- ↑ سورة النور، الآية ١١.
- ↑ السيرة النبوية: ٢/ ٢٩٧، وقد فطن ابن هشام لهذه الناحية فترك ذكر سعد بن معاذ بينما غفل عنها البخاري في صحيحه.
- ↑ سورة النور، الآية ٣٣.
- ↑ بالرغم ما ذكر عن الإمام علي (ع) أنّه لم ينظر إلى عورة قط، ولذا قيل عنه.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٥٨-١٦٠.