غارة الفزاري
تمهيد
اجتمع للنبيّ(ص) من خمس الجمال الغنائم أو صفاياها عشرون ناقة لُقحت فكانت حوامل ذوات ألبان يقال لها: اللقاح، كانت ترعى في الغابة قرب المدينة على طريق الشام[١]، وكان الراعي يرجع بلبنها أصيل كلّ يوم عند المغرب.
وروى الكليني في «روضة الكافي» بسنده عن ابان بن عثمان الأحمر البجلي الكوفي عن الصادق(ع): أن أبا ذر الغفاري استأذن رسول الله(ص) يرعى لقاحه، وسمّى الموضع: مزينة قال: أفتأذن لي أن أخرج أنا وابن أخي إلى مزينة فنكون بها؟
فقال(ص): إنّي أخشى أن يغير عليك خيل من العرب فيقتل ابن أخيك فتأتيني شعثاً فتقوم بين يدي متّكئا على عصاك فتقول: قتل ابن أخي واُخذ السرح.
فقال ابو ذر: يا رسول الله بل لا يكون إلّا خيراً إن شاء الله.
فأذن له رسول الله. فخرج هو وابن اخيه وامرأته.
فلم يلبث هناك إلّا يسيرا حتى غارت خيل بني فزارة فيها عيينة بن حصن، فأخذت السرح، وقتل ابن اخيه، وأخذت امرأته من بني غفار... وطعنوه طعنة جائفة[٢].
وروى الواقدي مثل ذلك وأضاف: وكان أبو ذرّ بعد ذلك يقول: عجبا لي! إنّ رسول الله كان يقول: لكأنّي بك وأنا ألحّ عليه، فكان والله على ما قال رسول الله(ص)، والله إنّا لفي منزلنا ولقاح رسول الله قد روّحت وعطّنت وحلبت عند العتمة ونمنا، وفي الليل (ليلة الأربعاء لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة ست)[٣] أحدق بنا عيينة بن حصن الفزاري في أربعين فارساً وقاموا على رؤوسنا وصاحوا بنا، وقتلوا ابني ونجت امرأته وثلاثة آخرون، واشتغلوا عنّي بإطلاق عقل اللقاح فتنحّيت عنهم، ثمّ صاحوا باللقاح فكان آخر العهد بها.
وفي خبر «روضة الكافي»: وأقبل ابو ذر يشتد حتى وقف بين يدي رسول الله فاعتمد على عصاه وقال: صدق الله ورسوله: أخذ السرح وقتل ابن أخي وقمت بين يديك على عصاي: فصاح رسول الله في المسلمين فخرجوا في الطلب فقتلوا نفرا من المشركين وردّوا السرح[٤].
وقال الواقدي: وكان سلمة بن الأكوع يقول: خرجت في الغداة اُريد لقاح رسول الله في الغابة لآتيه بلبنها، وكانت إبل عبد الرحمن بن عوف دون إبل النبي، فيها غلام لعبد الرحمن فلقيته فأخبرني أنّ عيينة بن حصن قد أغار في أربعين فارسا على لقاح رسول الله.
فرجعت بفرسي إلى المدينة حتّى أشرفت على ثنية الوداع[٥] فصرخت بأعلى صوتي ثلاثا: يا صباحاه![٦] وبلغ رسول الله صياح بن الاكوع، فصرخ بالمدينة: الفزع الفزع[٧] ثمّ طلع رسول الله مقنّعا في الحديد ووقف، فكان أوّل من أقبل إليه المقداد بن عمرو عليه الدرع والمغفر شاهرا سيفه، فعقد له رسول الله لواء في رمحه وقال له: امض حتّى تلحقك الخيول ونحن على أثرك.
قال المقداد: فخرجت وأنا أسأل الله الشهادة، حتّى أدركت اُخريات العدو وقد أعيا فرس لهم فنزل عنه صاحبه وارتدف خلف أحدهم، وتأخر الفرس عنهم، فأخذت الفرس وربطت في عنقه قطعة وتر وخلّيته، وأدركت منهم رجلاً يُدعى مسعدة فطعنته برمح فيه اللواء فزلّ الرمح وأعجزني هربا، ونصبت لوائي ليراه أصحابي فلحقني أبو قتادة على فرس له، ثمّ استحثّ فرسه فتقدّم عليّ حتّى غاب عنّي ثمّ لحقته فإذا هو قد قتل مسعدة وسجّاه ببرده.
وقال سلمة: ولحقت القوم فجعلت أرميهم بالنبل وأقول: خذها وأنا ابن الأكوع! وما زلت اكافحهم وأقول: قفوا قليلاً يلحقكم أربابكم من المهاجرين والأنصار، حتّى انتهيت بهم إلى ذي قرد[٨].
ثمّ كان أوّل فارس وقف على رسول الله بعد المقداد من الأنصار: عباد بن بشر الأشهلي، ثمّ سعد بن زيد الأشهلي[٩].
فروى الواقدي عنه قال: أتانا الصريخ يوم السرح وأنا في بني عبد الأشهل، فلبست درعي وأخذت سلاحي واستويت على فرسي، فانتهيت إلى رسول الله وعليه الدرع والمغفر لا أرى إلّا عينيه، والخيل تعدو باتّجاه القناة، فالتفت إليّ رسول الله فقال: يا سعد قد استعملتك على الخيل فامض حتّى ألحقك إن شاء الله، فلحقت بـ المقداد بن عمرو و معاذ بن ماعص، و أبو قتادة في أثرهم، ونظرت إلى ابن الأكوع يسبق الخيل يرشقهم بالنبل، ولحقنا بهم، فتناوشنا ساعة، وحملت على حبيب بن عيينة بالسيف فقطعت منكبه الأيسر فخلّى العنان وأسرع فرسه فوقع لوجهه وداسه فرسه فقتله. وكان شعارنا: أمت أمت[١٠] وقد أعطاه رسول الله رايته العقاب[١١].
وقال: قالوا: وذهب الصريخ إلى بني عمرو بن عوف، فجاءت الأمداد، فلم تزل الخيل والرجال تأتي على أقدامهم والإبل يتعقّبون الخيل والبغال والحمير، حتّى انتهوا إلى النبي بذي قرد، فاستنقذوا عشر لقائح، وذهب القوم بالعشر الباقي[١٢].
قال سلمة بن عمرو الأكوع: لحقنا رسول الله والخيول عشاء، فقلت: يا رسول الله، إنّ القوم عطاش وليس لهم ماء دون كذا وكذا، فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما بأيديهم من السرح وأخذت بأعناق القوم. فقال: ملكت فاسجح[١٣]، إنّهم الآن في غطفان[١٤].
وأقام رسول الله بذي قرد[١٥] تلك الليلة ونهارها يتلقى الأخبار، وكانوا خمسمائة إلى سبعمائة، وقسم في كلّ مائة منهم جزورا ينحرونها، وصلّى بهم صلاة الخوف.
وكان قد أقام في المدينة سعد بن عبادة في ثلاثمائة من قومه يحرسونها خمس ليال حتّى رجع النبي(ص). وهو الذي بعث إليه بعشرة جزائر محمّلة بالتمور مسيّرة لهم، مع ابنه قيس بن سعد، فقال له رسول الله: يا قيس بعثك أبوك فارساً وقوّى المجاهدين وحرس المدينة من العدو، اللهم ارحم سعداً وآل سعد. ثمّ قال: نعم المرء سعد بن عبادة! فقال بعض الخزرج: يا رسول الله، هو سيّدنا وابن سيّدنا، وإنّ أهل هذا البيت كانوا يطعمون في المحل ويحملون الكل ويقرون الضيف ويعطون في النائبة ويحملون عن العشيرة. فقال النبي(ص): خيار الناس في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا في الدين[١٦].
وروى ابن إسحاق عن الحسن بن أبي الحسن البصري: أنّ رسول الله رجع قافلاً إلى المدينة فأقبلت امرأة أبي ذر الغفاري أو ابنه) على ناقة من نوق رسول الله نجت عليها، فأخبرته خبرها ثمّ قالت: يا رسول الله، إنّي قد نذرت لله أن أنحرها إن نجّاني الله عليها؟ فتبسّم رسول الله ثمّ قال لها: بئس ما جزيتها أن حملك الله عليها ونجّاك بها ثمّ تنحرينها؟! إنّه لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين، وإنّما هي ناقة من إبلي. فارجعي إلى أهلك على بركة الله[١٧].
وروى الواقدي بسنده: أنّ رجلاً يدعى عيينة عثر في بعض أطراف المدينة على ناقة من نوق النبي فجاء بها إليه وقال له: يا رسول الله أهديت لك هذه اللقحة! فتبسّم النبي وقبضها منه ثمّ أمر له بثلاث أواق من فضّة، ومع ذلك عرف في وجهه عدم الرضا، فلمّا صلّى الظهر صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إنّ الرجل ليهدي لي الناقة من إبلي أعرفها كما أعرف بعض أهلي ثمّ أثيبه عليها فيظلّ يتسخّط عليّ، ولقد هممت أن لا أقبل هديّة إلّا من قرشيّ أو أنصاري.
وكان أبو هريرة يروي الخبر فيزيد فيه: أو ثقفي أو دوسي![١٨].[١٩]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ على بريد من المدينة - التنبيه والإشراف: ٢١٨.
- ↑ روضة الكافي: ١١٠ ح ٩٦ ط النجف الأشرف.
- ↑ المغازي ٢: ٥٣٧.
- ↑ روضة الكافي: ١١٠ ح ٩٦ ط النجف الأشرف.
- ↑ سيأتي في خبر خيبر البحث في ثنية الوداع هل كانت قبل خيبر في السنة السابعة؟ تسمّى بذلك أم لا؟ وأثبت بعضهم للمدينة ثنتين: شمالية وهي على طريق الشام وهي التي عُرفت بهذا الاسم في خروجهم إلى خيبر، والاخرى جنوبية على يمين طريق قُباء الطالع إلى قُباء قبل المسجد بكيلومتر واحد، وهي معلم بارز للعيان، وعليها ما زال قلعة من العهد التُركي. كما في كتاب: المساجد والاماكن الاثرية المجهولة في المدينة لعبدالرحمن خويلد الحجازي، وعنه في مجلة ميقات الحج ٦: ٢٦٨.
- ↑ المغازي ٢: ٥٣٩.
- ↑ ابن هشام ٣: ٢٩٤.
- ↑ نحو يوم من المدينة إلى غطفان.
- ↑ ابن هشام ٣: ٢٩٤ و٢٩٥.
- ↑ المغازي ٢: ٥٤٥ و٥٤٦.
- ↑ المغازي ٢: ٥٤٢.
- ↑ المغازي ٢: ٥٤٢.
- ↑ المغازي ٢: ٥٤١.
- ↑ ابن هشام ٣: ٢٩٧.
- ↑ أشار إليها الحلبي في المناقب ١: ٢٠١.
- ↑ المغازي ٢: ٥٤٧.
- ↑ ابن هشام ٣: ٢٩٧ و٢٩٨ ومغازي الواقدي ٢: ٥٤٨ وفيه: امرأة أبي ذر، مع ذكره لآخر الخبر: ارجعي إلى أهلك. وهذا إنّما يناسب امرأة ذرّ بن أبي ذرّ المقتول هنا، ولو كانت امرأة أبي ذر لناسب أن يقول لها: الحقي بزوجك. وقد مرّ في خبر الكليني أنّ امرأة أبي ذر اخذت.
- ↑ المغازي ٢: ٥٤٨ و٥٤٩ وهذه من زيادات أبي هريرة.
- ↑ محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٥٦١.