معركة مؤتة

من إمامةبيديا
(بالتحويل من غزوة مؤتة)

تمهيد

بعد أحداث السنة الهجرية السابعة، واستقرار الأمن في الحجاز بين المسلمين وقريش والأطراف المعادية الأُخرى، وضعف نفوذ اليهود وسطوتهم، فكّر النبي الأكرم (ص) في أن يركز في دعوته على سكان مناطق الحدود عند الشام، فوجه لهذا الغرض حارث بن عمير الأزدي يحمل كتاباً إلى أمير الغساسنة: الحارث بن أبي شمر الغساني، الذي حكم بصرى، فقبض على سفير النبي (ص) في مؤتة وقتله مخالفاً بذلك كلّ الأعراف الدولية التي تقضي باحترام السفراء وحصانتهم، ممّا أغضب الرسول والمسلمين، فقرر الاقتصاص من قاتل سفيره.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ النبي (ص) كان قد بعث في شهر ربيع الأوّل من هذه السنة ١٥ رجلاً إلى منطقة ذات أطلاح من أرض الشام خلف وادي القرى، لدعوة الناس إلى الإسلام، إلاّ أنّ الأهالي قتلوهم عن آخرهم مؤثرين عز الشهادة على ذل الأسر، إلاّ جريحاً منهم تمكن من الوصول إلى النبي (ص) ليخبره بالحادث.

وقد أثر هذان الحادثان على الوضع السياسي بين الجانبين، فأمر النبيّ (ص) بالخروج إلى الجهاد في شهر جمادى، ووجه جيشاً قوامه ٣ آلاف مقاتل لتأديب هؤلاء المخربين والغدرة، وعين القائد عليهم جعفر بن أبي طالب فإن قتل فـ زيد ابن حارثة، فإن أصيب، فـ عبد الله بن رواحة، فإن اصيب فليرتضي المسلمون بينهم رجلاً عليهم.

وقد خرج النبيّ (ص) بنفسه مع جماعة من أصحابه مشيّعاً لهم وودّعهم قائلاً: «دَفَعَ اَللهُ عَنْكُمْ وِرْدَكُمْ سَالِمِينَ».

ومن المؤكد أنّ القائد الأوّل لهذا الجيش كان جعفراً ثمّ زيداً فعبد الله، فلا مجال لتغيير الوضع الذي ذهب إليه بعض الرواة والمحدّثين، الذين اختلقوا ترتيباً آخر، بوضع زيد كقائد ثمّ جعفر كمعاون له ثمّ ابن رواحة، إذ أنّ وضع هذا الترتيب بهذا الشكل أُقرّ لدوافع سياسية وأغراض أُخرى لا مجال لذكرها هنا، وتبعهم في ذلك كتاب السيرة دون تمحيص وتحقيق.[١]

وفي الشام أعدّ الحاكم الحارث ١٠٠ ألف فارس لإيقاف تقدّم المسلمين، كما أعدّ القيصر ١٠٠ ألف آخرين في البلقاء كقوّة احتياطيّة تتدخل عند اللزوم.[٢]

ومن الواضح أنّه لم يكن هناك أيّ تكافؤ بين الجيشين الإسلامي والروماني، سواء في نوعية المعدات الحربية والأجهزة القتالية أو وسائل النقل أو عدد الجنود، والأرض وساحة المعركة الغريبة عن المسلمين، وقيامهم بدور الهجوم لا الدفاع الذي اتّخذه الروم ونفذوه في أرضهم وبلادهم.

وقد تواجه الجيشان في منطقة مشارف، ولكن المسلمين تراجعوا نحو مؤتة، فبدأت المبارزات الفردية أوّلاً، فقُتل جعفر بعد مبارزة شجاعة، ثمّ قُتل زيد بن حارثة، وأيضاً ابن رواحة، فاختار الجنود خالد بن الوليد قائداً، فعمد إلى استخدام تكتيك عسكري لم يعرف من قبل، إذ أمر بالعسكر أن يحدث بعض التغييرات في صفوفه بالليل دون صوت، ويذهب عدد منهم إلى مكان بعيد ثمّ يلتحقوا بالمسلمين عند الصباح مكبرين، فيظن العدو بوصول إمدادات عسكرية بشرية جديدة إلى جانب المسلمين. ولذا تمكن المسلمون من مواجهتهم وقتالهم، وقتل أعداد كبيرة منهم، فهدأت الأحوال، فرجع الجيش الإسلامي مستفيداً من هذا التكتيك ونَجَوا بأنفسهم من خطر فناء ساحق وأكيد.[٣]

إلاّ أنّ المسلمين في المدينة رفضوا منطق الإنسحاب من المعركة وفضلوا الاستشهاد في ساحة المعارك على الانسحاب، فهم كانوا يعدون الموت والشهادة في سبيل الله أفضل من الانسحاب.

وقد تأثر النبي (ص) لشهادة جعفر وبكى بشدة، فكان كلّما تذكر جعفراً وزيداً بكى[٤].[٥]

المراجع والمصادر

  1. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية

الهوامش

  1. السيرة النبوية: ٢ /٣٨٠.
  2. المغازي: ٢ /٧٦٠؛السيرة النبوية: ٢ /٣٧٥.
  3. السيرة النبوية: ٢ /٣٨١.
  4. بحار الأنوار: ٢١ /٥٤؛ المغازي: ٢ /٧٦٦.
  5. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٩٠-١٩٢.