هارون في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

تمهيد

قال الإمام علي (ع) عن تواضع موسى وهارون وقوة يقينهما (علیهما السّلام)[١]:

ولقد دخل موسى بنُ عمرانَ ومعه أخوه هارونُ (علیهما السّلام) على فرعونَ، وعليهما مدارِعُ الصوف، وبأيديهما العِصِّی، فَشَرطا له -إنْ أسلمَ- بقاءَ ملكِه، ودوامَ عزِّه، فقال: «ألا تَعجَبونَ مِن هذَينِ يَشرِطانِ لي دَوامَ العِزِّ، وبَقاءَ المُلكِ، وهُما بِما تَرَونَ مِن حالِ الفَقرِ وَالذُّلِّ! فَهَلّا اُلقِيَ عَلَيهِما أساوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ»؟ إعظاما لِلذَّهَبِ وجَمعِهِ، وَاحتِقارا لِلصّوفِ ولُبسِهِ!...».

في هذه الجمل الشريفة أبعاد كثیرة وإنما يعنينا منها ما نربطه بموضوعنا حول هذين النبيین العظيمین.[٢]

أولاً: التواضع وصلابة الموقف

يسجل الإمام (ع) التواضع الذي تمثل في هذا اللباس البسيط وتلك العصي وأنهما على طبيعتهما ودونما تكلف يدخلان على فرعون وهو يتقلب في أفخر لباس من خز وذهب، فلا يقعد بهما هذا التفاوت في المظهر أن يؤدِّيا وظيفتها بكل صلابة وثقة، فإن القيمة ليست في اللباس بل فيما يحملان في قلبيها وفي فكرهما وإيمانهما.[٣]

ثانیاٌ: الحاكم العادل

يفهم من هذه الحادثة وهذا الوصف أنه من صالح العباد والبلاد بقاء الحاكم العادل، بل إن عدل الحاكم هو من موجبات بقاء عزِّه، فليتمتع كما يشاء، ولكن فليكن عادلًا في رعيته يقوم بالنظام ويحفظ الحقوق، ولكن إذا كان فرعونًا جائرًا متعسفًا فإن ملكه إلى الزوال، وهو يحتقر أولياء الله تعالى بقوله (ألا تعجبون من هذين) فإنه لا يسميهما باسميهما بل يشیر لها باسم الإشارة (هذين) احتقارًا ومهانةً لهما.[٤]

ثالثاٌ: اليقين في الدعوة

فهما يحملان دعوة الحق على تمام اليقین والبصیرة، ويحملان ضمان الغيب، ومن يضمن الغيب سوى الله تعالى؟ إذن فهما ينبأان عن الله تعالى في هذه القضية الضخمة وهي ضمان بقاء ملك فرعون، وأي مُلكٍ هذا الملك؟! كل ذلك دلالة واضحة على أنها رسولا رب العالمین اللذين هما بعزة الله فوق كل عز ومقام،

وفوق مقياس فرعون المادي الذي ينظر للذهب واللباس والمال على أنه يرفع من شأن الإنسان، والواقع كما هو في مقياس الله تعالى أن الإنسان يشرِّف اللباس ويشرِّف الذهب وكل مظهر للترف.

نعم، يتشرَّف ويتربَّك الناس بتراب أقدام العالم، وهم يحتقرون قصور الظالم، وفي الرواية «لا يهوننَّ عليكَ من قَبُحَ مَنْظَرُهُ ورثَّ لباسُه، فإن الله تعالى ينظر إلى القلوب ويجازي بالأعمال».[٥].

وقد تتربَّى أفكارنا ونفسياتنا بحسب ما نعايش في حياتنا أن صاحب المركب الفخم، والدار الواسعة، والمال الكثیر هو إنسان كريم على الله تعالى ولذا أعطاه وأنعم عليه، وقد نتصور أن صاحبة الجلال واللباس الحسن هي التي تستحق التقدير والإجلال بسبب جمالها ولباسها، فنقيِّم الناس ونصاحبهم بهذه المقاييس الخاطئة التي تأخذ أثرها في مجتمعنا وأعماقنا، في حین أن مقياس الله تعالى في تقييم عباده لا يُعْنَى بهذه المظاهر فرب عبد في أطماره لو أقسم على الله تعالى لأبرَّ قسمه، وهذا درس نستفيده جميعًا من أمیر المؤمنین (ع).[٦]

المراجع والمصادر

  1. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة

الهوامش

  1. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
  2. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٦٦-١٦٧.
  3. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة (كتاب)|العقائد من نهج البلاغة، ص١٦٧.
  4. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة (كتاب)|العقائد من نهج البلاغة، ص١٦٧.
  5. من حكم أمير المؤمنين (ع). شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢٠ / ٣٢٦.
  6. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٦٧-١٦٨.