غزوة بئر معونة

من إمامةبيديا

تمهيد

روى الواقدي بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: كان سبعون رجلاً شابّاً من الأنصار إذا أمسوا اجتمعوا في ناحية من المدينة فصلّوا وتدارسوا القرآن حتى سمّوا القراء، حتى إذا كان الصبح جمعوا حطبا واستعذبوا ماء فحملوه إلى حجر رسول الله فكان أهلهم يظنّون أنّهم في المسجد وأهل المسجد يظنّون أنّهم جاءوا من أهليهم.

وقال الواقدي: وأرى أنّهم كانوا أربعين رجلاً فهو الثبت[١] وكذلك قال ابن إسحاق[٢].

ونقل الطبرسي في «إعلام الورى» عن كتاب أبان البجلي الكوفي قال: قدم على رسول الله بالمدينة أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنة، فعرض عليه الإسلام فأسلم[٣] وقال: يا محمّد! إن بعثت رجالاً إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك!

فقال الرسول: أخشى عليهم أهل نجد![٤] فقال أبو براء: أنا لهم جار!

فبعث رسول الله المنذر بن عمرو في بضعة وعشرين رجلاً - وقيل: في أربعين، وقيل: في سبعين رجلاً - من خيار المسلمين، منهم: الحارث بن الصمة، و حرام بن ملحان، و عامر بن فهيرة[٥] ومعهم كتاب رسول الله.

فساروا حتى نزلوا بئر معونة، وهي بين أرض بني عامر وحرّة بني سليم. فبعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله إلى عامر بن الطفيل، فلمّا أتاه لم ينظر (عامر) في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله وهو يقول: الله أكبر! فزت[٦] وربّ الكعبة! ثمّ دعا (عامر) بني عامر إلى قتالهم، فقالوا: لا نخفر أبا براء! فاستصرخ قبائل من بني سليم: عصيّة ورعلا وذكوان فأجابوه وأحاطوا بالقوم في رحالهم. فلمّا رأوهم أخذوا أسيافهم وقاتلوا القوم حتى قتلوا عن آخرهم[٧] وإنّما كانوا قد خلّفوا في سرحهم عمرو بن اميّة الضمري ورجلا آخر من الأنصار (المنذر بن محمّد[٨]) فلم ينبئهما بمصاب القوم إلّا الطير تحوم على العسكر، فقالا، والله إنّ لهذا الطير لشأنا! فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم! فقال الأنصاري (المنذر بن محمد) لـ عمرو الضمري: ما ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله فنخبره الخبر، فقال الأنصاري (المنذر بن محمّد): لكني لم أكن أرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو (الساعدي أميرهم، وحمل) فقاتل القوم حتى قُتل.

ورجع عمرو الضمري[٩] إلى المدينة فأخبر رسول الله. فقال: هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارهاً.

فبلغ ذلك أبا براء فشقّ عليه إخفار عامر بن الطفيل إيّاه وما أصاب من أصحاب رسول الله فحمل ابنه ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل فطعنه فأصاب فخذه، فقال عامر: هذا عمل عمّي أبي براء، إن متّ فدمي لعمّي لا تطلبوه به، وإن أعش فسأرى رأيي فيه[١٠].[١١]

المراجع والمصادر

  1. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي ج٢

الهوامش

  1. مغازي الواقدي ١: ٣٤٧.
  2. ابن هشام ٣: ١٩٤.
  3. فلم يسلم ولم يبعد، إعلام الورى ١: ١٨٦، ابن إسحاق في السيرة ٣: ١٩٣. والواقدي ١: ٣٤٦. وهو الثبت وإلّا فكيف يقول: يا محمّد؟!
  4. وإنّما يتوجّه هذا الكلام بعد خيانة رجال عضل والقارة والديش ولحيان من هذيل، لا قبل ذلك.
  5. وقال الواقدي: هؤلاء هم القرّاء الذين بعثهم إلى بئر المعونة.
  6. روى ابن إسحاق عن جبّار بن سلمى العامري قال: طعنت يومئذ رجلا منهم بالرمح بين كتفيه فخرج سنان الرمح من صدره فسمعته يقول: فزت والله! فسألت عن قوله فقالوا: للشهادة - ٣: ١٩٦. ورواه الواقدي ١: ٣٤٩.
  7. وقال ابن إسحاق: إلّا كعب بن زيد من بني النجّار فإنّهم تركوه وبه رمق فرفع من بين القتلى فعاش ورجع إلى المدينة ثمّ قتل يوم الخندق ٣: ١٩٤.
  8. ابن هشام ٣: ١٩٥.
  9. وروى ابن إسحاق قال: وأخذ عمرو بن اميّة الضمري أسيرا، فلمّا أخبرهم أنّه من مضر جزّ ناصيته عامر بن الطفيل واعتقه عن رقبة زعم أنّها كانت على امّه - ٣: ١٩٥، ونقله عنه الطبرسي في مجمع البيان ٢: ٨٨٢، وعنه في بحار الأنوار ٢٠: ١٤٨. وروى الواقدي قال: كان في سرحهم: عمرو بن اميّة الضمري والحارث بن الصمّة... فقاتلهم الحارث حتّى قتل منهم اثنين ثمّ أخذوه أسيرا ومعه عمرو الضمري. وقالوا للحارث: ما تحبّ أن نصنع بك؟ قال: احبّ أن أرى مصرع حرام بن ملحان (رسولهم) والمنذر بن عمرو الساعدي (أميرهم) ثمّ ترسلوني فاقاتلكم، فأروه مصرعهما ثمّ أرسلوه، فقاتلهم فقتل منهم اثنين آخرين ثمّ قتل. وقال عامر بن الطفيل لعمرو الضمري (لما عرفه أنّه من مضر): كانت على امّي نسمة، فأنت حرّ عنها، ثمّ جزّ ناصيته فأطلقه! - ١: ٣٤٨. وروى ابن إسحاق قال: فخرج عمرو بن اميّة حتّى كان بالقرقرة من أوّل القناة (واد يأتي من الطائف ويصبّ في الأرحضيّة وقرقرة الكدر بناحية المعدن بينه وبين المدينة ثمانية برد ٨٠ كيلومترا - معجم البلدان) فأقبل رجلان من بني عامر ونزلا معه في ظلّ هو فيه، فسألهما: ممّن أنتما؟ قالا: من بني عامر، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما ثأرا لأصحابه. فلمّا قدم على رسول الله وأخبره الخبر قال رسول الله: لقد قتلت قتيلين، لأدينّهما - لأنّهما كانا في جوار رسول الله - ثمّ قال النبيّ: هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها متخوّفا ٣: ١٩٥ - وقال الواقدي: فقال النبيّ: بئس ما صنعت قتلت رجلين كان لهمها مني أمان وجوار، لأدينّهما ١: ٣٥٢ فقال عمرو: كنت أراهما على شركهما، وكان قومهما قد نالوا منّا ما نالوا من الغدر بنا. وكان قد جاء بسلبهما، فأمر رسول الله بعزل سلبهما حتى يبعث به مع ديتهما - ١: ٣٦٤. وقال: ودعا رسول الله على قتلتهم في صلاة الصبح من تلك الليلة التي جاءه فيها الخبر، رفع رأسه من الركوع وقال: سمع الله لمن حمده ثمّ قال: اللهم اشد وطأتك على مضر، اللهم عليك ببني لحيان وزعب ورعل وذكوان وعصية، فإنّهم عصوا الله ورسوله، اللهم عليك ببني لحيان وعضل والقارة... اللهم انج المستضعفين من المؤمنين: غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله. ثمّ سجد. قال ذلك خمس عشرة يوما وقيل: أربعين يوما - ١: ٣٤٩ و٣٥٠. وهذا الدعاء أيضاً يشير بل صريح في سبق قصّة بني لحيان وعضل والقارة في بطن الرجيع.
  10. إعلام الورى ١: ١٨٧. وفي مجمع البيان ٢: ٨٨١ و٨٨٢، ينقل عن ابن إسحاق: أن عمل ربيعة هذا كان بعد أن بلغه قول حسّان بن ثابت فيه:
    بني أمّ البنين ألم يرعكموأنتم من ذوائب أهل نجد
    تهكّم عامر بأبي براءليخفره، وما خطأ كعمد
    ألا أبلغ ربيعة ذا المساعيفما أحدثت في الحدثان بعدي؟!
    أبوك أبو الحروب أبو براءوخالك ماجد: حكم بن سعد

    (ابن هشام ٣: ١٩٧). وأيضاً ينقل عن ابن إسحاق قول كعب بن مالك:

    لقد طارت شعاعاً كلّ وجهٍخِفارة ما أجار أبو براء
    بني أمّ البنين أما سمعتمدعاء المستغيث مع النساء
    وتنويه الصريخ؟! بلى ولكنعرفتم أنّه صدق اللقاء


    وليس في ابن هشام. مجمع البيان ٢: ٨٨٢، وعنه في المناقب ١: ١٩٥. وقال الواقدي: وبعث عامر بن الطفيل نفرا من أصحابه وكتب معهم إليه: إنّ رجلا من أصحابك قتل رجلين من أصحابنا ولهما منك أمان وجوار - ١: ٣٥٢ - فابعث بديتهما إلينا ١: ٣٦٤.

  11. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٣٩٩.